كالعادة، تقدم ماريا بوبوفا Maria Popova من مدونة Brain Pickings أحد أفضل مراجعات الكتب العميقة والمفيدة فعلاً في كل مجالات استثارة العقل وتوسيع الأفق. وهنا تتحدث ماريا عن كتاب يدرس الأثر النفسي للفن بأبعاد أعمق مما نتصور. 

هيمن السؤال عن ماهيّة الفنّ على البشريّة منذ فجر التاريخ المسجّل. كان الغرض من الفن بالنسبة لتولستوي توفير جسر من التعاطف بيننا وبين الآخرين، وبالنسبة لأنيس نين Anaïs Nin ، طريقة للتعبير عن فيض مشاعرنا. لكن من الممكن أن يكون الإنجاز الأكبر للفنّ شيئاً يشتمل على الغرضين السابقين: قناة للتواصل مع ذاتنا الداخليّة تتيح لنا ممارسةً وفهماً أفضل لمشاعرنا ـــ بكلمات أخرى نوعاً من أنواع العلاج.

ينضمّ الفيلسوف Alain de Botton ـــ والذي بحث سابقاً مواضيع مختلفة ومثيرة مماثلة من مثل “ لم لا يعمل العمل Why Work Doesn’t Work ، مايمكن للفنّ والتعليم أن يتعلّما من الدين  What Education and the arts can learn from Religion ، وكيف تفكّر أكثر بالجنس  How to think more about sexـ ــ في كتاب “الفنّ كعلاج Art As Therapy”   مع المؤرّخ في مجال الفنون John Armstrong لبحث الغرض الأكثر حميميّة من الفنّ: قدرته على التعويض عن النقص النفسيّ لدينا وإسكات هاجس النقص أو عدم الكمال. يكمن طرحهما الأساسيّ بكون الفن أداة أكثر من كونه مرتبطاً بقيمة جماليّة ـــ أداة معقّدة لكن تلعب دوراً كبيراً ومهمّاً في وجودنا:

كغيره من الأدوات، يملك الفنّ القدرة على توسيع قدراتنا إلى ما يتجاوز تلك التي زوّدتنا بها الطبيعة. يعوّضنا الفنّ عن الضّعف الذي يرافقنا منذ الولادة، في هذه الحالة وفي العقل عوضاً عن الجسم، يمكننا أن نرجع الضعف إلى انتكاسات نفسيّة.

يمضي كلّ من De Botton و Armstrong لوصف الوظائف السبع الأساسيّة للفنّ:

1. التذكّر 

نظراً إلى العيوب التي تعانيها ذاكرتنا وعدم قدرتها على التدقيق، فليس من المفاجئ أن الخوف من النسيان ـــ نسيان تفاصيل محددة تنصهر مع بعضها البعض في مجمل الذات التي تشكّلنا ـــ سيكون مصدراً كبيراً للإزعاج. وبما أنّ كلا من الفن والذاكرة يتمحوران عمّا يتمّ إهماله أكثر مما يتمّ التركيز عليه، يناقش كلّ من de Botton و Armstrong فكرة توفير الفنّ ترياقاً لهذه الحالة:

يميل ما نخشى نسيانه … إلى كونه محدداً نوعاً ما. ليس هناك ماهو على المحكّ كشخص أو مكان ما، بل نحن نريد أن نتذكّر ما يهمّ بالفعل، ويمثّل الأشخاص الذين نسميهم فنانين جيّدين،جزئيّاً، أشخاصاً قاموا بالاختيار الصحيح فيما يتعلّق بما يجب نقله للآخر ين ومايجب تركه … قد نقول أنّ الفنّ الجيّد يركّز على قلب المغزى، فيما يذكّرنا معاكسها ودون شكّ  بشيء ما، يجعل الجوهر يفلت بعيداً.  إنّها ذكرى فارغة.

إذاً ، ليس الفنّ ما يقبع ضمن الإطار فقط، لكنّه يشكّل بحدّ ذاته إطاراً للتجارب:

يمكننا أن نعدّ الفنّ طريقة لحفظ التجارب، والتي تحوي العديد من الأمثلة الجميلة والمؤقّتة، ونحتاج إلى المساعدة في احتوائها.

