برادين كويتز Braden Kowitz هو مصمم شريك في Google Ventures يعمل على تقديم النصائح للشركات الناشئة في مجال التصميم وتجربة الاستخدام وتطوير المنتجات. يكتب فريقه في مدونة Design Staff. 

يشرح لنا برادين في هذا المقال على Wired أحد أكثر الأمور نقاشاً في مجال التصميم. فإذا اتفقنا على أن التصميم والذوق أمر نسبي، لايزال الأمر لكثير من المصممين شخصياً وتعبيراً عن ذوق أو رؤية فنية.

لكن تحويل التصميم إلى منتج يتجاوز العمل الفني ليستخدمه الملايين يقابل بطريقة تصميم جديدة تعتمد على البيانات. ومابين الفن والبيانات.. مشكلة لاتنتهي.. لنتابع معاً.

لم يعد التصميم أولويّة بالنسبة للعديد من شركات صناعة التكنولوجيا. بل انحصر اهتمامها بالبيانات بشكل كليّ. تأخذ التحاليل دورها خلف الكواليس في قياس فعاليّة أصغر القرارات في ما يتعلّق بالتصميم. تلعب حركة البيانات هذه دوراً متزايد الأهميّة في تحديد أي المنتجات الجديدة التي سنتستخدمها وماهي الأشكال التي ستأخذها.

حين نتحدّث عن مستقبل التصميم والتكنولوجيا، فإنّ أول الأسئلة المقلقة التي ستخطر ببالنا: هل للـ “الذوق التصميمي” نفس الأهميّة بعد الآن؟

لطالما كان هناك خلاف كبير بين البيانات والحدس في عالم التصميم. كانت أوساط التصميم يوماً محكومة باعتقاد يقول أن بعض الناس يملكون حساً تصميميّاً داخلياً يتحكم بهم. وكانوا يضعون الحسّ فوق كلّ شيء  بسبب الصعوبة البالغة في قياس فاعليّة التصميم مع التقدّم، كان على المصممين أن ينتظروا حتّى يتمّ تسويق المنتج ليعرفوا ما إذا كانت أفكارهم جيّدة أم لا. لكنّ المنتجات الرقميّة هذه الأيّام ـــ مثل فيس بوك وغوغل ــ تضع البيانات في الأولويّة، بات من الممكن الآن قياس كل عنصر تصميميّ من بين مئات الخيارات حتّى يتمّ اختيار أفضل الموجود.

من الممكن للكميّات الكبيرة من البيانات أن يكون مرهقاً بالنسبة للمصممين.

هل يهمّك الأثر على المدى الطويل؟ عليك بالحدس. يتطلّب الأمر سنيناً للحصول على سمعة جيّدة، لكن تكفي تجربة سيّئة واحدة للقضاء على هذه السمعة.

لن يجد المصممين الذين قبلوا وظائفهم لثقتهم بذوقهم الرفيع الحماس في ثقافة تشدد الشركات فيها بشكل كبير على نتائج الاختبارات. تخيّل إقناع فريق بالثقة بذوقك حين تقول البيانات والتحاليل أنّك مخطئ. كيف تقوم بتبسيط صفحة رئيسيّة مزدحمة حين يقول خبراء البيانات أنّها تبدو بشعة، لكنّهم يقولون لك أنّها تقوم بقبول طلبات التسجيل بشكل أسرع؟

أهميّة الحدس التصميميّ …

كان أحد أولى مشاريعي في غوغل هو تصميم  زرّ ” Google Checkout”، والذي سيقوم قريباً بمساعدة المستخدمين على شراء البضائع والخدمات على الانترنت. غالباً مايكون تصميم الأزرار سهلاً، لكن كان لهذا الزرّ وظيفة فريدة: يمكن للزبائن أن يختاروا من بين عدّة طرق لإنهاء عملية الشراء. احتاج هذا الزرّ لاجتذاب الانتباه تجاه صفحة مكتظّة.

كان هناك دائماً من يطلب جعل الزرّ أكبر، بحدود أسمك، وأكثر لفتاً للانتباه بعد كلّ استبيان عن التصميم. أصبح التصميم المقترح أكثر بهرجة وأكثر بشاعة شيئاً بعد شيء.

