التالي هو مقطع مختصر من كتاب Smarter Than You Think أذكى مما نتوقع: كيف تغيّر التكنولوجيا تفكيرنا نحو الأفضل” للكاتب في مجلة وايرد Wired كلايف تومسون Clive Thompson

***

بعد ولادة طفلي الثاني وضيق شقتنا علينا، قررنا أن نحاول شراء شقّة في بروكلين، نيويورك.نحاول البحث منذ أشهر، ولا نجد شيئاً يجري كما ينبغي.

في أحد الأيام أثناء ملاحقة هذا الحلم، صادفت زوجتي إيميلي في محطّة المترو في الجزء الجنوبي من متنزّه Prospect بروكلين. نظرت إلى هاتفها ولاحظت وجود إشارة لشبكة لاسلكيّة داخل المحطّة. لذلك نشرت على حسابها على فيس بوك “ياللعجب! هناك إشارة لشبكة لاسلكيّة في محطّة قطار الأنفاق في الشارع 15″، وكما هو معتاد قام بعض أصدقائها بالتعليق على الموضوع.

لكن حصل شيئ غير متوقّع. لاحظت امرأة تدعى “آن” منشور إميلي. لم تكن آن من أصدقاء إميلي، بل في الواقع لم تر آن إميلي منذ سنوات ـ  آن هي زوجة لرجل يدعى براد قابلته إميلي منذ 15 سنة حيث كانا يعيشان سويّةً في أتلانتا. ولم تكن إميلي تسمع أخباره سوى عن طريق تحديثاته على فيس بوك.

صدف أن قرأت آن تحديث إميلي وسألت في إطار التعليقات ” ماذا تفعلين في ذلك الحيّ؟” أجابت إميلي بأنّها كانت تبحث عن بيت لتشتريه. ثمّ أشارت آن بأن لديها بعض الأصدقاء الذين يريدون عرض منازلهم للبيع في تلك المنطقة. وفي الأسبوع التالي بدأت الأحداث تتالى وراء بعضها. دبّرت لها آن اتصالا مع أحد أصحاب المنازل. اكتشفنا أنّ المنزل هو كان ما نبحث عنه بالضبط. وبما أننا وصلنا له عن طريق كلمة عابرة، تمكّنا من شرائه سريعاً وانتقلنا إليه بعد عدّة أشهر.

يمكن تصنيف ما حدث تحت ما يدعوه علماء الاجتماع بالرابطة الضعيفة weak tie.

قارن ستو بوياد Stowe Boyad الإشارات المحيطة بنا بتيّار من الماء. تحنو باتجاهه لتأخذ رشفة  وليس شرب التيار بأكمله. تشرب و تتابع طريقك حتى تعطش من جديد.

ففي عالم ما قبل شبكات التواصل الاجتماعيّ، كان احتمال التقاء إميلي بزوجة صديق قديم معدوماً. نادراً ما تحوي الدائرة الاجتماعيّة لنا على ذاك النوع من الصلة البعيدة.

في عالم الشبكات الاجتماعيّة أصبحت الروابط الضعيفة جزءاً من نسيجك الاجتماعيّ. وبإمكانها أن تأتي لك بمعلومات مفيدة.

في عام 1973، أعطى العالم الاجتماعيّ مارك غرانوفيتر Mark Granovetter اسماً لهذه العمليّة القويّة:” قوّة الروابط الضعيفة The Strength of Weak Ties” أمضى غرانوفيتر الكثير من الوقت في بحث الطرق التي مكّنت الأشخاص من إيجاد وظائف. وبعد استبيان المئات ممن وجدوا وظائفهم، اكتشف ثلاث استراتيجيّات رئيسيّة: الاستجابة لإعلانات الوظائف، التوظيف السريع وما يعرف بالاتصال البارد: أو تطوير المعارف الشخصيّة.