2. الأمل

تقدّم علاقتنا المضطربة بالجمال ظاهراً متناقضاً مميّزاً: أكثر الفنون المحبوبة تنتنمي للصنف “الجميل” ـــ  تصوير المشاهد ، الوجوه، والمواقف الحماسيّة والمشجّعة ـــ لكنّ النقّاد “الجديين” والذواقين يرونه فشلاً في الذوق والذكاء. ( تعريف Per Susan Sontag الشهير، يتداخل الاثنان بشكل معقّد على أي حال:” الذكاء … هو أحد أنواع الذوق: الذوق في الأفكار.”) يدرس كلّ من De Botton و Armstrong نتائج هذا:

يعتبر حبّ الجمال غالباً استجابةً متدنية وحتّى “سيّئة” ، لكن وبما أنّه غالبٌ ومنتشر على نطاق واسع فهو يستحقّ الانتباه، وقد يحتوي على دلالات مهمّة عن وظيفة رئيسيّة للفنّ …. وينقسم القلق من الجمال في صنفين. أوّلاً، يُزعم  أنّ الصور الجميلة تغذّي العواطف. العاطفيّة أحد أعراض عدم الانخراط الكافي في التعقيد، الذي يعني المشاكل بالفعل. يبدو أنّ الصورة الجيّدة تقول انّه وفي سبيل تشكيل حياة جميلة، يجب على الفرد أن يجمّل شقّته بشيء من الأزهار الاصطناعيّة. إن صحّ لنا أن نسأل الصورة عن الخطب الذي يعانيه العالم، فمن الممكن أن تقول” ليس لديك مايكفي من حدائق المياه اليابانيّة” ـــ استجابة يبدو واضحاً أنّها تتجاهل المشاكل الجديّة التي تجابه الإنسانيّة … ويبدو أنّ البراءة والبساطة في الصورة  تكافح ضدّ أيّ محاولة  لتحسين الحياة ككلّ. ثانياً، هناك الخوف المتعلّق بتخدير الجمال لنا وتركه إيانا جافلين عن الظلم الذي يحيط  بنا.

لكنّهما يقولان أنّ هذه الهواجس تمّ تضليلها. التفاؤل عبارة عن شريك هام كمهارة نفسيّة في سعينا لعيش أفضل فضلاً عن كونها فشلاً للذكاء ـــ أمرُ أشار إليه علم الأعصاب أيضاً ـــ ونأمل أن تكون شيئاً نقدّره ولا نسعى لإدانته:

الحماسة تمثّل إنجازاً، ونأمل أن  تكون شيئاً نحتفل به. إن كان التفاؤل مهمّاً، فهذا بسبب تحديد العديد من النتائج بمقدار التفاؤل الذي نوليه لما نريد. فهو مكوّن هام من مكوّنات النجاح. تعتبر الموهبة من أهم متطلّبات الحياة الجيّدة، لكن في عدّة حالات  يتمّ تحديد الفارق بين النجاح والفشل بتصوّرنا للممكن فقط  والطاقة التي يمكننا أن نسعى لإقناع الآخرين باكتفائنا. قد لا تلحق بنا لعنة نقص المهارة، بل لعنة انعدام الأمل.

يعرضان مثالاً: 

لا  يبدو أنّ الراقصين في لوحة ماتيس يرفضون التعامل مع مشاكل كوكبنا، لكن وانطلاقاً من علاقتنا الناقصة والمتنازعة ــ لكن الاعتياديّة ـــ مع الواقع، يمكننا أن ننتبه قليلاً إلى تصرّفهم التحفيزيّ. يجمعاننا مع جزء مبهج من ذاتنا يمكن أن يساعدنا في التأقلم مع  الرفض والإذلال. لا تقترح اللصورة أن كل شيء على ما يرام بقدر ما ترينا أنّ النساء يتألّقن دوماً في حضرتهنّ  ويعززن علاقاتهن ببعض في شبكات دعم مشتركة.