ولنوضح نقطة مهمّة، قام أحد المصممين بخطوة جريئة: قام بتصميم أكثر الأزرار التي قد تجتذب الانتباه : ألسنة لهب تنبثق من الجوانب، مع زر نافر ثلاثي ّ الأبعاد من الحجم الكبير، بعنوان بالأحرف الكبيرة (” اي بود مجّاني”) مع سطر صغير يقول ” اضغط لتحصل على فرصة ربحه”.

قامت هذه الحركة بقلب كلّ الأمور. بات من الواضح للفريق في حينها أنّنا كنّا نولي الاهتمام الأكبر إلى ماهو أكثر من مجرّد النقرات على الزرّ. كان لنا أهداف أخرى من هذا التصميم: كان عليه أن يضع تخمينات عما سيحصل لاحقاً، كان عليه أن يحمل لمسة توحي بالجودة، وكنا نريد أن نضفي بعض الإلفة والثقة في علامتنا.

كان يمكننا وبسهولة أن نعرف عدد الزبائن الذين ضغطوا على أحد الأزرار دون الآخر ونختار الزرّ الزرّ الأنسب. لكنّ تلك الطريقة كانت لتتجاهل الصورة الكبيرة وأهدافاً أخرى مهمّة.

وفيما كانت صياغة القرارات في التصميم بناءً على المعطيات التي لدينا مغرية نوعاً ما، اعترفت أفضل الفرق أنّ بعض الأهداف صعبة القياس. تعتبر المعطيات بالغة الأهميّة للتطوير، لكن يجب أن تأخذ بعين الاعتبار عاملاً آخراً: حدسنا.

الحدس من الطباع التي يتمّ بناؤها، ولا يولد مع الإنسان …

من الممكن أن يكون اتباع الحدس فكرة خاطئة في بعض الأحيان. وستكون نظرة إلى الماوس الدائرية من آبل   كافية لتنبيه المصممين وأصحاب الشركات المشابهة أنّ الثقة الزائدة “بالحدس التصميميّ” للمصمم قد تكون خطيرة أحياناً.

لا يخلق المصمم وهو على دراية تامّة بما سيريده زبائنه، أو كيف سيتصرّف الناس حين يرون تصميماً استثنائيّا ً. يعدّ الحدس أحد الأمور التي يتعلّمها الإنسان. ويتمّ تعلّمها بشكل أفضل بالانتباه بشكل أفضل إلى العالم المحيط. لحسن الحظّ، فإنّ العقل البشريّ يشبه آلة مطابقة مذهلة تطوّر وتصقل حدسنا في كلّ مرّة نرى فيها تصميماً جديداً والبيانات التي تحدد ما إذا كان ناجحاً.

يولي المصممون باستمرار انتباهاً بالغاً إلى العالم المحيط بهم ويلاحظون المشاكل التي تواجهنا عند القيام ببعض أصغر الأمور. مثل دفع الباب أو سحبه أو عند تغير علامات القيادة في الشارع أو حتى عند معاناتنا في إيجاد ذلك الزر الصغير على الهاتف أثناء القيادة. 

من الممكن لهذا القدر من الانتباه أن يصبح مزعجاً. وليس فقط للمصممين بل لمن حولهم أيضاً.

لكن هناك ماهو جيّد في كون الإنسان واعياً بهذا الشكل. حالما يلاحظ المصممون صعوبة شيء ما، نحلل ذهنيّا سبب حصول ذلك، أي التصاميم التي تمّ اتباعها، وكيف يمكن لتصميم مختلف أن يحلّ المشكلة. في كلّ مرّة نفعل فيها هذا، فإننا نقوم بتطوير مهاراتنا في التصميم ـــ مايشير إليه الناس عادة باسم ” الحدس”.

مع ذلك، لا يصل بنا هذا التحليل سوى إلى هذا المكان فقط، لأنّ الجمهور الذي يرى تصاميمنا بختلف عنّا: أكبر، اصغر، ويحمل توقّعات وثقافات مغايرة لما لدينا، بحيث تكون مختلفة بطريقة ما.

