بعد حوالي 12 ساعة متواصلة  البارحة و 3 ساعات إضافية اليوم من مشاهدة الموسم الثاني من مسلسل House Of Cards لابد أن أعترف بأن هناك شيء غريب في عالم التلفزيون الجديد الذي تقدمه أنواع كهذه من المسلسلات. لم أهتم يوماً بمسلسل بهذا القدر! لماذا الآن؟

ما الذي يجعل مسلسل سياسي بريطاني من التسعينات حصلت Netflix على  رخصة إعادة إنتاجه الأمريكية بأن يحصد هكذا نوع من المشاهدة والشعبية؟ ما الذي يجعل شركة تأجير أفلام مثل نيتفليكس تصل إلى هذه المرحلة من التقدم لتنتج مسلسلاتها بهذا الشكل؟ ما الذي يجعل الحساب الرسمي لرئيس الولايات المتحدة يتحدث عن البرنامج في أحد تغريداته؟

لهذا أجد أن تفصيل هذا الموضوع بالنسبة لي شخصياً يأتي على مرحلتين. الأولى – والأهم ربما – هي المحتوى والثانية هي رؤية Netflix التجارية.

المحتوى

القصة جذابة دون شك، ذلك الطريق الطويل للوصول إلى القوة والإستخدام الأمثل لمفهوم “الغاية تبرر الوسيلة” و “البراغماتية المطلقة” في التعامل مع كل شيء في الحياة من عمل وسياسة وإلخ هي مواد جذابة للمشاهدة وتشكل عامل ربط مميز في القصة مرتبط بشكل كبير جداً باستراتيجية طرح جميع الحلقات في يوم واحد والتي سنتحدث عنها لاحقاً.

لكن وبغض النظر عن الحبكة أو مستوى الإنتاج العالي جداً (الذي يقف كيفن سبيسي وراءه أيضاً إلى جانب دور البطولة) هناك “درر” إن صح التعبير تحدث عنها كيفن خلال مؤتمر صحيفة الغارديان للتلفزيون الأخير الذي جرى في مدينة إدنبرة الاسكوتلاندية العام الماضي. الفيديو طويل، لكني أنصح كل من يعمل في التلفزيون بكل المجالات مشاهدته والانتباه لتفاصيله. هناك الكثير لنفهم العقلية وراء عرض المحتوى بهذا الشكل وماهو السؤال الحقيقي الذي يجب أن يسأله أي منتج محتوى.

الآن قبل أن أعرض رأيي الشخصي في الموضوع، لنقرأ معاً أهم ماتكلم عنه كيفن خلال المؤتمر.

“أعط الجمهور مايريد، عندما يريد وبالطريقة التي يريد بسعر معقول. احتمالية دفع الجمهور مقابل ستكون أعلى من قرصنته.“

“هل مشاهدة 13 ساعة متتالية من حلقات مسلسل مختلفة عن مشاهدة فيلم؟ هل نعرف الفيلم بأنه ساعتين أو أقل؟ الأمر أعمق من ذلك. عندما تشاهد فيلم على تلفزيونك هل لايمكن أن نسميه فيلم لأنه ليس في السينما؟ عندما تشاهد مسلسل على الآي باد هل لايمكن أن نسميه مسلسل لأنه ليس على التلفزيون؟

“الأجهزة ومدة العرض غير مهمة. التسميات غير مفيدة.”

“من غير المهم لجيل اليوم لايوجد اختلاف من مشاهدة فيلم أفاتار على الآي باد أو يوتيوب على التلفزيون أو مسلسل Game of Thrones على الكمبيوتر. كله في النهاية محتوى وكله قصة.”

“لقد تكلم الجمهور. الجمهور متعطش للقصص الجيدة. مستعد للتضحية لها. سيتحدثون عنها يحملونه في جيوبهم، يغردون عنها ويتفاعلون معها بكل ما يتوفر لهم من طرق. كل ماعلينا القيام به هو تقديم القصة الصحيحة.”

ما الذي يمكن أن نستفيد منه هنا؟ الكلام واضح حقيقة. العامل المهم هنا هو “القصة” والقصة فقط. لاتتفنن في القيود على العرض ولاتضع عشرات الحواجز أمام المشاهدة. سيضمن لك هذا عمر طويل – وطويل جداً – لماتقدمه. القصة هي المحور.

الأمر الثاني والذي أراه عبقري هنا هو موضوع طرح جميع الحلقات معاً. من المعروف لدى جميع محبي المسلسلات أننا جميعاً نقوم بما يسمى بالماراثون وهو مشاهدة جميع حلقات المسلسل أو أجزاء الفيلم قبل عرض الجديد. هذه الظاهرة الثقافية في عالم المشاهدة أصبحاً واقعاً مع House of Cards وتقليداً لدى نيت فليكس.

