أصبح راي كارزويل اسماً مشهوراً لكثيرين في عالم التكنولوجيا بعد انتقاله لغوغل مؤخراً وعمله على أحد أكثر مشاريعها المثيرة المتمثلة في إنتاج دماغ متكامل مبني على تقنيات الذكاء الصنعي. لراي تاريخ طويل جداً في هذا المجال وهو من أكبر المبشرين والمتنبئين بهذا التداخل الآلي البيولوجي في حياتنا. 

قام ستيفن ليفي Steven Levy من مجلة وايرد Wired بإجراء حوار مطول ومهم جداً مع راي. إليكم تفاصيله..

لطالما كانت غوغل شركة للذكاء الاصطناعي، لذلك لا يجب أن يكون مفاجئاً انضمام راي كورزويل، أحد أبرز العلماء في هذا المجال، إلى الشركة العملاقة في أواخر العام الماضي. 

مع ذلك، أثار توظيفه بعض الدهشة، كورزويل من أكبر دعاة دماغ الذكاء الاصطناعي ربما، ويدعي أنه من الممكن خلق وعي في كائن صناعي . أضف إلى ذلك المعلومات الصادرة عن غوغل بأنها تستخدم تقنيات التعلم العميق لإنتاج دماغ اصطناعي، وبتوظيف لاحق لأحد أرباب شبكات الحاسوب العصبية جيفري هينتون Geoffrey Hinton، يبدو بأن غوغل في طريقها إلى أن تصبح المطور الأكثر جرأة للدماغ الاصطناعي، حقيقة قد يعتبرها البعض مثيرة وآخرون قد يعتبرونها مقلقة. أو كلاهما.

الثلاثاء، أشرف كورزويل على اجتماع مباشر Google Hangout على موقع غوغل مرتبط بإطلاق فلم ويل سميث Will Smith الجديد، بعد الأرض After Earth، بحيث يربط سياق الفبلم المستقبلي بما يتوقعه من يتنبؤون بالمستقبل الآن. تطرق النقاش إلى ضرورة السفر إلى الفضاء وإلى ضرورة حل مشاكل الطاقة في العالم باستخدام الطاقة الشمسية. بعد الاجتماع، تكلمت مع كورزويل هاتفياً لمناقشة بعض القضايا بالتفصيل.

قال ويل سميث خلال  الاجتماع  أنه يملك نسخة من كتابك إلى جانب سريره لأنه شارك في عدة أفلام خيال علمي. ما هي وجهة نظرك للخيال العلمي؟

الخيال العلمي هو فرصة عظيمة لتوقع ما سيحدث. يعطيني، كأحد الذين يتنبؤون بالمستقبل، العديد من السيناريوهات. ليس من واجب كتاب الخيال العلمي أن يكونوا واقعيين بخصوص الإطارات الزمنية والأشياء الأخرى. تعود الشخصيات في هذا الفيلم على سبيل المثال إلى الأرض بعد ألف عام والتطور البيولوجي يكون قد تقدم لدرجة أن الحيوانات أصبحت مختلفة تماماً. هذا ليس واقعياً. بالإضافة إلى ذلك، هناك دائماً طابع بائس في الخيال العلمي لأننا نستطيع إدراك أخطار العلم أكثر مما ندرك فوائده، وهذا ما يجعل القصص أكثر دراماتيكية. تصور العديد من الأفلام التي تتمحور حول الذكاء الاصطناعي أن الدماغ الصناعي سيكون ذكياً جداً لكن سينقصه بعض الصفات العاطفية للبشر وبالتالي سيتحول ليصبح خطيراً جداً.

ما هو المفتاح للتنبؤ بالمستقبل؟

أدركت منذ 30 عاماً أن مفتاح النجاح هو التوقيت. أتلقى العديد من المقترحات التقنية الجديدة، وأقول أن 95% من هذه الفرق ستقوم ببناء ما تدعي أنها تستطيع بناءه إن تم إعطاؤها الموارد المناسبة، لكن 95% من هذه المشاريع تفشل بسبب الخطأ في التوقيت الذي توقعته، على سبيل المثال، عندما قلت ان محركات البحث ستبدأ بالظهور. قبل 15 عاماً كان لاري بيج Larry Page وسيرجي برين Sergey Brin في المكان والزمان المناسبين مع الفكرة المناسبة.

هل توقعت ظهور محركات البحث؟

نعم. كتبت عن ذلك في وقت مبكر في الثمانينيات، في وقت ظهور كتاب عصر الآلات الذكية The Age of intelligent Machines  صدر الكتاب في عام 1990.

لكن هل توقعت أنك ستعمل لشركة بدأت كمحرك بحث؟

هذا هو بالذات أحد الأشياء التي لا يمكن توقعها. سيكون من الصعب جداً أن تتوقع أن شابين في ستانفورد سيستحوذان على عالم البحث. لكن ما اكتشفته أنه إن درست المقاييس الرئيسية لأداء السعر وسعة تكنولوجيا المعلومات، ستشكل منحنيات أسية رائعة وسلسة وقابلة للتوقع. كان أداء سعر الحساب يرتفع بشكل أسي سلس منذ تعداد عام 1890. وقد مر هذا بفترات صعبة وفترات سهلة، بأوقات حرب وأوقات سلم، ولم يؤثر عليه شيء. قمت بتوقعات حتى عام 2050. في عام 2013، نحن تماماً على الموقع الذي توقعته من المنحنى.