حين قام غرانوفيتر بتحليل المعطيات، تبيّن له أمران. أوّلاً ،كانت أفضل الوظائف التي حصل عليها الأشخاص هي التي حصلوا عليها عن طريق معارفهم الشخصيين . تتميّز هذه الوظائف برواتب أعلى من تلك في الوظائف التي نحصل عليها رسميّاً أو بتوظيف مباشر: كان أكثر من 54 بالمئة من الأشخاص الذين حصلوا على وظائفهم عن طريق معارف شخصيّة ” راضين جدّاً” بوظائفهم، مقارنة بنسبة 52.8 بالمئة ممن توظّفوا مباشرةً و30 بالمئة فقط ممن اتبعوا طرقاً رسميّة للحصول على وظائف.

لكن الكشف الثاني كان أكثر غرابة : عندما حصل الأشخاص على الوظائف بكلمة واحدة فقط، فغالباً ما أتت عن طريق الرابطة  الضعيفة. حوالي 28 بالمئة من الأشخاص الذين حصلوا على وظائفهم من شخص لم يروه منذ سنة أو أقلّ. 56.6 بالمئة  حصلوا على وظائفهم عن طريق شخص رأوه ” أكثر من مرّة في السنة لكن أقل من مرتين في الأسبوع.” وأقليّة منهم حصلوا على وظائفهم عن طريق شخص يعرفونه جيّداً “رابطة قويّة،” شخص رأوه مرّتين على الأقلّ. بمعنى آخر ، هناك احتمال ضئيل بسماعك بوظيفة رائعة عن طريق صديق مقرّب. ولكن الاحتمال أكبر بكثير عن طريق زميل بعيد.

يقول غرانوفيتر “هذا مذهل!”،” الحصول على معلومات مهمّة عن طريق أشخاص كانوا قد نسيوا وجدودهم تقريباً”

ما السبب؟ من المؤكّد أنّ أصدقاءك يعتنون بك، لكن هل يتوقون لمساعدتك على إيجاد وظيفة جيدة؟ بالطبع، لكن كما أشار غرانوفيتر ، فإنّ أصدقاءك لديهم نوع من العجز في المعلومات. فهم مألوفون لبعضهم بشكل كبير.

يسمّى هذا بمبدأ الـ Homophily أو الميل إلى المماثل: نميل لاختيار أصدقائنا المفضّلين ممن يكونون مرآة لنا ديموغرافيّاً وثقافيّاً وسياسيّاً ومهنيّاً. يسهّل هذا من التقارب وتوطيد العلاقات ـــ لكن هذا يعني أيضاً أنّ مصادر معلوماتنا متقاربة أيضاً. فكلّ وظيفة سمع بها صديقي، سمعت بها أنا أيضاً.

تختلف الروابط الضعيفة. إنّ هؤلاء الأشخاص وكما يصفهم غرانوفيتر  أقرب منا إلى مصادر معلومات أخرى، لذلك يحصلون على معلومات لا نملكها ويتحرّكون بين أناس لا نعرفهم وبالتالي يحصلون على عروض وظائف لا تعوّض.

يقول غرانوفيتر:  “بمقارنة المعارف بالأصدقاء المقرّبين، فهم قادرون على الحركة في دوائر مختلفة عن دائرة الفرد الشخصيّة،” الروابط ضعيفة لكنّها غنيّة بالمعلومات.

كان هناك مجموعة من الأشخاص الأغنياء بالصّلات في بحث غرانوفيتر في السبعينات أطلق عليهم  مالكوم غلادويل Malcolm Gladwell “الموصلون Connectors” ، وهم نوع نادر الوجود من الأشخاص المتعمّقين اجتماعيّاً والذين يعرفون أشخاصاً أكثر من المعتاد.

هؤلاء الأشخاص أقوياء بفضل هذه الصلات الأخطبوطيّة بالعديد من الروابط الضعيفة. حصلوا على معلومات كان غيرهم كسولاً ، مشغولاً ، أو غير مخوّل للحصول عليها.