– قائم القول

وبهذا يمكننا أن نعود إلى سبب إشارة الجمال لنا:

اكلّما زادت صعوبة حياتنا، كلما زادت قدرة تصوير زهرة ما على تحريك مشاعرنا. الدموع ـــ إن وجدت ـــ تكون استجابة لجمال الصور وليس للحزن فيها ، ويالجمال هذا.

[…]

يجب علينا أن نكون قادرين على الاستمتاع بصورة مثالية دون النظر إليها كصورة خاطئة للطريقة التي تبدو عليها الأمور عادة. يمكن لرؤية جميلة على الرغم من جزئيتها أن تكون ذات قيمة أكبر بالنسبة لنا لأننا على دراية بندرة تلبية الحياة لرغباتنا.

3. الأسى

يمكن للفنّ وبما أننا مخلوقات ذات تناقض داخليّ لا متناهي أن يساعدنا لنكون أكثر كليّة ليس فقط بتوسيع قدرتنا على استيعاب المشاعر الإيجابيّة بل بمساعدتنا أيضاً على تقبّل وتحويل السلبيّ ـــ وبفعل هذا بكرامة وبتذكيرنا ” بالمكان الطبيعيّ للأسف في الحياة الجيّدة”:

أحد أهمّ الأمور التي يستطيع الفنّ أن يقوم بها هي بتعليمنا كيف نعاني بنجاح أكبر … يمكننا أن نرى الكثير من الإنجازات الفنيّة العظيمة مثل الأسف المتزايد على الفنان، وتقبّله بدوره للجمهور. يأتي مصطلح التصعّد من الكيمياء. يسمّي العمليّة التي يتمّ من خلالها  تحويل المادة الصلبة مباشرةً إلى غاز، دون التحول إلى سائل كمرحلة أولى. في الفن، يشير التصعد إلى العمليّات النفسيّة للتحوّل،  والتي يتمّ فيها تحويل التجارب العاديّة  والأساسيّة إلى  أمر نبيل وجميل ـــ  وهو تماماً نفس الأمر الذي قد يحصل حين يلتقي الأسى بالفن.

فوق كلّ هذا، يناقش De Botton و أرمسترونغ Armstrong أن الفنّ يساعدنا بالشعور بوحدة أقلّ في معاناتنا، الأمر الذي يوليه التعبير الاجتماعيّ عن عذاباتنا الداخليّة نوعاً من الطوع التلقائيّ. نرى مثالاً لذلك في أعمال امصوّر Nan Goldin، الذي استعرض حياة مجتمع المثلية الجنسية بأجزاء متساوية من الفضول والاحترام قبل أن يقوم أبطال مثل Andrew Sullivan بوضع سياسات المثليّة الجنسيّة تحت ضوء الحاضر الثقافيّ بوقت طويل:

لا تزال المثليّة الجنسيّة تقبع بعيدةً عن متناول الفنّ. لكنّه وفي أعمال Nan Goldin يمثّل موضوعاً رئيسيّاً. نرى في الأعمال الفنيّة لغولدن اهتماماً سخيّاً بحياة موضيعه التي يصوّرها. قد لا ننتبه مباشرةً لذلك، ففي تصويرها لفتاة شابّة مثليّة تعاين نفسها في المرآة نرى قدر الاهتمام والعناية المطلقة بتركيب الصورة. تلعب الأداة التي تعكس الضوء دور المفتاح. ليست الفتاة محطّ التركيز في الصورة حيث لا نراها مباشرةً وكلّ ما نراه جانب واحد من وجهها وضباباً يغطي يدها. مانراه هو المرآة التي نراها ترغب بالظهور بقوّة وبأسلوب خاص. يعمل الفنّ كصوت رقيق يقول،” أراك كما تأمل أن تكون ، أراك جديراً بالحبّ.” يتفهّم الفنّ توق الإنسان ليكون نسخة أجمل وأرقى عن نفسه. من الواضح أنّ هذه أمنية واضحة وبديهيّة لكن لم يكن هذا ممكناً لقرون لعدم وجود أمثال غولدن.

