نظرية المجموعات: حين تكون فرضية لا صحيحة ولا خاطئة

توفي جورج كانتور في مصحة في هالي Halle، ألمانيا. عالم رياضيات بارز، كان قد وضع أسس نظرية الأعداد الغير منتهية في سبعينات القرن التاسع عشر. في ذاك الوقت، تلقت أفكاره معارضة عدائية من علماء الرياضيات البارزين في أوروبا، وأهمهم ليوبولد كرونيكر Leopold Kronecker، أحد أساتذة كانتور. في أول نوبة من نوبات اكتئابه، كتب كانتور 52 رسالة لعالم الرياضيات السويدي غوستا ميتاغ-ليفلير Gösta Mittag-Leffler، ذكر كرونيكر في كل منها.

لكن لم يكن الرفض من قبل كرونيكر هو ما دفع كانتور إلى الاكتئاب فقط; بل كانت بالإضافة إلى ذلك عدم قدرته على إثبات حدس رياضي قام بصياغته في عام 1878، واقتنع بصحته، دعيبفرضية الاستمرار. لكن إن لام نفسه فقد كان يفعل ذلك بلا داعٍ. الجدال حول الحدس هذا غير مؤكد أبداً: قام كورت غوديل Kurt Gödel في عام 1940 بإثبات أن فرضية الاستمرار لا يمكن نقضها، وفي عام 1963 أثبت بول كوهين أنه لا يمكن إثباتها. وبذلك اختار كوهين المسكين أصعب المسائل ليقيم نفسه بها.

كيف يمكن إثبات أن شيئاً ما غير قابل للإثبات وغير قابل للنقض على حد سواء؟ سيتطلب الجواب الكامل صفحات عديدة من التعاريف والافتراضات والإثباتات. لكن يمكننا أن نحصل على شعور يرتبط بما قد ينطوي هذا الظرف الواقعي الغريب عليه بسرعة أكثر.

فرضية كانتور في الاستمرار هي بيان يختص بأحجام اللانهاية.

الآن لمعرفة كيف يمكن للانهاية أن يكون لها أكثر من حجم، لنسأل أنفسنا أولاً كيف تتم مقارنة أحجام الأرقام العادية. خذ مجموعة من الماعز في غابة صغيرة، إن كان هناك ست (6) ماعز وست (6) أشجار، وتم ربط كل ماعز إلى شجرة مختلفة، ثم يتم وضع رابط فريد بين كل ماعز وشجرة. هذا الرابط يسمى “تقابل correspondence” بين الماعز والأشجار. إن كان هناك 6 ماعز و8 أشجار، لن نكون قادرين على وضع تواصل كهذا: ولا يهم كم حاولنا، سيكون هناك 2 من الماعز غير مربوطة بشجرة.

يمكن استخدام هذا التقابل لمقارنة أحجام مجموعات أكبر من 6 ماعز-بما فيه المجموعات اللانهائية. القاعدة هي أنه إن وجد تقابل بين مجموعتين، يكون لهما نفس الحجم. إن لم يكن هناك تقابل فإحداهما أكبر بالتأكيد. على سبيل المثال، مجموعة الأعداد الطبيعية {1,2,3,4…} تحوي مجموعة مضاعفات الخمسة {5,10,15,20,…} . للوهلة الأولى، يبدو أنه يدل على أن مجموعة الأعداد الطبيعية أكبر من مجموعة مضاعفات الخمسة. لكن في الواقع هما متساويتان في الحجم: كل عدد طبيعي يمكن ربطه بعدد من مضاعفات الخمسة برابط فريد دون بقاء أي عناصر غير مربوطة. أحد هذه التقابلات تتضمن ربط العدد 1 بالعدد 5، الـ 2 بال10، وهكذا.

إن أعدنا هذا التمرين لمقارنة الأعداد الحقيقية (التي تتضمن الأعداد الصحيحة والكسور والكسور العشرية والأعداد الغير عادية) مع الاعداد الطبيعية، نجد أن مجموعة الاعداد الحقيقية أكبر. مما يعني أنه يمكن إثبات وجود تقابل لا يمكن أن يتم بين المجموعتين.

تنص نظرية الاستمرار على أنه لا وجود لمجموعة غير منتهية من الأعداد الحقيقية أكبر من مجموعة الأعداد الطبيعية، بل أصغر من مجموعة الأعداد الحقيقية كلها. قد كان كانتور مقتنعاً، لكنه لم يستطع إثباتها.

في أول نوبة من نوبات اكتئابه، كتب كانتور 52 رسالة لعالم الرياضيات السويدي غوستا ميتاغ-ليفلير Gösta Mittag-Leffler، ذكر كرونيكر في كل منها.

