مرّ على تطوّر الأحياء ملايين السنين تمكّنت الطبيعة خلالها من الوصول إلى مرحلة الكمال في الحركة الوظيفيّة للكائنات الحيّة ومن بينها طيران الحشرات، توصّل العلماء مؤخّراً إلى طريقة تمكّنهم من محاكاة حركة الطيران لدى الحشرات بواسطة الآلة.

عن هذا تحدث آدم بيور Adam Piore من Popular Science بالتفصيل، ننقل إليكم بعض الآفكار والحقائق المثيرة عن هذا العالم.

” كان ريتشارد غيلر Richard Guiler  وتوم فانيك Tom Vaneck  يجلسان في أحد الحانات التي تبعد بضع أحياء عن مكتبهما قبل خمس سنوات، يحاولان أن يتناسيا قضايا العمل. كان المهندسان يحاولان لمدّة عام أن يطوّرا روبوتاً يستطيع تجنّب العوائق في طريقه، التنقّل داخل الأبنية، بالإضافة إلى الطيران في الجو العاصف. حاولا أن يستخدما الأجنحة الثابتة، لكنّ كثرة الحساسات اللازمة لتحديد العوائق في طريقه جعلا منه ثقيلاً جدّاً على الطيران. جرّبا المروحيّات، لكنّ المراوح كانت تعلق باستمرار بالأسلاك. حتّى أنّهما حاولا تجربة تصميم بالون موجّه، لكن كان بإمكان أي نسيم أن يفجّره.”

 

 

لكن وكما نعرف، يأتي الإلهام أحياناً في أقلّ اللحظات تركيزاً على موضوع الدراسة.

“وفيما كانا جالسين يتناولان الجعة، شاهد غيلر Guiler وفانيك Vaneck ذبابة وهي تطير لتصطدم بزجاج النافذة.”

حاول الإنسان أن يحاكي الحركة الموجودة في الطبيعة منذ الأزل وخصوصاً الطيران الذي لطالما كان حلماً.

“ليست فكرة الاعتماد على الطبيعة في إيجاد التصاميم جديدة، خصوصاً حين يتمحور التصميم حول  الطيران. حلم الإغريق بـ ديدالوس Daedalus الذي صمم أجنحة لابنه ( ولم تعمل بشكل جيّد)، كما طوّر المهندسون أولى الآلات الشبيهة بالحشرات والتي فتحت الباب نحو صنف جديد من الآلات: الدرونات الفائقة الصغر.”

إلا أنّ أكبر درجات التعقيد في دراسة الطيران في الكائنات الحيّة كان في الحشرات التي تملك نظام تحليق معقّد

“على الرغم من تشكيل الحشرات لما يفوق نسبة 80 بالمئة من أجناس الحيوانات في العالم ـــ حوالي 900 ألف نوعاً معروفاً ـــ فإنّ ميكانيكيّة طيرانها طالما بقيت لغزاَ. تعتمد فكرة الأجنحة المثبّتة على تدفّق الهواء على الأجنحة، وينطبق نفس المبدأ على شفرات المروحة في الطائرات المروحية  أو الهيليكوبتر. لكن وبما أنّ أجنحة الحشرات تضرب الهواء جيئة وذهاباً، فإنّ الهواء حولها يتغيّر باستمرار. وتحمل أجنحة النحل العريضة أحمالاً ثقيلة لا يمكن تفسيرها باستخدام مبادئ ديناميكا الهواء الساكن التقليديّة.”

كانت آليّة تحليق الحشرات عصيّةً على فهم البشر حتى وقت متأخر ساعدت فيه التقنيات المتطوّرة في دراسة الآليّة المعقّدة لطيران الحشرات.

“استخدم توركيل ويس-فوغ Torkel Weis-Fogh  وهو عالم حيوانات في جامعة كيمبريدج University of Cambridge، التصوير عالي السرعة (الذي يمكن تبطيئه بشكل دقيق لاحقاً) لتحليل حركة الاجنحة للحشرات الطائرة ومقارنتها بخصائص الحشرات الغير متكافئة. حين تخفق أجنحة الحشرات سويّة بين شوطيّ الصعود والهبوط فإنّ الحركة تطرح الهواء بعيداً وتخلق منطقة ضغط منخفض. يسارع الهواء عندها عائداً إلى تلك المنطقة مشكّلاً نمطاً حلزونيّاً. يخلق هذا النمط القوّة الضروريّة لرفع الحشرة بين خفقات الأجنحة. قد تتولّد أنماط مشابهة من زاوية الأجنحة ودورانها،  بحسب توضيح ويس –فوغ ما يولّد قوّة رفع إضافيّة.”