يناقش العالمان وجود إحدى أعظم هبات الفنّ :

يمكن للفنّ أن يوفّر نقطة فائدة كبيرة ومهمّة نستطيع انطلاقاً منها أن نعاين آلامنا.

4. إعادة التوازن

لاعجب أننا نجد أنفسنا بحاجة لإعادة التمركز، بأنفسنا السلسة، تكتلات التناقضات المؤلمة لدينا، وثقافة وضع الإنتاجيّة كأولويّة أمام وجودنا:

يعني التاريخ النفسي لكلّ منا بالإضافة إلى العلاقات وروتين العمل أنه يمكن لعواطفنا أن تنحدر نحو الأسوأ باتجاه أو بآخر. يمكن لنا مثلاً أن نكون ميّالين للرضا عن أنفسنا، أو نشعر بانعدام الأمان، الثقة الزائدة بغيرنا، أو الريبة الزائدة. يمكن للفنّ أن يوصلنا إلى جرعات مركّزة من رغباتنا المفقودة، واستعادة أحد معايير التوازن  لذاتنا الداخليّة.

تساعد هذه الخاصيّة في الفنّ في شرح التنوّع الكبير لتفضيلاتنا الجماليّة ـــ بسبب اختلاف الاضطرابات التي نعانيها، وتعمل الأعمال الفنيّة التي نسعى لمجاملتها بنفس الطريقة: 

لم يميل بعض الناس  للتقليل من شأن العمارة ويميل البعض الآخر للتقليل من الفن الباروكي؟ لم ينجذب البعض لجدران الاسمنت العارية والبعض الآخر إلى أنماط الأزهار التي يقوم بها ويليام موريس؟ تعتمد أذواقنا الفنيّة على نوع العواطف التي تختبئ في الظلّ وبذلك تكون عواطفنا بحاجة للتحفيز. يرتبط كلّ عمل فنيّ بنوع ومناخ نفسي معيّن: يمكن للوحة ما أن تكون هادئة أو مضطربة، شجاعة أو حنونة، معتدلة أو قويّة، ذكوريّة أو أنثوية، ويعكس اختيارنا لواحدة على أخرى الثغرات النفسيّة المتعددة لدينا. إننا نتوق لأعمال فنيّة تعوّضنا عن ضعفنا الداخليّ وتساعدنا على العودة إلى حالة مستقرة. نرى عملاً ما جميلاً حين يظهر المحاسن التي تنقصنا، ونكره الأعمال التي تفرض علينا مزاجاً أو دوافعاً تجعلنا نشعر بالتهديد أو بأننا محكومون. وبذلك يحمل الفنّ الوعد بالكمال الداخليّ.

باستعراض الفنّ من هذا المنظور، يرى كلّ من العالمين أن الفنّ يوفّر لنا الوعي الذاتي اللازم لفهم سبب استجابتنا سلبيّاً لعمل فنيّ ما ـــ وهي رؤيا قد تمنعنا من ردّ فعل انتقاصيّ. تسمح لنا معرفة ما ينقص شخصاً ما ليرى عملاً فنيّا عملاً جميلاً بجمع التمرين الضروريّ لتفضيل الاستيعاب والفهم على كوننا على حقّ. وبهذا يكون الفنّ آليّةً لتعديل ــ والتعويض ــ قيمنا الأخلاقيّة. في الواقع، تتناول أشهر الأعمال الفنيّة عبر التاريخ مهماً أخلاقيّة ـــ  يطلق كل من دي بوتون وأرمسترونغ على هذا “محاولةً لتشجيع ذاتنا عبر رسائل مشفّرة من النصح والتوبيخ” ـــ ولكننا غالباً ما نستجيب لهذا بمقاومة وسخط فتفوّت هذه الانفعالات النقطة الأكبر:

