مقال لـ ليندا ستون Linda Stone من The Atlantic

قد يكون كم الانتاج الكبير وسرعة الانتاج مقاييس هامة تتمتع بها الآلات، لكن بالنسبة للبشر فإن اهم مقياس يتمتع به العمل البشري هو التفاعلية.

مع بزوغ فجر الثورة الصناعية، بدا وكأن الآلات قادرة على فعل كل شيئ. توقع خبراء الإنتاجية في ذاك الوقت بأن وجود الآلات والتقنيات الجديدة يعني أننا سنضطر للعمل أربع ساعات يوميا فقط….

لكن، وكما نعلم جميعاً، لم يكن هذا ما حصل. اندمج عوضاً عن ذلك تعريف الانتاجية البشرية مع تعريف الانتاجية الآلية: عمل أكثر، مدة زمنية أسرع، فعالية أكثر.

نميل للتفكير بالانتاجية واعتبار أنها زيادة للانتاج أو الكمية المنتجة. ما كمية ما نحن قادرون على إنجازه؟ كم من الرسائل الالكترونية أو المكالمات أوالاجتماعات يمكننا ان نتحكم بها باستخدام تقنيات إدارة الوقت.

سألت البعض منذ بضع سنوات  مضت خلال سلسلة من المقابلات، عمّا اذا تمكنوا من ادارة وقتهم وتركيزهم.. أو الاثنين معاً.

تكلم -المدراء- من الدرجة الوسطى عن أفضل تطبيقات لديهم لادارة الوقت، وعبروا في نفس الوقت عن قلقهم: “لا أستطيع انجاز كل شيئ. من المستحيل مجاراة العمل.”

عبروا عن شعورهم بالقلق تجاه المستقبل: “هل ساتمكن من انجاز كل شيئ؟” وقلقهم من الماضي:”كيف نسيت ذاك الموعد؟!”أولئك الذين قالوا أنهم أداروا وقتهم سجلوا مستويات أعلى من التوتر و تلف الاعصاب.

وفي تباين واضح، فإن الجراحين والفنانين والكثير ممن يتقنون إدارة وقتهم تحدثوا عن إدارة كل من وقتهم بالاضافة إلى تركيزهم. لم يتمكنوا من ادارة الدقائق والمهام. لقد ركزوا على الأولويات وقرروا أن يقوموا بمراجعة طويلة المدى. وصف هؤلاء ممن أجريت معهم المقابلات فعل كل شيء على حدى، و التركيز بشكل كامل على ما يفعلونه. لقد سجلوا حالات مرونة أعلى.

ماهو التركيز التفاعلي و ما هي المرونة؟

صاغ Mihaly Csikszentmihalyi مصطلح”المرونة flow“، الذي يصفه بـ “أن تكون منخرطاً في نشاط ما سعياً وراء هذا النشاط. بحيث يمضي الوقت. وتكون كل حركة وكل فعل، متبوعاً مباشرة مما قبله.”

على الجراحين , وبحكم الضرورة أن يتحكموا بالوقت والانتباه. وصف لنا جراح أوعية دموية عملية جراحية لا يتمكن خلالها الشريان الأبهر المتوضع فوق الأوعية التي تغذي الكبد من الصمود لأكثر من 30 دقيقة بدون دم، وإلا فإن المريض سيموت. كانت نصيحته:”أبطئ لتسرع.”

“حين تنطلق بسرعة، وتكون مستعجلاً وعلى الموعد تماماً، تميل لارتكاب أخطاء لأنك تقبل بعدد قطب غير كاف في النسيج. تقبل بالعيوب بهدف المنفعة العامة وفق رأيك. لكن حين تقوم بإزالتها لاحقاً، ينزف المريض وتصبح مضطراً لاصلاح القطب.

لكن حين تبطئ، تقوم بإجراء قطب تكون مثالية علمياً. تقوم بانجاز كل شيئ بسرعة أعلى لأنك لا تكون محتاجاً لتعود وتصحح الأخطاء.”

مثال من إحدى القابلات، كان جواب القابلة على أهمية كل من المعالجة والمردود بوصف خبرتها في التركيز التفاعلي أو Engaged Attention “لا اتطلع فقط لمردود مهمة ما…في الولادة، إذا كان للمردود علاقة فقط بمدى نزيف المرأة أو بدرجة أبغار(Apgar)  عند الطفل، حينها تضيع عملية الولادة وتختفي اهميتها.”

لقد حان الوقت لاعادة النظر في مسألة الانتاجية.قد يكون خَرْجٌ أكثر، منتجٌ بشكل أسرع، مقياساً جيدا للآلات. لكن بالنسبة للبشر، فإن أهم مقياس هو التفاعل أو الإنخراط Engagement. يتمحور التفاعل حول كيفية سير العملية والمردود منها وجودة القيام بها.

يقوم التفاعل بتقديم السبل و النتائج على حساب التركيز الكامل على النتيجة.

يتعامل جراح الأوعية الدموية الذي “يبطئ ليسرع” مع المرضى على أساس التركيز التفاعلي ويتمتع بالمرونة اللازمة.حين يكون أداؤك في القمة أثناء ممارسة رياضة ما، كالتزلج، و يراودك ذاك الإحساس بوجود جسمك وتفكيرك في نفس المكان والزمان، تكون حينها في حالة مرنة”حالة تدفق flow state”.ويمكنك أن تلاحظ التركيز التفاعلي حين تشاهد أطفالاً يلعبون.

ماذا لو قيمت المدارس طلابها ومدرسيها على أساس التفاعلية أو الإنخراط على حساب الاختبارات الاعتيادية؟ تشير الابحاث الى ان المدرسين الذين يستعملون اسلوب التفاعلية أكثر فاعلية من غيرهم. أيضا احتمال رسوب التلاميذ ممن يتفاعلون ويشاركون أكثر أقل بكثير من احتمال رسوب غيرهم. كما أنهم قد يزرعون بذلك كل ميزة كنا نامل بها: الفضول، المبادرة، الغنى، إتقان المواد.

ماذا لو، قُدر أداء الموظفين على اساس التفاعلية في العمل؟ تفعل أغلب الشركات الناجحة ذلك. يدرب Zappos.com بالإضافة إلى GoDaddy.com موظفي الدعم الهاتفي على التفاعل مع الزبائن مما يؤدي إلى الرضا عن العمل للموظف وزيادة ثقة الزبون وولائه–وهو مردود مرغوب به.الشركات التي تقيس أداء طاقم الدعم الهاتفي على مقاييس انتاجية أقدم تنظر إلى عدد الدقائق على الهاتف والفعالية في بيع الزبائن–وهي مقاييس تتعلق بالمردود.

ماذا لو اعدنا النظر في الانتاجية؟ نعرّف الانتاجية اليوم للبشر بنفس الطريقة التي نعرفها للآلات. ماذا لو أنشأنا مقاييس للتفاعلية، للمدارس، لأماكن العمل، لحياتنا؟بدلاً من تقييم النتائج؟ يمكننا ان نقيم العملية بحد ذاتها، إضافة للمردود والنوعية.