لايوجد أدق من وصف عالم الفلك الشهير كارل ساغان للكتاب بأنه “دليل على إمكانية البشر ممارسة السحر”، لكن وفي الوقت الذي يجمع الكاتب عناصر القصة السحرية يبقى خيال القارئ هو المكان الخصب له.  

السؤال، كيف نشجع مهارة القراءة المركزية جداً لهويتنا العقلية؟ 

يتتبع ستيفن روجر فيشر في “تاريخ من القراءة A History of Reading”  التاريخ من فجر الرموز حتى النصوص الالكترونية، ويحلل في المعنى الحقيقي للقراءة.

يقدم ستيفن كتابه بطريقة أدبية صرفة

“القراءة للعقل كالموسيقى للروح. القراءة تتحدى وتقوي، تسحر وتغني. تجعلناعلامات سوداء على ورق أبيض أو على شاشة حاسوب نبكي، تعرف حياتنا على رؤى جديدة ومفاهيم تلهمنا، تنظم وجودنا وتصلنا بكل الخلق.

بالتأكيد لا يوجد أمر أعجب من ذلك.”

ثم يتابع  ويستكشف الأبيض والأسود في عالم القراءة والكتابة

“على الرغم من سير القراءة والكتابة جنباً إلى جنب، تعتبر القراءة فعلياً نقيضاً للكتابة حتى أنها تنشط مناطق مختلفة من الدماغ. 

الكتابة مهارة، القراءة شيء فطري. كانت الكتابة الأصل ثم تم تطويعها عمداً بعد ذلك، تطورت القراءة بتناغم مع تعمق الفهم البشري للقدرات الكامنة للكلام المكتوب. شهد تاريخ الكتابة سلسلة من الاستعارات والتحسينات، بينما تضمن تاريخ القراءة مراحل متلاحقة من النضج الاجتماعي.

الكتابة هي التعبير، بينما القراءة هي انطباع. الكتابة عامة، القراءة خاصة. الكتابة محدودة، ليس للقراءة حدود. الكتابة توقف اللحظة، القراءة للأبد.”

[…]

“لطالما كانت القراءة مختلفة عن الكتابة. تعطي الكتابة الأولوية للصوت، حيث يجب أن يتم تحويل الكلمة المحكية إلى إشارات تمثلها. بينما تعطي القراءة الأولوية للمعنى. لاتتعلق القدرة على القراءة حقيقة بمهارة الكتابة.

ماهي القراءة إذاً؟ الإجابة ليست بسيطة في الحقيقة. القراءة فعل متغير غير مطلق. القراءة هي القدرة على إعطاء الرموز المكتوبة أو المطبوعة معنى، هذا وفق تعريفها الأحدث. يستخدم القراء الرموز التي تساعد على استرجاع المعلومات من الذاكرة، ثم يقومون باستخدامها لبناء تفسير معقول لرسالة الكاتب. 

لكن لم تكن القراءة كذلك دائماً، كانت بداية القدرة البسيطة على استخراج المعلومات المرئية من أي نظام مرمز وفهم المعنى منه. تحولت لاحقاً لتدل بشكل دقيق على فهم نص على سطح مكتوب عليه. تطورت مؤخراً لاستخراج معلومات من شاشة إلكترونية بدلاً من السطح. سيتمر تعريف القراءة بالتطور والتوسع مستقبلاً بالتأكيد. لنعتبره مقياساً آخراً على تقدم البشر.”

[…]

“القراءة ليست تعبيراً عن كل حرف بصوت خاص، قد تعنى القراءة بالمعنى دون الحاجة لأي صوت. 

هنا يكمن الشعور السحري الذي يصاحبك حين تقرأ.”

يتابع الكاتب ويتحدث عن الأنواع الخمسة لتبادل المعلومات: الإنتاج، النقل، الاستقبال، التخزين، التكرار مشيراً في نفس الوقت إلى أن الكتابة أمر إما مرئي أو صوتي لكن القراءة هي عملية شعور بمكان مختلف وغالباً ماتندمج مع السمع والرؤية.

ثم يعرض ملخصاً عن كيفية تحول الأشكال إلى أصوات:

“أضحى الرمز صوتاً بعيداً عن مرجعية نظامه في بلاد الرافدين قبل حوالي 6000 إلى 5700 سنة قبل الآن. انتشرت الفكرة بسرعة، غرب النيل وشرق الهضبة الإيرانية وصولاً إلى بلاد السند، حيث تتطلب اللغات والحاجات الاجتماعية المختلفة تعابير مرسومة أخرى. أثبتت الكتابة في كل مكان أنها أداة لايمكن الاستغناء عنها للحصول على المعلومات وتخزينها: سهلت الكتابة المحاسبة والتخزين والنقل، حفظت الأسماء والتواريخ والأماكن أكثر بكثير ممااستطاعت الذاكرة البشرية. تضمنت كل القراءة البسيطة المبكرة نظام إدراك أو تعرف بسيط، كانت تتمحور دائماً حول المهمة.”

[…]

“يقرأ هي شيتا في السومرية، تعني الكلمة أيضاً: يعد، يحسب، يفكر، يتذكر، يوثق، يقرأ بصوت عال. قليلون هم من استطاعوا في بلاد الرافدين امتلاك هذه القدرة. كانت نسبة القراءة في “أور” أعظم عاصمة في المنطقة واحد بالمئة ربما. حوت مدينة سيبر البابلية التي يبلغ سكانها حوالي 10  آلاف على 185 كاتب معروف رسمياً فقط. عشرة منهم نساء.”

[…]

“يستطيع القارئ أن يستنتج من هذه النسبة المتدنية، أن القراءة لم تكن أمراً منعزلاً* وهادئاً بل مثيرة للجلبة. غالباً ماخدمت الكلمة المكتوبة في استرجاع نص محفوظ غيباً من قبل. كان الأدب – كل الأدب- عاماً وشفهياً في بلاد الرافدين. كانت الكتابة وسيلة لتحقيق غايات أخرى. كان الأداء العلني تقليداً يمتد إلى الآلاف من السنين للوراء ولم يكن غاية بحد ذاته، بل مواجهة منفردة مع الكلمة المكتوبة. 

تشهد الألواح لأصحاب الأختام كقضاة بابل على سبيل المثال، أنه كان بإمكانهم التحدث بمحتوى لوح وتأكيده علناً (بشكل مشابه لقراءة قضاة اليوم للشهادات في المحكمة). لم يكن هناك منافسة أو تحد من قبل الشهود بين الحضور، كان تكذيب ختم واحد سبباً لقاب شديد. كان الصوت المكتوب هو الصوت الحقيقي.”

* علينا أن نتساءل كم عدنا لطبيعتنا القديمة في عدم التآلف مع الناس في عصر الصفحات المنشرة في كل مكان والعروض التقديمية التي لاتنتهي والمنشورات على شبكة الانترنت المليئة بالإعلانات بشكل مأساوي. كل مايجعل تجربة القراءة بعيدة كل البعد عن الهدوء والإمتاع.”

تاريخ من القراءة هو جزء من ثلاثية فيشر الرائعة Globalities، بالإضافة إلى تاريخ الكتابة  وتاريخ اللغة.

من Brainpickings