***

تتلاشى الكثير من الحدود بفضل أدوات هذه الأيام. فتجعل من بالغ السهولة البقاء على اتصال بالروابط الضعيفة والاستفادة منها. تحوّل هذه الظاهرة الأشخاص العاديين إلى “موصلات قويّة” على اتصال خفيف مع عدد أكبر  من ذي قبل.

وفيما يعدّ غوغل سريعاً في الإجابة على سؤال عاديّ، فإنّ شبكات البشر تحصّل بالحكمة والمحاكمة ـــ ليس فقط مطابقة أنماط المعلومات. بل معالجة المعضلات الغامضة التي تشغل الحياة اليوميّة.

مع أخذ العلم ، فالحصول على شبكة تغذّيك بالمعلومات المفاجئة والقيّمة ليس أمراً يحصل من تلقاء نفسه. كالكثير من أدواتنا الجديدة، فإن تشكيل مجموعة جيّدة من الروابط الضعيفة يتطلّب عملاً كثيراً. وإن لم نعمل على ذلك الأساس فهناك تبعات. من السهل الانجراف إلى “الميل إلى المماثل” ،الاتصال بأشخاص بأشخاص قريبين إلى منطقتك: نفس العمر، الطبقة، الإثنيّة والعرق، وحتّى نفس المهنة.

نميل للميل إلى المماثل بشكل عميق في ذاتنا، وكما يشير إليها إلي باريسر Eli Pariser في كتاب The filter Bubble، من الممكن للأدوات الرقميّة أن تجعل من هذا الميل أسوأ، بتضيقها لمنظورنا عن العالم.

تقوم خوارزمية شريط الأخبار في فيس بوك مثلاً بتحليل ومتابعة أي جهات الاتصال التي تعيرها انتباهاً أكثر وتجلب تحديثاتهم إلى صفحتك أوّلاً بأوّل، بحيث تسمع أخبار مجموعة صغيرة من الأشخاص أولاً بأوّل.( ومن الأسوأ كما اكتشفت، يبدو أنّ فيس بوك يلغي الأشخاص الذين لا تتابعهم بشكلٍ دوريّ ـــ بما معناه أنّ روابطك الضعيفة تختفي تدريجيّاً عن ناظرك) يقترح باريسر أنه يمكننا محاربة “الميل إلى المماثل” عن طريق الوعي الذاتي ـــ بملاحظة التحيّز الموجود فينا أساساً، والذي يقضي على جهات اتصال قد توسّع عالمنا، وباستخدام أدوات أكثر غموضاً من الخوارزميّات الخفيّة لفيس بوك.

“هذا مذهل!”،” الحصول على معلومات مهمّة عن طريق أشخاص كانوا قد نسيوا وجدودهم تقريباً”

إن تخلّصت من “الميل إلى المماثل homophily” فهناك خطر آخر للوعي الخفيف Ambient Awareness: من الممكن له أن يجذب الاهتمام والمتابعة بشكل كبير. حساب شخصي مليئ بأشخاص ينشرون أفكاراً ذكيّة لنقرأها أشبه بالمقاهي في القرن السابع عشر، وهو مشهد مغرٍ بحيث لا تستطيع الابتعاد عنه. وكالكثيرين ، أمضيت ساعات دون فعل شيئ ذي قيمة (مادّياً) فيما كنت اتمتّع بلقاءات الصدفة.

اشتكى آخرون من أنّ الوعي الخفيف يعزز من خشيتهم من تفويت فرصة ما، الرهبة من حصول شيئ مهمّ يفوّتونه في هذه اللحظة.

تكمن الحيلة بالوعي الكامل mindfulness. نحتاج أن نلاحظ عندما يحاول عبثنا في العالم المحيط أن يبتعد بنا عن أشياء أخرى من المفروض أن نفعلها. قارن ستو بوياد Stowe Boyad ـــوهو من رواد الوسائط الاجتماعية ــ الإشارات المحيطة بنا بتيّار من الماء. تحنو باتجاهه لتأخذ رشفة ـــ وليس شرب التيار بأكمله.” تشرب و تتابع طريقك حتى تعطش من جديد”

من Wired