اقد نرى الأعمال الفنيّة التي تحمل العظة متسلّطة وغير ضروريّة، لكنّ هذا يعني أن أي دفع للذات سيكون ضدّ رغباتنا. على أيّ حال وفي الحياة الواقعيّة، فحين نكون مرتاحين، فإنّ كثيراً منا يتوقون كونهم بحالة جيّدة ولا يمانعون تذكرةً خفيفةً بضرورة ذلك، لا مكننا أن نجد حافزاً ببساطة كلّ يوم. نعاني ربط  طموحاتنا بالحالة الجيّدة ما يسميه أرسطو  Akrasia، أو ضعف الإرادة. نريد أن نتصرّف بشكل جيّد في علاقاتنا، لكنّنا نفقد تلك الإرادة تحت الضغوط. نريد أن نطوّر أنفسنا بشكل أكبر لكننا نفقد الدافع في مرحلة حرجة. في هذه الظروف، يمكننا أن نحقق فائدة كبيرة من الأعمال الفنية التي تشجّعنا لنكون نسخاً أفضل عن أنفسنا، أمر سيغيظنا فقط  لو كان لدينا خوف من التدخلات الخارجيّة.

 […]

يتفهّم أفضل أنواع الفنّ التحذيريّ ـــ الفنّ الأخلاقي دون أن يكون “أخلاقيّا” ـــ  سهولة الانجذاب وراء الأمور الخاطئة.

ولذلك تكون مهمّة الفنانين إيجاد طرق جديدة  لفتح عيوننا وبفضول تجاه  الأفكار المتشابهة، ولكن المهمّة حول كيفيّة  إدارة حياة جيّدة ومتوازنة.

ويلخّصون هذه الوظيفة الفنيّة بشكل جميل:

يمكن للفنّ أن يوفّر علينا الوقت ـــ وأن ينقذ حياتنا ـــ  عبر مذكّرات ملائمة عن التوازن الذي لا يجب علينا أن نفترض معرفته كفايةً .

5. فهم الذات

على الرغم من سعينا وجهودنا لفهم ذاتنا، فغالباً ما تكون الذات غامضة بالنسبة لصاحبها. يقترح العالمان النفسيان أنّ الفنّ يستطيع المساعدة في تسليط الضوء على زوايا العزلة للنفس وجعل الحدس البديهيّ واضحاً بحيث نحس به لكن لا نستطيع التعبير عنه بوضوح:

لسنا واضحين لأنفسنا. لدينا الحدس، الشك، الأفكار الغامضة، والمشاعر المختلطة بشكل غريب. لدينا المزاج، لكننا لا نعرفه بشكل صحيح. وعندها، ومن وقت لآخر نواجه أعمالاً فنيّة يبدو أنّها تلتصق بأمر أحسسنا به لكن لم نتعرّف عليه بوضوح في وقت سابق. عرّف ألكسندر بوب وظيفةً أساسيّة من وظائف الشعر بأخذه الأفكار التي نختبرها بشكل غير واضح وإضفاء التعبير عليها: ” ما فكّرنا به غالباً، لكن لم نعبّر عنه  بشكل جيّد مطلقاً.” بكلمات أخرى وبكونها جزءاً هارباً من تفكيرنا، يتم أخذ تجاربنا وتحريرها وإعادتها إلينا أفضل مما كانت عليه، فنحس أخيراً أننا نعرف أنفسنا بشكل أفضل.

أكثر من ذلك، يقول العالمان أن فن معرفة الذات يعطينا لغة للاتصال مع الآخرين ـــ أمر يشرح سبب كوننا محددين حول أنواع الفنّ التي نحيط أنفسنا بها أمام الناس، وهو نوع من احتواء الذات نمارسه على جدران منازلنا وعلى صفحات الفيسبوك الخاصة بنا أيضاً. فيما تترجم السخرية هذا كاستعراض خفيف، على أيّ حال ، يكشف العالمان عن هذه الترجمة السطحيّة لإظهار الدافع النفسي الأعمق ــ رغبتنا في إيصال ماهيتنا وما نؤمن به بطريقة لا تستطيع الكلمات أن تقوم بها وحدها.

