الفضاء مليء بالإشعاعات المستحيل تفاديها. تخيل نفسك وسط عاصفة غبار، قطع الحصى تحوم حولك، تصدر أزيزاً بجانبك، تضرب بشرتك.  ذاك يشبه الإشعاع في الفضاء. ولكن المشكلة هي أنه، على عكس الحصى أو ذرات التراب، لا يرتد الإشعاع اللحم البشري. بل يدخل خلاله، مثل قذيفة تدخل في مبنى وتسبب الضرر.

نشر باحثون في المركز الطبي لجامعة روتشستر   University of Rochester Medical Center الأسبوع الماضي دراسة تشير إلى أن التعرض الطويل للأشعة الكونية المجرية – مثل تلك التي يتعرض لها رواد الفضاء في رحلة إلى المريخ – يمكن أن يزيد من خطر الإصابة بمرض الزهايمر.

نحن نرسل الناس إلى الفضاء منذ50 عاما. وقد تمكنا من متابعة جيل من رواد الفضاء يشيخون ويموتون ونرصد من يسافر إلى الفضاء باستمرار. تجرى الأبحاث مثل بحث جامعة روشستر على حيوانات المختبر، الفئران والجرذان. ومن المفترض أن تساعدنا على الاستعداد للمستقبل. ولكن ماذا نعرف عن الماضي؟ كيف أثر الإشعاع على الناس الذين ذهبوا بالفعل إلى الفضاء؟ وكيف تؤثر على الناس الذين هم هناك الآن؟

هناك فرق واحد بين رواد فضاء اليوم ورواد فضاء المستقبل في المستقبل، إنها الأرض نفسها.

يسبب الإشعاع الكوني المجري – ويدعى أيضا بالأشعة الكونية المجرية – القلق الأكبر للباحثين. وتتألف من جزيئات، وجسيمات من الذرات التي انفصلت نتيجة السوبرنوفا

تتكون غالبية هذا الإشعاع، ما يقرب من 90٪، من بروتونات منفصلة من ذرات الهيدروجين. تسافر هذه الجسيمات في أنحاء المجرة بسرعة الضوء تقريباً.

تضرب تلك الإشعاعات الأرض.  لدى هذا الكوكب بعض آليات الدفاع التي تحمينا على الأرض من آثار الإشعاع الكوني المجري. أولا، يدفع الحقل المغناطيسي للأرض بعض الجزيئات بعيدا ويبعد كتلاً أخرى تماماً. تواجه الجزيئات التي تستطيع المرور من ذاك الحاجز الذرات التي تشكل الغلاف الجوي.

إذا ما قمت بإسقاط برج كبير مصنوع من الليغو على الدرج سيتكسر، وتقع قطع في كل مرة يضرب درجة جديدة. وهذا يشبه إلى حد كبير ما يحدث للأشعة الكونية المجرية في غلافنا الجوي. تصطدم الجزيئات مع الذرات وتتفكك، ثم تشكل جزيئات جديدة. تتكسر تلك الجسيمات مجدداً لدى اصطدامها بشيء آخر. تفقد الجزيئات طاقة في كل خطوة، وتصبح أبطأ وأضعف قليلا،. في الوقت الذي تصل فيه إلى “نقطة التوقف” على الأرض، لن تكون بنفس القوة التي كانت قبلاً. لا تزال إشعاعات. ولكن أقل خطورة.  سيكون أذاها أشبه بأن تضرب بقطعة ليغو واحدة بدلا من البرج كاملاً.

استفاد كل رواد الفضاء الذين أرسلوا إلى الفضاء حتى الآن، على الأقل جزئيا، من الحواجز الواقية للأرض، الأمر الذي اخبرني عنه فرانسيس كوكونوتا Francis Cucinotta، وهو مدير برنامج علم أحياء الإشعاعات الفضائية في ناسا Space Radiobiology Program ، هو الرجل المناسب لمعرفة كيفية ضرر الإشعاع لرواد الفضاء.

يتابع فرانيس: باستثناء رحلات أبولو إلى القمر، فإن تواجد الإنسان في الفضاء كان في الميدان المغناطيسي للأرض. تقع محطة الفضاء الدولية، على سبيل المثال،  فوق الغلاف الجوي، ولكنها داخل خط الدفاع الأول. لم يتعرض رواد الفضاء للقوة الكاملة للإشعاع الكوني المجري.

كان رواد الفضاء يتعرضون للإشعاع لفترة محدودة نسبياً. استغرقت أطول رحلة فضائية ما يزيد قليلاً عن عام. وذلك يعتبر مهماً لأن الضرر الناتج عن الأشعة هي عملية تراكمية. لا يمكنك مقارنة خطر رحلة قصيرة لمدة ستة أشهر إلى المحطة الفضائية الدولية مع رحلة لعدة سنوات إلى المريخ.

 من المثير للاهتمام بحسب كوكونوتا أنه حتى مع تلك الحماية نحن نرى بوادر الضرر الإشعاعي لرواد الفضاء.