وحين يظنّ المصممون أنّهم يشبهون زبائنهم، فهناك اختلاف مؤكّد وحيد: إنّ المصممين خبراء في استخدام منتجاتهم، فيما يختبر المستخدم المنتج للمرّة الأولى. وبما أنّه لا يوجد طريقة تلغي ما تعلّمه أحدنا، فمن الضروريّ أن نقوم ببحث لنرى العالم عبر عيون الزبائن.

مشاهدة المستخدمين وهم يستخدمون المنتج من خلال الأبحاث هي الطريقة الأفضل بالتأكيد لتطوير الحدس التصميميّ وتجنّب الأخطاء. وتعدّ الأبحاث طريقة أخرى للحصول على المعلومات ـــ طريقة تنمّ عن خبرة وفوضويّة، لكنّها تبقى قيّمة بشكل كبير. تطوّر فرق المنتجات القويّة عادات تقوّي الحدس التصميميّ لدى الجميع. إحدى أفضل العادات التي يمكن الحصول عليها هي القيام بالأبحاث عن الزبائن كلّ بضعة أسابيع.

خبايا التصميم الذي يتبع الحدس والتصميم الذي يتبع البيانات …

حين يراقب الفريق كاملاً الزبائن وهم حائرون بين التصاميم، فمن الممكن للجميع ـــ من المهندس وحتى المدير التنفيذيّ ـــ أن يحصل على حدس تصميميّ مميّز. عليك فقط ألا تدع هذا الحدس يتحكّم بك. تكمن الحيلة في التعرّف على المواقف التي يجب على الفرق أن تبحث عن البيانات، والمواقف التي يجب عليهم فيها أن يطلقوا العنان لحدسهم.

هل ينتابك الفضول حول سلوك الزبون؟ استخدم البيانات. حين يتعلّق الأمر بالمنتجات الرقميّة، تقول لنا التحاليل في الانترنت والهاتف المحمول ما يفعله المستخدمون بالتحديد. حتى وإن قال المستخدمين أنّهم لن يشتروا إضافة صغيرة لمنتجاتهم، لا نعلم ما سيفعلونه حين تغفل عنهم أعيننا. ومن الأفضل أن نثق بالبيانات وننتظر ما سيفعله المستخدمين فضلاً عن ثقتنا بما يقولون أنّهم سيفعلونه.

تريد أن تتخذ قرارات حول جودة المنتج؟ استخدم الحدس. لتدخل الجودة إلى منتج ما، عليك أن تولي اهتماماً إلى مئات التفاصيل كتوفير محتوى مساعدة أو نقل الزرّ إلى اليسار بمقدار 3 بكسل . لن تثبت أي من هذه التغييرات الصغيرة لوحدها أنها قويّة مع البيانات. ولكن إن أخذناها سويّاً، فإنّها تخلق انطباعاً عامّاً بالجودة ـــ وهو تأثير يحسّن المنتج بأكثر من طريقة. لذلك فحين تتساءل عن مقدار الوقت اللازم للتفاصيل، يجب على المصممين أن يثقوا بحدسهم.

اختيار واحد من بين مجموعة صغيرة من القرارات؟ استخدم البيانات. ليس هناك ماهو أفضل من اختبار A/B للقيام بالتحسينات. عند محاولة اختيار الكلمات الصحيحة لعنوان إحدى الصفحات، هناك القليل للحصول عليه عن النسخة الصحيحة. من الأفضل اختبار بعض النسخ واختيار الصحيح منها بناءً على المعلومات. يكمن المفتاح في قياس المعايير ذات الأهميّة الفعليّة للعمل على المدى الطويل (مثل عمليات تسجيل الحسابات الجديدة، الشراء، أو الاستحواذ على المستخدمين) بدلاً من قياس عدد النقرات فقط.

هل يهمّك الأثر على المدى الطويل؟ عليك بالحدس. يتطلّب الأمر سنيناً للحصول على سمعة جيّدة، لكن تكفي تجربة سيّئة واحدة للقضاء على هذه السمعة. لذلك فعند موازنة الأهداف التكتيكيّة سهلة القياس كعدد النقرات، والأهداف بعيدة المدى مثل الوثوقيّة، فمن الضروريّ الاستماع للحدس. وإن احتاج هذا الحدس القليل من التحفيز، عليك أن تكون فضوليّاً: اخرج إلى العالم، تحدّث إلى الناس، واجمع البيانات.