جذب هذا السؤال اهتمام الجميع لألاف السنين، وبالرغم من التنكنولوجيا المتطورة والتقنيَّات البيولوجيَّة الحديثة  فإن العلماء لم يتوصلوا إلى جواب لغاية الأن.

عندما يجد الأطباء والعلماء سبباً مقنعاً فسيكون له نتائج كبيرة في علم الوراثة بحيث تستخدم في التعديلات الوراثيَّة وفهم السلوك البشري.

يعتبر الجميع في أيامنا هذه  أنَّ الأولاد يرثون الجينات الوراثيَّة من أبائهم.ولكنَّ فكرة أنَّ الأم والأب ينقلون جينتاهم الوراثيَّة لأبنائهم كانت متأخرة جداً. حتى القرن التاسع عشر كان العديد من الناس الذين اهتمو بالموضوع يعتقدون بأنَّ الأم والأب يقومون بصنع أطفالهم من خلال عملية مماثلة للـ “التخمر Fermentation”.

في الجوهر يعتبر التشابه العائلي نتيجة حتميَّة  لشروط “التخمر” الفريدة الخاصة بكل مجموعة من الآباء والإمهات

قارن رينيه ديكارت Rene Descartes النطاف مع “الزبد المُشَكَّل على البيرة” والذي يستخدم لصنع الدفعات القادمة منها. تختلف العائلات عن بعضها البعض لأنَّ بعضها تصنع بيرة الـ Ale المرة بينما الباقية تصنع بيرة اللاجر lager.

عندما بدأ البحث والدراسة في مجال علم الوراثة في بديات القرن العشرين، هاجم العلماء مشكلة الوراثة بالأدوات الإحصائيَّة القويَّة جداً.

في عام 1918 قام عالم الجينات أر إي فيشر R.A Fisher بالإتجاه لطريقة طرحها لدراسة التأثيرات المنفصلة للجينات الوراثيَّة والبيئة المحيطة مثل الطول من خلال استعمال مقاييس التشابه العائلي.  إكتشف فيشر وبشكل مدهش أنَّه يمكنك أن تقدّر تأثيرات الجينات والبيئة المحيطة دون أن تمييز الجينات الفعليَّة والبيئة المتضمنة لها. لم يكن العلماء قبل ذلك على علم بحقيقة الجينات، ثمَّ تطورت معرفتهم عن الموضوع بفضل نظرة فيشر الإحصائيَّة خلال السنوات اللاحقة.

استعمل المزارعون وأصحاب الحيوانات هذه المعارف والطرق لأكثر من نصف قرن لتحسين محاصيلهم الحيوانيَّة والزراعيَّة.

 

علينا أن ننتبه من تبسيط علم الجينات الكبير. وصلت بعض الإقتراحات لتفسير كوننا على مانحن عليه فقط بسبب “الجين X”. 

لا تكفي معرفة أنَّ سبب اختلافنا عن بعضنا البعض هو المورثات الجينية فقط.
بدلاً من معرفة أنّ هناك سبب وراثي للصلع عند الرجال أو للسرطان بشكل عام نحن بحاجة لمعرفة هوية الجينات الفعليَّة المسببة للمرض وبالتالي يمكننا دراسة  تكوينها البيولوجي. وهو مايسمح لنا إيجاد طرق للعلاج والوقاية من المرض وعلاج سبب المرض.

بإستخدام التقنيَّات المتطوّرة والرخيصة في أيامنا لتحليل الحمض النووي DNA ، كان لدى العلماء آمال كبيرة بأنَّه يمكننا وأخيراً أن نجد الاختلافات الفعليّة  في الحمض النووي التي تفسر تأثير الوراثة على ميزاتنا الطبيعيَّة وصحتنا وحتى على سلوكنا. لكن للأسف فإن النتائج خلال السنوات الماضية كانت مخيّبة للآمال.
المشكلة أنَّ أغلب الاختلافات الوراثيَّة المُكتشَفة لها تأثيرات بسيطة جداً. وعندما تجمع كل  هذه التإثيرات فإن النتيجة ليست كافية لتفسير التأثير الكامل لتلك الميزات.

ميّز العلماء على سبيل المثال مئات الاختلافات في الحمض النووي بين الناس، والتي تسبب إختلاف الطول. لكن التأثير الكلي لتلك الاختلافات توضح مجتمعة فقط  حوالي 10% من التأثير الوراثي على الطول. بمعنى أخر مازلنا لانعرف لغاية الأن لماذا يكون للآباء والأمهات الطويلي القامة أطفال طويلي القامة.

أطلق العلماء على هذا التناقض إسم التغييب الوراثي Missing Heritability وقد امضوا النصف الاخير من العقد الماضي في محاولة تفسيره.

ونتج من خلال صراع العلماء حول تفسير التغييب الوراثي  درسان واضحان حول علاقتنا بجيناتنا الوراثية.

أولاً: أكَّد العلماء بأن الجينات تمتلك تأثير كبير على ميزاتنا الطبيعية وصحتنا وسلوكنا. قد يدل التغييب الوراثي  على أننا بالغنا في تقدير دور علم الوراثة (نقد مشترك على علم الوراثة والسلوك بشكل خاص) وهذا النقد  دفع العلماء لإعادة النظر بمدى تأثير علم الوراثة .

تؤكد المقاييس الجديدة المستقلة صحة النتائجالسابقة بشكل كبير. ولكن هذا لايعني بأنَّ البيئة لن تلعب أي دور ولايعني  أيضاً بأننا عاجزين عن القيام بأي شيئ في موضوع معالجة التأثيرات الجينية السلبية أو الصحة أو السلوك (فنحن نقوم دائما بهذه الأمور مثل النظارات الطبية وسماعات الأذن والعقاقير الطبية).

ثانياً: إنَّ العلاقية بين أنفسنا وبينا جيناتنتا الوراثية ليست بسيطة كما يتمنى العلماء. العديد من الافكار قد تكون مفيدة لمعرفة معظم الاختلافات الموجودة في الحمض النووي التي تفسر تأثير الوراثة على الميزات المختلفة .

كشفت حالة التغييب الوراثي بأنَّ العديد من الاختلافات الجينية الصغيرة تلعب دور أكبر في التنوع الانساني من الاختلافات الكبيرة نسبياً.

لدى الميزات السلوكية دعاماتُ وراثيةُ معقّدة جداً لدرجة أكبر من المتوقع.

حذّر مؤلفوا الدراسات الاخيرة في المجال الوراثي بأنه لايجب علينا التساهل في موضوع الدراسات الوراثية والجينية وتجنب تبسيط الموضوع وقبول فقط أننا كما نحن الأن بسبب العامل الجيني إكس، وقد أستنتج العلماء بأنَّ الهندسة البنيوية الوراثيَّة للميزات السلوكيَّة المعقَّدة هي أعقد بكثير من الميزات الطبيعيَّة المعقدة.

أظهرت  دراسة مؤخراً تبحث في الاختلافات الوراثية بشكل أوسع كالتوجه السياسي والمقامرة والصفات الاخرى نتائج مماثلة تقريباً لما سبقها  من حيث كون “الجينات مرتبطة بالإختلاف السلوكي من خلال قيود طويلة وغير خطية”

في علم الوراثة الحديث لدينا أدوات أفضل لفهم علاقتنا بمورثاتنا بشكل أفضل. ونبدأ أيضا بفهم كم أنَّ هذه العلاقة غير ملحوظة.