الخطر الأكبر ربما هو إعتام عدسة العين cataracts – تجعل التغيرات في عدسة العين الأمر أكثر غموضاً. مع تناقص الضوء الدخول إلى عيون الناس المصابين بإعتام عدسة العين ، يفقدون  بعضاً من قدرتهم على الرؤية. بدأ كوكونوتا مع زملائه في عام 2001، بالبحث في بيانات من دراسة في الجارية حول صحة رواد الفضاء، ووجدت أن رواد الفضاء الذين تعرضوا لجرعات من الإشعاع (لأنهم قاموا برحلات أكثر في الفضاء، أو بسبب طبيعة الرحلات التي قاموا بها) هم أكثر عرضة للإصابة بإعتام عدسة العين من أولئك الذين تعرضوا لجرعات أقل.

هناك أيضا احتمال لزيادة خطر الإصابة بالسرطان، على الرغم من أنه من صعوبة تقدير الاحتمالية بالضبط. ذلك لأننا لا نملك بيانات وبائية عن هذا النوع من الإشعاع الذي يتعرض له رواد الفضاء. نعلم معدلات الإصابة بالسرطان للناجين من القنابل النووية التي ألقيت على هيروشيما وناغازاكي، ولكن هذا الإشعاع غير قابل للمقارنة مع الإشعاع الكوني المجرة.  قلق كوكونوتا يأتي خصوصاً من جزيئات تعرف باسم أيونات HZE.

هذه الجسيمات ثقيلة جداً وسريعة جداً، ولا نتعرض لها على الأرض. حيث أنها تُصفى وتُخرج من قبل أنظمة الدفاع الأرضية. يمكن لأيونات HZE أن تتسبب بكثير من الضرر، وبأنواع مختلفة ، أكثر مما يتصوره علماء الإشعاع . نعلم هذا لأن العلماء قد قارنوا عينات من دم رواد الفضاء قبل وبعد رحلات الفضاء.

ويدعو كوكونوتا لمايسمى بعملية المعايرة قبل الطيران.  يأخذ العلماء عينة دم من رائد فضاء قبل الإطلاق. بعد ذلك، وعندما يكون الرائد في الفضاء يقوم العلماء بتقسيم عينة الدم وتعريضها لمستويات مختلفة من أشعة جاما – وهو نوع من الإشعاع الضار الموجود على الأرض. عندما يعود رائد الفضاء، يقارن العلماء تلك العينة المعرضة لأشعة جاما مع ما حدث فعلا لرائد الفضاء. “يمكن أن ترى فرقين أو ثلاثة بين رواد الفضاء”، وفقاً لكوكونوتا. 

مثال على كيفية اختلاف أيونات HZE: يبدو بأن تلك الايونات قادرة على التأثير حتى على الخلايا التي لا تلمسها. يمكن لهذه الآثار غير المستهدفة أن تحدث في خلايا تبعد ملليمترا عن الخلايا المعرضة للإشعاع في تجارب لا بشرية، لا نعرف بعد ما يعنيه ذلك.

لكنه يغير بالتأكيد الطريقة التي نفكر بها حول مخاطر الإشعاع، وهو نموذج يقوم على افتراض وجود صلة مباشرة بين مقدار الجرعة ومخاطرها. و كن من الممكن أن لا يكون هذا صحيحاً مع أيونات HZE.

يفسر هذا لما تستمر الدراسات كالتي نشرت الأسبوع الماضي. ليس الأمر أننا نرى آثاراً رهيبة على رواد الفضاء الذين كانوا في الفضاء في نصف القرن الماضي. ولكن، أظهر رواد الفضاء لنا نوعان من التأثيرات. أولا، هناك تغييرات جينية و يحدث الضرر حتى ضمن حدود التي سافروا إليها وهي تعتبر آمنة نسبياً . الثاني، هناك الكثير مما لا نعرفه حول مدى خطورة التعرض للإشعاع في الفضاء الخارجي. يشبه الأمر تقريباً رائحة الغاز في منزلنا، حيث لا ندرى فيما إذا كان هناك تسرب خطير، أو أننا فقط تركنا الموقد مفتوحاً لبضع دقائق.

إذا كان مستقبلنا يكمن في النجوم حقاً ، فهذا هو سر الذي علينا اكتشافه.

* تعرض رواد الفضاء الذين كانوا في  سكاي لاب  Skylab ومهمات ناسا مير Nasa-Mir لجرعات إشعاعية أعلى بكثير من تلك التي في المريخ أو جيميني أو أبولو أو في مكوك الفضاء. كان متوسط ​​الجرعة لعيون الرواد حوالي 90 ملي زيفرت   لم يكن لأي من البعثات الأخرى جرعة تتجاوز​​أعلى من 15 ملي زيفرت. يعكس هذا على على الأرجح مقدار الوقت  في بعثة سكايلاب ومير، وربما أيضاً بناء وتوجهات سكايلاب ومير.

من BoingBoing 

الصورة من ناسا وهي لما يسما بالكراب نيبيولا Crab Nebula، بقايا سوبر نوفا. يعتقد العلماء أن  الأشعة الكونية المجرية تأتي من مناطق مثل هذه.