يقول وودز Wood

“يملك الذباب مساراً معقّداً  لأجنحته. وهناك الكثير من الحركات المتقنة التي تحصل”

ساعد التطوّر التكنولوجيّ الكبير وخصوصاً في مجال الروبوت في التوصّل إلى آليّات وتصميم بنى تستطيع محاكاة حركة الحشرات الطائرة حتى في الحجم الفائق الصغر

“ساعد وود بعدما تخرّج في 2004 وافتتح مخبره الخاص في جامعة هارفارد Harvard University في التوصّل إلى طريقة لاستخدام مواد ذات كفاءة اقتصاديّة من نوع غريب لتقوم بحركة مشابهة لحركة أجنحة الذبابة كما تمكّن من تصميم جيروسكوب يحاكي الحساسات الموجودة لدى الحشرات والتي تستخدمها الحشرات للكشف عن الأجسام التي تعترضها، واخرتع طرقاً لتصنيع أنظمة معقّدة على مقياس مصغّر. كان كلّ ما تبقّى هو جمع هذه المكوّنات لتشكّل آلة بهيئة حشرة وبحجم يقارب حجم الحشرة.”

تمّ تصنيع العديد من النماذج الاختباريّة لروبوتات تحاكي بنية الحشرات الطائرة حتّى بالحجم.

“وصل وود إلى مخبره في شارع أوكسفورد في هارفارد Oxford Street laboratory at Harvard  في يوم بارد من عام 2006 . توضّع على طاولة العمل روبوت بوزن 60 ميلي غرام بجناحين يبلغ طولهما 3 سم وبهيكل يبلغ حجمه حجم ذبابة منزليّة.”

وشهدت هذه الرويوتات نجاحاً في محاكاة حركة الحشرات الطائرة

” قام بتشغيل الروبوت ليرى أجنحته الصغيرة تبدأ بالاهتزاز لترفعه في الهواء لبضعة ثوان.”

أكثر المسائل تعقيداً والتي تتطلّب الكثير من الدراسة والبحث هي ديناميّة الهواء في حركة الأجنحة لدى الحشرات كل على حدى

” أصبح وود من الروّاد الخبراء في الروبوتات الصغريّة الطائرة، استخدمت ديناميكية الأجنحة الخفّاقة لتصغير حجم العربات الطائرة القادرة على رفع الأحمال. تملك الطائرة المصغّرة امتداداً للجناحين بطول 16.5 سم، وتستطيع أن تطير عموديّاً وأفقيّاً وأن تبقى في مكانها في الهواء حتّى إن كان الهواء قويّاً.”

من الأمثلة الأخرى على الروبوتات الشبيهة بالحشرات.

” كشفت شركة تيك جيت TechJect التي نشأت نتيجة للأعمال المنجزة في معهد جورجيا للكتنولوجيا Georgia Institute of Technology  عن روبوت بشكل يعسوب طائر يبلغ امتداد جناحيه 6 إنشات. يستفيد يعسوب شركة تيك جيت من أحد مبادئ ديناميكية الهواء ويسمّى الرنين Resonance. وينتج عن ذلك صوت شبيه بالصوت الصادر عن تحليق طائر الطنان أو صوت تحليق النحلة، بحسب قول جايانت راتي JayantRatti ، مدير شركة تيك جيت.”

***

” بحث المهندسان بعد ملاحظتهما لحركة الذبابة في الحانة عن شخص يكون خبيراً بآليات الطيران لدى الحشرات. وقررا أن يعملا مع وود، الذي انضمّ مخبره في حينها إلى هارفارد بشكل رسميّ كمخبر للهندسة المستوحاة من الأحياء، وتقدّموا جميعاً للحصول على تفويض من سلاح الطيران. وتمكّنوا بالملاحظة الدقيقة لأجزاء جسم الذبابة أن يحصلوا على قياسات تتعلّق بخفقات ودوران الأجنحة والأرجل.”

” ركّز كل من غيلر وفانيك على الهندسة العجيبة لجسم الذبابة. في إحدى اللحظات تقف الأجنحة عن الحركة، لكن وخلال أجزاء من الثانية تبيّن أنّ مركز ثقل الذبابة يجذبها إلى الوراء نحو وضع مستقرّ. وبعد ذلك تعاود الأجنحة حركتها فتدفع بالحشرة للوصول إلى وضع ثابت في الهواء. ”

***

” استخدم المهندسان هذه المعلومات لتطوير روبوت قادر على الطيران. توجّب على الهيكل أن يكون مضاداً للصدمات، ويجب أن تكون الحركة في كلّ جناح مستقلّة تماماً. أعطى المهندسان كلّ جناح محرّكاً خاصّاً به لمحاكاة السرعة المتغيّرة في الأجنحة والتي توفّر التحكّم الاستثنائيّ للحشرات أثناء طيرانها. ”

***

” كانت العقبة الأكبر بالنسبة لوود هي الطاقة والقوّة حيث يجب وصل الروبوتات المصغّرة الطنانة أو حتّى التي تأخذ شكل اليعسوب بمصدر طاقة خارجيّ. ”

***

“يهدف غيلر وفانيك لاستبدال الدافعات في الدوّارات الرباعيّة بأجنحة خفّاقة. ”

***

” يدير اليوم مخبراً في جامعة واشنطن University of Washington ويعمل مع أنظمة تصوير متقدّمة لدراسة طيران الحشرات. ذهب ديكنسون Dickinson  إلى ماهو أبعد من تحليل حركة الطيران، فهو يستعمل الإلكترودات لتسجيل نشاط الأعصاب في أدمغة الحشرات.”