الهوس الذي تسببه في متابعة تفاصيل القصة (وربما المشاهدة أكثر من مرة) تجعل أسهم المسلسل ترتفع بشكل كبير جداً ليدمج نفسه مباشرة في ثقافة الحياة اليومية والإنترنت، ثم نراه بمئات الأشكال الأخرى (حديثة أو قديمة) على شكل صور أو GIFs أو تغريدات أو على فيس بوك أو أي شيء. التأثير الثقافي القوي جداً خلال هذ الوقت القصير مثير للإعجاب بكل تأكيد.

خلاصة الحديث هنا أجدها تتلخص في الاقتباس التالي لكيفن سبيسي، والذي سأعيده للمرة الثانية لإعجابي الشديد حقيقة بانتقاء الكلمات.

“لقد تكلم الجمهور. الجمهور متعطش للقصص الجيدة. مستعد للتضحية لها. سيتحدثون عنها يحملونه في جيوبهم، يغردون عنها ويتفاعلون معها بكل ما يتوفر لهم من طرق. كل ماعلينا القيام به هو تقديم القصة الصحيحة.”

House-of-Cards-Season-2-2014-02-14

رؤية Netflix التجارية

لا أريد الخوض في تعريف Netflix وتاريخه كثيراً. كل مايمكن قوله أنه خدمة عرض أفلام ومسلسلات حسب الطلب وعبر الإنترنت، هكذا ببساطة. تقدم الشركة نموذجاً مالياً قائماً على اشتراك مفتوح يتيح للمستخدم مشاهدة مايريد من مسلسلات وأفلام.

تحرك Netflix وأعلن في 2013 عن سلسلة House of Cards التي تم إنتاجها عبره وستعرض بشكل حصري عليه بدون أي علاقات مع شركات الكيبل المنتشرة هنا وهناك في الولايات المتحدة. للوهلة الأولى سيبدو الموضوع غريباً، لكن الذكاء هنا هو في الاستغلال الذكي لموارد الشركة والتخطيط لمستقبل سيسأل فيه الجميع ماذا بعد لشركة تأجير الأفلام هذه؟ الجواب. لنصنع محتوانا الخاص بنا.

مقارنة بين أشهر مسلسلات شوتايم وإتش بي أو ونتفلكس على مدى العام الماضي

مقارنة بين أشهر مسلسلات شوتايم وإتش بي أو ونتفلكس على مدى العام الماضي

يتجاوز الأمر كم المستخدمين الهائل الذي نتج بعد طرح السلسلة. تشير أحد التقارير التي نشرها موقع مجلة The Atlantic أن الشركة حصلت بالفعل على قيمة إنتاج الجزء الأول من المسلسل وهي 100 مليون دولار خلال أقل من 3 أشهر.

لايمكن أن نذكر هنا بأن المسلسل تم ترخصيه لاحقاً لقنوات الكيبل حول العالم وهو مردود إضافي – وليس أساسي- للشركة.

المفهوم التجاري الذي اعتمده Netflix يقوم على تقليص هذا الحاجز الكبير بين المشاهد والمحتوى والموجود تقليدياً في عالم الكيبل. هذا العالم الذي يقوم على الإشتراك ثم تأمين الجهاز ثم المشاهدة القائمة على حلقات تحتوي على إعلانات في بعض الأحيان. ليس أمامنا في Netflix إلا خطوتين للإشتراك وستكون آلاف المسلسلات والأفلام متاحة أمامنا على أي جهاز مزود بشاشة عرض حقيقة.

ما الذي يمكن أن تتعلمه استديوهات الإنتاج العربية الآن؟

للأسف لايزال الإنتاج تقليدياً بكل ماتعني الكلمة من معنى في الذهن العربي. ففضلاً عن أن أقصى ماوصلت إليه هو إنتاج DVDs سيئة الإنتاج حقيقة. لاتزال أغلب المواقع العربية التي تعتمد أسلوب العرض حسب الطلب مثل شاهد واستكانة وغيرها تدور في فلك “العرض بعد التلفزيون”. في عالم أصبح إنتاج المحتوى العربي المستقل على يوتيوب واقعاً -وإن كان ضعيفاًـ لا أجد إلا أن أتمنى من هذه الخدمات أن تتعاقد مع المواهب الجيدة جداً والتي تنتج محتوى مميز على يوتيوب.

إلى أن يتحقق ذلك.. مالنا إلا Netflix 🙂