لنرى السبب، فلنبدأ من خلال النظر بمكونات البرهان الرياضي. يتم إثبات النتائج الرياضية اعتماداً على البديهيات والمنطق. البديهيات هي نصوص عن مفاهيم رياضية أساسية واضحة بديهياً دون الحاجة للتشكيك في صحتها. وكمثال على ذلك بديهية أن أي عدد طبيعي (وهو مفهوم أساسي)، يوجد عدد طبيعي آخر أكبر منه. هذا أمر بديهي دون شك. ثم يستخدم المنطق لاستخلاص نتائج معقدة من البديهيات. في النهاية، نستطيع بناء نماذج تكون بنى رياضية تستوفي مجموعة من البديهيات.

أي قضية يتم استخدامها انطلاقاً من بديهيات باستخدام المنطق ستكون صحيحة حتمياً حين يتم تفسيرها في أي نموذج يجعل من هذه البديهيات صحيحة.

من اللافت أن كل الرياضيات يمكن استخلاصها باستخدام بديهيات مرتبطة بمفاهيم أولية عن مجموعة. يطلق  على فرع الرياضيات الذي يختص بهذا الأمر اليوم “نظرية المجموعة”. 

يستطيع المرء أن يثبت قضية رياضية عن طريق إيجاد تفسير مناسب لها بلغة المجموعات (وهذا أمر يمكن فعله دائماً)، ومن ثم تطبيق المنطق على بديهيات المجموعات. أحد بديهيات المجموعات هي أنه بإمكاننا أن نجمع عناصر معينة لمجموعة ما لتشكيل مجموعة جديدة; وأن هناك مجموعة لانهائية.

فيديو – ماهو معدل كبر اللانهاية؟

وصف كورت غوديل نموذجاً يستوفي بديهيات نظرية المجموعة، ولا يسمح هذا النموذج لمجموعة غير منتهية  حجمها أصغر من حجم مجموعة الأعداد الحقيقية وأكبر من مجموعة الأعداد الطبيعية أن توجد. هذا ما منع نقض نظرية الاستمرار. لكن نجح بول كوهين بعد عدة سنوات ، وبشكل ملفت،  بإيجاد نموذج آخر لنظرية المجموعة يستوفي بديهياتها، مما يسمح لمجموعة كهذه أن توجد. هذا ما منع إثبات نظرية الاستمرار.

ومن منظار آخر لإيجاد برهان على نظرية الاستمرار، عليه أن يكون صحيحاً في كل نماذج نظرية المجموعة. وبشكل مشابه، لنقض النظرية، عليها أن تكون غير صحيحة في كل نماذج نظرية المجموعة.

ويبقى من الممكن وجود بديهيات ستبين إن كانت نظرية الاستمرار صحيحة أو خاطئة. على سبيل المثال، وجود بديهية تبين طريقة جديدة لتشكيل مجموعات من مجموعات موجودة مسبقاً قد يعطينا القدرة على إنشاء مجموعات غير معروفة قد تنقض النظرية. هناك العديد من هذه البديهيات، المعروفة عموماً بـ “بديهيات الأعداد الكبيرة.” تشكل هذه البديهيات فرعاً للبحث في نظرية المجموعة الحديثة، لكن لم يتم استخلاص أي نتائج هامة منه حتى الآن.

خذ مجموعة من الماعز في غابة صغيرة، إن كان هناك ست (6) ماعز وست (6) أشجار، وتم ربط كل ماعز إلى شجرة مختلفة، ثم يتم وضع رابط فريد بين كل ماعز وشجرة. هذا الرابط يسمى “تقابل correspondence” بين الماعز والأشجار. 

الشك المحيط بنظرية الاستمرار فريد من نوعه وفي نفس الوقت هام لأنه تغلغل في عمق الرياضيات بحد ذاتها. هذا يثير قضايا هامة بخصوص فلسفة العلم والمنهج البديهي. تبين أن الرياضيات فعالة بشكل كبير في وصف الكون. لذا من الطبيعي أن نتساءل إن كانت الشكوك الموجودة في الرياضيات ستترجم إلى شكوك في طريقة عمل الكون. هل هناك نظام واحد يحكم قوانين الكون الأساسية؟ هل من الممكن أن يكون هناك أكوان أخرى تقدم فيه الحقائق الرياضية بشكل مختلف؟ حتى يتم حل مشكلة نظرية الاستمرار، قد يميل المرء إلى الاعتقاد بذلك.

المقال لـ أيالر كريشنان Ayalur Krishnan – استاذ مساعد للرياضيات في جامعة Kingsborough Community College – نشر المقال في مجلة Nautilus – عدد الشك Uncertainty 

الصورة