ما الذي تعمل عليه في غوغل؟

عملي في غوغل هو تطوير فهم اللغات الطبيعية مع فريقي وبتعاون من باحثين آخرين في غوغل. تقدم البحث إلى ما بعد مرحلة إيجاد الكلمات المفتاحية فقط، لكنه ما يزال لا يقرأ مليارات من صفحات الويب وصفحات الكتب لإدخالها في المحتوى الدلالي. إن قمت بكتابة تدوينة، ولديك شيء لتقوله، فأنت لا تقوم فقط بخلق كلمات ومرادفات لها، نريد من الحواسيب أن تلتقط فعلياً ذاك المعنى الدلالي. إن حدث ذلك، وأعتقد أنه ممكن، قد يسأل الناس أسئلة أعقد بكثير.

هل ستساهم في برنامج جيف دين Jeff Dean لبناء دماغ غوغل الاصطناعي؟

حسناً، جيف هو أحد معاوني. ورئيس فريق بحثي مساعد. سنقوم باستخدام أنظمته وتقنياته للتعلم العميق. والسبب في أنني في غوغل هي المصادر تلك. كما أن مخطط المعرفة والتحليل النحوي المتقدم جدا والكثير من التقنيات المتقدمة التي أحتاجها لمشروع يسعى حقاً لفهم اللغة الطبيعية. أستطيع النجاح بذلك بشكل أسهل بكثير في غوغل لوجود هذه التقنيات.

إن استطاع نظامك فهم اللغات الطبيعية حقاً، هل بإمكانك أن تزعم أنه يمتلك وعياً؟

حسناً، أستطيع. لدي موعد ثابت لهذه الرؤية في عام 2029. وهذا لا يعني الذكاء المنطقي. بقدر ما يعني الذكاء العاطفي، أن تكون مرحاً، أن تفهم النكات، أن تكون مثيراً، محباً، وفهم المشاعر الإنسانية هو أعقد الأشياء التي نقوم بها. هذا ما يفصل بين الإنسان والآلات اليوم. أظن أنه هذه الفجوة سيتم إغلاقها في عام 2029.

هل يمكننا الوصول لذلك عن طريق المزيد من الحوسبة وبرمجيات أفضل، أم أن هناك حواجز حالية تعيق الوصول إليه وعلينا اجتيازها؟

هناك متطلبات على صعيد البرمجيات والأجهزة. أظن اننا قريبون جداً لامتلاك التقنيات البرمجية اللازمة. ويرتبط ذلك جزئياً بفهم الدماغ البشري وطريقة عمله، ونحن نتقدم بشكل هائل في ذلك المجال. نستطيع الآن أن نرى ما داخل الدماغ البشري وأن نرى الاتصالات العصبية تتشكل وتحترق في الوقت الحقيقي . نستطيع أن نرى دماغك يقوم بخلق أفكارك وأفكارك تقوم بخلق دماغك. جزء كبير من هذا البحث يكشف كيف تسير آلية العمل في القشرة المخية، حيث تجري عملياتنا الفكرية. هذا يزودنا بطرائق بيولوجية مستوحاة نستطيع محاكاتها باستخدام الحواسيب. نحن نقوم بذلك مسبقاً. تستخدم تقنية التعلم العميق التي ذكرتها شبكات عصبية متعددة الطبقات مستوحاة من طريقة عمل الدماغ البشري. باستخدام نماذم مستوحاة بيولوجياً، بالإضافة إلى كل الأبحاث التي تم القيام بها على مدى عقود في مجال الذكاء الاصطناعي ، جنباً إلى جنب مع الأجهزة التي تتقدم بسرعة هائلة، سوف نصل مستوى الإنسان بغضون عقدين.

هل نفهم حقاً لم قد ينتج دماغ أحد ما في صورة فريدة كإنسان؟ خذ الذكاء العالي جداً لآينشتاين، إبداع ستيف جوبز، أو تركيز لاري بيج. ما الذي جعل من هؤلاء الناس مميزين؟ هل لديك نظرة في ذلك؟

أقوم بدراسة هذا السؤال بالذات حقيقة، فيما يتعلق بآينشتاين بالذات في كتابي الأخير، كيف تصنع عقلاً How to Create a Mind .

أخبرنا بالمزيد.. 

هناك أمران. أول شيء، نحن نخلق دماغنا بأفكارنا. لدينا قدرة محدودة في قشرتنا المخية، مقدرة بحوالي 300 مليون معرف أنماط، يتم تنظيمها ضمن تسلسل هرمي. نحن نخلق هذه الهرمية بتفكيرنا. لن أفسر عبقرية آينشتاين بناء على امتلاكه 350 مليون أو 400 مليون. لدينا تقريباً نفس القدرة. لكنه قام بتنظيم دماغه ليفكر بشكل عميق حول موضوع واحد. لقد كان مهتماً في آلة الكمان، لكنه لم يكن جاشكا هايفيتز Jascha Heifetz. وكان لجاشكا هايفيتز اهتمام في الفيزياء، لكنه لم يكن آينشتاين. لدينا القدرة على القيام بعمل خارق في مجال واحد. هذا جزء من القدرة المحدودة لدماغنا، وقد كرس آينشتاين دماغه فعلاً لهذا المجال بالذات.