6. النموّ

يسمح لنا الفن بتوسيع حدودنا بمساعدتنا على التغلّب على مخاوفنا مما هو غير مألوف :

يفيدنا الانخراط في الفنّ بأنه يزوّدنا بأمثلة أقوى عن المواد الغريبة التي تستجرّ الضجر والخوف، ويوفّر لنا الوقت والخصوصيّة لتعلّم التعامل معها بطريقة أكثر استراتيجيّة.  وهي خطوة أوليّة  للتغلّب على الدفاعيّة حول الفنّ لنصبح أكثر انفتاحاً على الغرابة التي نحس بها في بعض الحاالات.

يقترح العالمان ثلاث خطوات ضروريّة للتغلّب على الدفاعيّة في الفنّ: أولاً، الاعتراف بالغرابة التي نشعر بها والشعور بالراحة عند الإحساس بها، والاعتراف بكون ذلك طبيعيّاً جداً ـــ فبعد كلّ شيء، يأتي الكثير من الفنّ من أناس بوجهات نظر مختلفة عن تلك التي لدينا عن العالم، ثانياً، الاعتياد على الأناس الذين أنتجوا هذه الأعمال الغريبة، أخيراً البحث عن نقاط الاتصال مع الفنان ” مهما كان هشاً وشفافاً،” بحيث نستطيع أن نرتبط بالعمل الذي انبثق من سياق حياتهم مع الواقع الشخصيّ من واقع سياق حياتنا.

7. التقدير

انتباهنا كما نعلم:” ميّزة اعتذاريّة متعمّدة” تحجب بصرنا عن معظم ما حولنا وعن السحر الموجود في المحيط المألوف حولنا. يستطيع الفنّ أن يتغلّب عن هذه الأسباب التي تحجب بصيرتنا بحيث نستطيع امتصاص ما نستطيع أن نراه ومالا نستطيع أن نراه:

إحدى أكبر عيوبنا وأكبر أسباب تعاستنا هي أننا نجد صعوبة في ملاحظة ما حولنا. نعاني لأننا نفقد البصيرة تجاه قيمة ماهو أمامنا ونتوق للجاذبيّة التي نتخيلها في مكان آخر.

فيما يمكن للعادة أن تكون قوّة مذهلة تعمل على تركيز الحياة ، إلى أنّها سلاح ذو حدين يستطيع أن يقضي على سلسلة كاملة من التجارب إذا ما وقعنا تحت تأثير روتين الحياة. 

يمثّل الفنّ مصدراً يستطيع أن يقودنا إلى تقدير أكثر دقة لما هو قيّم بالعمل ضد العادة  وإعادة معايرة ما نحبّه.

يأتي أحد الأمثلة مباشرة من عبوات الجعة البرونزيّة الشهيرة لجاسبر جونز، ما يدفعنا للنظر إلى غرض عاديّ جداً بأعين مختلفة:

تجعلنا المادّة  الثقيلة والمكلفة على دراية بغرابتها وانفصالها: نراها وكأن أعيننا لم تقع على عبوات الجعة  من قبل.

يعلمنا جونز درساً: كيف ننظر بأعين طفولية وأكثر فضولاً للعالم من حولنا. 

هكذا هي طاقة الفنّ: هي شاهد ومحتفل بقيمة الأمور العاديّة، نسعى دوماً للوصول إليها في طلبنا للعظمة ، الفن نوع من الأدوات التي تلفت انتباهنا لحياتنا اليوميّة:

يمكن للفنّ أن يعلمنا أن نكون أكثر عطاءً تجاه أنفسنا فيما نسعى  لاستغلال ظروفنا إلى أبعد الحدود: وهي وظيفة لا نحبّها على الدوام،  عيوب العصور الوسطى، طموحاتنا المنهكة ومحاولاتنا للحفاظ على ولائنا لقرائننا صعبة الطباع. يمكن للفن أن يفعل ماهو عكس بهرجة المكتسب، يمكنه أن يعيدنا إلى الميزة الأساسيّة  للحياة على اعتبار أننا مجبرون على خوضها.