كتبت تيريزا أو-نيل لمجلة The Week بعنوان “لماذا يستخدم الأطفال في جميع الحضارات كلمة “ماما” للدلالة على الأم؟” مستندة على البحث الذي قام به اللغوي الروسي رومان جاكبسون.

توجد كلمة للدلالة على معنى “الماء” في كل لغة على وجه الأرض. فعلى سبيل المثال، كلمة “ماجي” تدل على الماء في اللغة السواحيلية.”فاند” في اللغة الدانيماركية، وهي “ميزو” في اللغة اليابانية. ومع أن المياه هي أحد أهم القواسم المشتركة بين جميع الحضارات على الكرة الأرضية، وهي أساس الحياة بالنسبة لنا جميعاً، نجد أنه لا يوجد أصل أو جذر لغوي مشترك لهذه الكلمة. أحد الأجابات المقنعة على هذا التساؤل هي: لماذا عليها أن تكون مشتركة أصلاً؟ كون هذه اللغات قد نشأت بين شعوب تعيش في مكان مختلف كلياً عن الأخرى، وتختلف في تاريخها ونشأتها.

ولكن، هناك كلمة مشتركة بين جميع لغات العالم تقريباً. هذه الكلمة هي: “ماما”.

“ماما” هي كلمة عالمية بحق، تصف المرأة التي تقوم بالإعتناء بنا في الحالة التي نكون الأضعف خلالها. جميع اللغات التي يستخدمها البشر تستخدم الكلمة “ماما” للدلالة على الأم، مع أن الكلمة الأصلية لكلمة “الأم” تختلف بين لغة وأخرى.

قام اللغوي الروسي رومان جاكبسون بدراسة سبب عالمية الكلمات “ماما” و “بابا” في جميع اللغات تقريباً، وتعتبر دراسته حاسمة في هذا الموضوع.

يوضح رومان أن أسهل الأصوات نطقاً على البشر هي أصوات الأحرف اللّينة التي تعتمد على الفم المفتوح. يستطيع الأطفال إطلاق هذه الأصوات بشكل سهل يومياً، وهذا بالضبط ما يقومون به. يجربون به ويقلبون شكل البداية التي يبدأون بها بإستمرار. وبينما يقومون بهذه التجارب، يحاولون أيضاً إصدار بعض أبسط أشكال أصوات الأحرف الساكنة، والتي غالباً ما يبدأون بإصدار تلك التي تخرج عن طريق الشفاه المغلقة لسهولتها. مثل “م” أو “ب”. يجمع الأطفال كافة طاقتهم لإخراج هذا الصوت “ممممممم” ومن ثم يحولونه الى صوت حرف مفتوح آخر -أيضاً سهل- لإخراج الصوت، عادة مايكون “اه” لسهولته. عندما نجمع هذين الصوتين يصبح لدينا: “ما-ما” أو “با-با”، وهكذا.

أحد الأسئلة هنا هي أنه لماذا عادة ما يبدأ الأطفال بكلمة “ماما” بدلاً عن “بابا”؟ الإجابة ببساطة هي أن صوت الحرف “م” هو الأسهل إخراجاً عندما إرضاع الطفل الصغير. فعندما يكون فمه مطبقاً على ثدي أمه، يكون حرف الميم طبيعياً جداً. حتى أننا نحن الكبار، نلجأ الى إصدار الصوت “ممممم” عند تذوق طعام لذيذ!

تخلص دراسة رومان الى أن الطفل ليس لديه أدنى فكرة أن كلمة “ماما” تعني الأم، أو “المرأة الحنونة” أو أي شيء آخر. كل ماتعنه هذه الكلمة بالنسبة للطفل هي: “طعام”.

لذلك عندما يقوم الطفل بنداء “ماما” أمام والده، يبدأ بالإنزعاج بشكل متواتر لعدم توفر ثدي يحصل منه على طعام. هذه الحالة لا تعني أن الطفل يبحث عن أمه، بل تعني ببساطة أنه يبحث عن مصدر الطعام الأساسي بالنسبة له. مصدر الطعام هذا يجب أن يكون جاهزاً دائماً في خدمته.

تسبق دراسة جاكبسون الحركات النسائية العالمية، ولا تتطرأ بشكل موسع لدور الأب الأساسي في توفير الرعاية للطفل. ولكن يمكننا الإفتراض أن الأمر يتم بشكل مشابه تقريباً لنطق كلمة “بابا”، ولكنه يتغير بشكل طفيف في حالات التوجيه الأبوي. لاحقاً يتعلم الطفل أنه يمكنه أن يقول “دا-دا” لكي يحضر الطعام، وأن الأمر ليس مقتصراً على كلمة “ماما”.

يقوم الأهل بتشجيع أطفالهم على النطق والكلام في البداية، ومن ثم يقومون بتوجيه نطقهم ليوافق اللغة الخاصة بهم. لاحقاً في حياة الطفل، تصبح كلمات “بابا” و “ماما” دالة على الأشخاص نفسهم الذين يوفرون الرعاية للطفل، بغض النظر عن التنوع الحضاري واللغوي بين جميع أطفال العالم. وبغض النظر عن الكلمة التي يستخدمها الطفل عندما يستيقظ في منتصف الليل طالباً “الماء” أو “الميزو” أو “ووتر”، غالباً ما تكون “الماما” هي من يطلب منها هذا الشيء.

بتصرف عن مقال في مجلة The Week.