يتحدث آنيل نيويتز Annalee Newitz من io9 عن علاقة غريبة تجمع مابين الغربان وذكاء الكائنات الغريبة عنا (كالفضائية ربما)، مقارباً بين “ذكاء” هذه الطيور وكيف سيكون مساعدنا على فهم الذكاء الخارجي إن صح التعبير. 

تعتبر الغربان من أذكى الحيوانات  على الكوكب. جرت مؤخراً أول دراسة لكيفية عمل التفكير المجرد في أدمغة هذه الطيور وتسلط الضوء على كيفية عمل الذكاء الغريب في الدماغ عند غير الثدييات.

درست بنية دماغ الثديات على نطاق واسع على القرود والحيتان والفئران. ولكن علماء الأعصاب الألمان لينا غيت Lena Veit  وأندرياس نايدر Andreas Nieder هما أول من درس ما يحدث في أدمغة الغراب. حيث وصلا أدمغة الغربان بأقطاب، ودرسا الخلايا العصبية الفردية التي تطلقها الغربان حين التفكير. كشفت الدراسة الكثير عن دماغ لا يشبه دماغنا.

الفكرة هنا هي أننا نتعامل مع نوع ذكاء أو تفكير مختلف عن الثديات التي ننتمي لها. 

يملك الغراب وبعض من أقاربه نوع من أنواع الذكاء خارج عالم الثدييات. ولكن أدمغتهم تختلف تماماً عن ادمغتنا. يقع مكان المنطق في دماغ الثدييات في قشرة الفص الجبهي، وهي طبقة رقيقة من الأنسجة العصبية على السطح الخارجي للمنطقة الأمامية من أدمغتنا. ليس لدى الطيور قشرة فص جبهي (PFC) أو Prefrontal Cortex. بدلاً من ذلك، لديهم Nidopallium Caudolaterale أو NCL، والذي يقع في منتصف أدمغتهم. تستطيع أن ترى هذه المناطق في الصورة أدناه.

الآن يشير آنيل إلى أن الأمر المثير للإهتمام عند المقارنة بين الطيور والإنسان من ناحية الذكاء هي أنها لم تتطور كحيوانات من أسلاف مشتركين. عاش آخر سلف مشترك في العصر البرمي Permian Period حوالي 300 مليون سنة قبل عصر الديناصورات. 

كان في داخل جمجمة هذا السلف جزء من دماغ يسمى Pallium   وتطور على مدى ملايين السنين إلى PFC في الثدييات وفي الطيور  NCL.  . مما يجعل من ذكاء الثدييات والطيور مثالا ممتازا على التطور المتوازي .

على الرغم من جميع الاختلافات، فإن لدى  PFC و NCL بعض السمات المشتركة. كتبا في Nature Communications بأن المنطقتان تعنيان ب “تشغيل الذاكرة والتعلم والتنبؤ. هذا يعني بأن NCL و PFC مليئتان بالخلايا العصبية. وترتبط الخلايا العصبية بأجزاء الدماغ التي تتعامل مع الذاكرة والعاطفة، وحركات الجسم. يشكل PFC و NCL مراكز قيادة الدماغ وتجميع المعلومات من مجموعة واسعة من المدخلات والمخرجات.

الآن وبعد التعرف على هذه المفاهيم، حان وقت اختبار قدرة الغربان على التفكير المنطقي

باعتبار أن NCL هو مقر ذكاء الغراب، قرر الباحثون معرفة ما يمكنهم معرفته خلال حل الغراب للغز ما. اختبروا ذلك على غربان كانت مأسورة باستخدام لغز “ما الذي لا ينتمي ؟” حدد الغربان ما إذا كانت صورتين مختلفتين أو متطابقتين.

يتطلب الاختبار تفكيراً مجرداً، لأن الصور تتغير طوال الوقت ويجب على الغربان التفكير بالتطابق أو عدم التطابق لمجموعة متنوعة من المدخلات. يكشف الاختبار أن هناك العديد من الطرق لتعريف الذكاء وهذه احداها.

كانت النتائج مدهشة. حد العلماء ما يسمونه بـ “الخلايا العصبية المجردة abstract rule neurons” التي حكمت إجابات الغربان . تعيين أدمغة الطيور “قاعدة واحدة (مطابق) لعصبون واحد، ثم قاعدة أخرى (لا تتطابق) لخلايا عصبية أخرى. عندما تحدد الغربان الصورة الصحيحة تطلق الخلايا العصبية. عندما يعطى الغراب إجابة غير صحيحة، تطلق الخلايا العصبية اشارة ضعيفة جداً.

خلص Veit و Nieder  إلى دليل قوي أن أدمغة الغربان تطورت للتعامل مع قواعد مجردة، ولهذا السبب كانت الطيور جيدة بالتعلم والاستجابة لمجموعة متنوعة من الحالات بطريقة مرنة. أشاروا إلى أن “القدرة على توجيه السلوك حسب القواعد عامة بدلاً من الاعتماد على استجابة ثابتة للتحفيز يشكل ميزة للبقاء على قيد الحياة.” وهي نفس الميزة الممنوحة للبشر بسبب ذكائهم. ولكن ذكائنا يحتل بنية مختلفة جداً في أدمغتنا.

ولنا أن نسأل الآن طبعاً، ماعلاقة هذا بذكاء الكائنات الغريبة؟ 

تقترح الدراسة بأنه يمكن لإثنين من الأنواع المختلفة أن يملكا قدرات مماثلة للتفكير المجرد – مع أن أدمغتهم عكس بعضها البعض. إذا كنت تظن أن الذكاء يوجد فقط في دماغ الثدييات، قد تفوت اكتشاف أشكال الحياة الذكية في أماكن أخرى. قد يكون الدماغ الغراب أول ذكاء غريبة نستطيع دراسته.

يمكن لدماغ الغراب أن يساعدنا بفهم أفضل لمتطلبات بناء الذكاء الصنعي، يمكننا النظر إلى القواسم المشتركة بين دماغ الغراب والدماغ البشري لبناء ذكاء يتواجد في بنية لادماغية. 

الأهم من ذلك كله، أن الأمل موجود في فكرة أن الذكاء ليس حكراً على نوع واحد من الدماغ. يمكن لأنواع كثيرة من العقول أن تصبح ذكية.

تساهم تجارب ودراسات مثل هذه بالطبع في الإجابة على سؤال يؤرقنا منذ زمن طويل… هل نحن وحدنا؟ 

يمكن قراءة الورقة البحثية على Nature Communications

الصورة