لكن الكثير من الفيزيائيين كرسوا نفسهم لهذا المجال، لكن واحد فقط أضحى أينشتاين.

لم أنه كلامي. الجانب الآخر هو الشجاعة بأن تتابع تجاربك الفكرية الخاصة وألا تسقط عن الحصان لأن استنتاجاتك مختلفة جداً عن افتراضاتك السابقة أو المعتقدات الاجتماعية السائدة. الناس غير قادرين على قبول وجهات نظر مختلفة حيث أنهم يسقطون نماذج تفكيرهم حين تؤدي إلى استنتاجات سخيفة. لذلك يجب توفر قدر محدد من الشجاعة لتتماشى مع قناعاتكم. من الواضح أن ستيف جوبز امتلك هذا. كان لديه رؤية وقام بتنفيذها. إنها تلك الشجاعة في قناعاتك.

ما هو الأساس البيولوجي لهذا النوع من الشجاعة؟ إن كان لديك قدرة غير محدودة لتحليل دماغ، هل بإمكانك أن تقول، “أوه، هنا حيث تكون الشجاعة؟”

إنها القشرة المخية، والأناس الذين يملؤون رؤوسهم بالقلق حول موافقة أقرانهم لن يكونوا آينشتاين أو ستيف جوبز.

هل هذا شيء يستطيع أحدنا التحكم فيه؟

إنه سؤال جيد. لقد كنت أفكر بهذا وفكرت أيضاً بالاسباب التي تجعل بعض الناس يقبلون بالنمو الهائل لتقنيات المعلومات وآثارها، والبعض الآخر يرفضونه. أستطيع أن أزعم أن الاتصالات في دماغنا هي توقعات خطية، لأن هذا نجح جيداً قبل 1000 عام، تعقب حيوان في البرية. 

بعض الناس مع ذلك، يمكنهم تقبل المنظور المتقدم بشكل هائل بسهولة حين تريهم الدليل، وبعض  الناس لا يقبلون. أحاول أن أجيب على السؤال، ما الذي يفسر ذلك؟ إنه بالتأكيد ليس مستوى الإنجاز أو الذكاء أو مستوى التعلم أو الوضع الاقتصادي والاجتماعي. إنه يتجاوز كل هذه الأمور. بعض الناس لديهم قشرة مخية منظمة حتى تكون لديهم القدرة على تقبل الآثار التي يرونها أمامهم دون الكثير من القلق. هل بإمكاننا تعلم هذا؟ أتصور أنه بإمكاننا، لكن ليس لدي معلومات تثبت ذلك.

بما أننا كنا نتكلم عن ستيف جوبز، دعني أستدعي أحد اقتباساته الشهيرة من خطابه في جامعة ستانفورد   حيث قال:”الموت هو غالباً أفضل اختراعات الحياة. إنه عامل تغيير الحياة.” أنت تحاول بجدية أن تمدد حياتك إلى أجل غير مسمى، لذا أنت ترفض ذلك، أليس كذلك؟

نعم، هذا ما يمكننا أن ندعوه مقولة “تبجيل الموت” deathist، جزء من محاولة عمرها ألف عام لتفسير الموت كشيء جيد. بدت في بعض الأوقات منطقية، لأنه حتى مؤخراً  يمكنك اتخاذ حجة سليمة ظاهرياً حيث بإمكان الحياة أن تمتد بشكل غير محدود. لذا قام الدين، الذي ظهر في فترة لم يكن العلم فيها سائداُ، بفعل الشيء القادم الأفضل، الذي يمكننا أن نقول عنه، “أوه، ذاك الشيء المأساوي؟ إنه شيء جيد حقاً.” قمنا بتفسير ذلك منطقياً لأننا اضطررنا لقبوله. لكن في رأيي الموت هو مأساة. رد فعلنا لسماع أن شخصاً ما قد مات هو خسارة عميقة للمعرفة والمهارة والمواهب والعلاقات. إنها ليست حالة أنه دائماً يوجد هناك عدد محدد من المواقف، وإذا لم يمت الأشخاص المسنون، لا يوجد هناك مجال للشباب كي يأتوا بأفكار جديدة، لأننا باستمرار نوسع مجال معرفتنا. لم يأخذ لاري بيج وسيرجي برين مكان أحد آخر لقد خلقوا مجالاً جديداً تماماً. نرى أن المعرفة تنمو باستمرار بشكل أسي. فهي تتضاعف تقريباً كل عام.

وتظن أن الحياة الممتدة بشكل كبير هي أمر محتمل.

أظن أننا بحاجة إلى 15 عام كي نصل إلى نقطة تحول في مدة حياتنا.

 

تحرير إضافي: أحمد أبو الحوف