تتجاوز الفترة التكنولوجية التي نعيشها كل الفترات السابقة بفكرة وحيدة لكنها الأهم ربما. كل شيء يحصل بسرعة. يأتي بسرعة، يزدهر بسرعة، يتنشر بسرعة وربما يختفي بسرعة.

خلال العشرين سنة الماضية لم يكن أحد يتوقع أن تقتحم الإنترنت عالمنا بهذا الشكل وتكون هي السبب الرئيسي والوحيد ربما لدفع عجلة التكنولوجيا بحيث نتخلى عن حواسبنا المكتبية وننتقل للمحمولة، ثم ننسى المحمولة ونحاول تطوير الهواتف لنعوض بها عن حواسبنا المحمولة ثم نحاول البحث من جديد عن أجهزة جديدة كاللوحية لنستكمل تجربة الإنترنت الجوال.

هذه الأيام، حلمنا هو أن نربط كل شيء بالإنترنت! كيف ولماذا؟ لاندري. نريد المزيد من الإنترنت، المزيد من الأرقام والمزيد من الأجهزة المتصلة. أجهزة مراقبة صحية، عداد خطوات، مراقبة نوم، سيارات والآن شوكة!

نعيش هذه الأيام في هوس “إنترنت الأشياء Internet of Things” بشكل أو بآخر.

بحثي عن الموضوع أوصلني إلى وجوده المسبق والذي يعود تقريباً لـ 1999 حيث ظهرت عبارة “إنترنت الأشياء Internet Of Things” والتي أطلقها كيفن أشتون Kevin Ashton وهو رائد في مجال التكنولوجيا وتقنيات الحساسات في MIT خلال عرض تقديمي (كان حينها يعمل في P&G). شارك أشتون في إنشاء مركز Auto-ID في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT والذي قدم معياراً قياسياً عالمياً للتعريف عبر ترددات الراديو RFID ومجموعة أخرى من تقنيات الاستشعار.

من مقال عصر الإلكترونيات الواعية والأجهزة المتصلة على هايبرستيج

لاأنفي شخصياً أن حماسي للأجهزة المتصلة هذه متهور. هذه الأجهزة المنخفضة استهلاك الطاقة والقادرة على الإتصال بالإنترنت عبر الهاتف أو من تلقاء نفسها. فكرة تسجيل استخدامنا الخاص لأي جهاز والتنقيب في الأرقام الخاصة بها ودراسة الأنماط ملهمة نوعاً ما. لايختلف اثنان على أنها مخيفة، أسماها كل من دانيل كيميرت ودانيل اوبوفسكي  بالمخابرات الصامتة في كتابهما الأخير The Silent Intelligence 

لكنها جميلة!

إلى حد ما، أو لنقل هناك مبالغات. أذكر أنني عندما شاهدت “الشوكة الذكية” HAPIfork للمرة الأولى على Kickstarter  شعرت بالتململ والإمتعاض من هذه “الموضة” التي بدأت تصل إلى مقتنيات المطبخ. ما الفائدة من شوكة يمكن أن تتصل بالإنترنت؟ لكن – وكأحد متحمسي Kickstarter- دعمت المشروع في نيسان/ أبريل الماضي لتصلني من يومين.

حسناً، لنستمع ماهو هدف أصحاب المشروع أولاً.

يزعم أصحاب هذا المشروع  أن هذه الشوكة تساهم في الرقابة الذاتية على الوزن. أحد مشاكل الوزن تأتي من الأكل بسرعة، هنا قرر هذا الفريق الفرنسي أن يحلوا مشكلة الأكل السريع، وذلك عن طريق شوكة ذكية (وعلى افتراض أننا نأكل بالشوكة!) مزودة بحساس حركة يقوم بمراقبة وحساب السرعة التي تتناول بها اللقم عبر الشوكة. هذا التحدي الذي يفرض عليهم أيضاً تصميم شوكة قابلة للغسل والفك والتركيب إضافة للإتصال بالإنترنت.

إذا أكلت بسرعة، تقوم الشوكة بالإهتزاز بشكل بسيط لتذكيرك أنك تأكل بشكل غير طبيعي.

الآن تأتي الشوكة مع تطبيق آي فون أو أندرويد ونظام ويب يسمح بمتابعة نتائجك وأرقامك بشكل يومي. كما ويمكن أيضاً أن تتابع الأرقام اليومية عبر واجهة ويب خاصة.

تعدّ عبارة ” انترنت الأشياء “Internet of things” ” غريبة بعض الشيئ، لكنّها تصف بشكل عام حالةً في المستقبل القريب تنخفض فيه قيمة الحساسات أجهزة الاتصال اللاسلكيّة إلى مايقارب الصفر، ويصبح كلّ غرض تقريباً مجهّزاً للإتصال بالشبكة، من النباتات إلى المصابيح والأطعمة. وفيما يتصل كل شيئ ببعضه البعض ويصبح “ذكيّاً” بالتأثير فسنتمكّن من التحكّم بحياتنا الماديّة بشكل أفضل وفاعليّة أكبر ودون ضياع بالوقت.

هل يمكن للتصميم الجيد أن يجعلنا نحب كاشف الحريق؟

شوكتي!

 

قبل أن أبدأ بالحديث عن تجربتي للشوكة هذه لابد من الإقرار بأن هناك مشكلة. كيف ومتى أستخدمها؟ لعل هذا أول سؤال يطرح أمام الاستخدام اليومي لجهاز كهذا. هل أنا بحاجة لحوالي 4 أو 5 لأستخدمها في كل مكان؟ ماذا عن العمل؟ هل تفترض أن كل وجباتي ستكون باستخدام الشوكة؟

على أية حال لم يطاوعني قلبي -لسبب ما- أن أفتح العلبة في نفس اليوم وبقيت الشوكة الذكية وحيدة على الطاولة. علي أن أذكر أيضاً أنني لم أكن جائعاً حينها. سبب هذا أنني تناولت العشاء ونسيت أن لدي شوكة ذكية أصلاً! على أية حال قررت في اليوم التالي أن استخدمها وأن أحملها في جيبي بكامل وعيي.

بدأت التجربة بسلطة فواكه. المشكلة التي واجهتني هي وعيي بأن هناك من يراقبني أثناء الطعام خصوصاً فيما يتعلق بالسرعة. لذلك، حاولت مرات عديدة أن أسرع في الطعام وفعلاً بدأت بالإرتجاج. كان الأمر غريباً عندها! ربما لم يكن الارتجاج هو الخيار الأفضل أمام تنبيه شوكة الطعام لي (اكتشفت لاحقاً أن هناك خيار لجعل التنبيه عبر الضوء فقط) لكن كان سبباً يجعلني أتوقف عن الأكل قليلاً ثم أتابع. حاولت أن أدرس النمط الخاص بالشوكة وطريقة الأكل المناسبة لها وتابعت بطريقة عادية، دقائق قليلة بعد ذلك تجعلك تنسى الموضوع وتتابع.

انتظرت لوجبتي التالية، حاولت أن لا أنسى استخدامها وحملتها معي في علبتها الخاصة، ولأسباب تتعلق بالتجربة اقتصرت الوجبة على السلطة مرة أخرى!

المزامنة عبر تطبيق HAPIfork على آي فون كانت تقليدية مثل أغلب الأجهزة التي ترتبط عبر بلوتوث، تطبيق بسيط يعطيك فترة بداية الوجبة، الزمن الذي قضيته أثناء الأكل وكم لقمة أكلت. ثم يقدم رسوم بيانية عن العملية خلال اليوم و الأسبوع والشهر والسنة. إضافة لهذا كان هناك واجهة ويب تقدم نفس الميزات مع إمكانية المزامنة أيضاً للمنتجات الجديدة من الشركة.

هذه هي التجربة ببساطة.

آه صحيح، يمكن أن تغسل هذه الشوكة كأي شوكة أخرى. سواء بالماء أو في الآلة.

***

ماذا الآن؟ 

لايمكنني أن أصف هذه “الإختراعات” إلا أنها جزء من سلسلة محاولات للوصول إلى نظام حياتي إلكتروني أفضل. اليوم شوكة وغداً معلقة ثم براد ( البراد المتصل بالإنترنت ليس جديد أصلًاً) ثم مايكرويف ثم ثم.. الهدف بالنهاية هو جعل كل مافي المنزل متصل. والإتصال هنا لم يصل لمرحلة الإستفادة الحقيقية (بعض حلول أتمتة المنازل تعمل على هذا لكن لازال الموضوع في بداياته) وهو يدور حول الأرقام ودراسة الأنماط وتصدير الرسوم البيانية. الأمر مميز، مثير، لكن لايزال طائش.

هل هذا هو المستقبل؟ هل يمكن أن نصل لمرحلة أن تكون أبسط الأدوات في حياتنا متصلة بالإنترنت.

لسبب ما، أجد إجابتي المباشرة: طبعاً لا! أو على الأقل لا أتمناها بهذه الصورة.