سنسرد في سلسلة المقالات القادمة “الحب في زمن الخوارزميات” بعض المقتطفات من كتاب لوك دورميل المميز: المعادلة، كيف تحل الخوارزميات كل مشاكلنا وتخلق المزيد Luke Dormehl:  The Formula, How Algorithms Solve All Our Problems- And Create More حول عالمنا المعاصر والمستقبل الذي يبدو أن الخوارزميات ستسيطر عليه بشكل أو بآخر، إن لم يكن هذا قد حدث بالفعل. يعد الكتاب من القراءات المميزة والواجبة على كل المهتمين في مجال التكنولوجيا عموماً نظراً لكم المعلومات والمراجع التاريخية التي تظهر صعود الخوارزميات ومحاولة الشركات استخدامها للسيطرة على كل نواحي الحياة تقريباً.

ومن غير الغريب ربما أن نبدأ اختيارنا بالعلاقات العاطفية في العالم المعاصر ودور الخوارزميات الجديد والمؤثر فيها.

السعي وراء التناغم الإلكتروني

إذا ما نظرنا إلى كلارك وارن Clark Warren سنراه بناءً على الانطباعات الأولية أكثر أصحاب الأعمال الناشئة فشلاً في عصر الانترنت. ولد وارن في الثامن عشر من شهر أيلول/ سبتمبر في عام 1934 كان وارن يبلغ من العمر 65 عاماً عندما أطلق شركته للمواعدة على الانترنت (موقع eHarmony)، لم يكن وارن مهووساً بالحواسيب. لم يكن يعرف كيف يرسل أو يتلقى رسالة إلكترونية حتى أقلعت شركته. يقول وارن” أقرّ أمامكم أنني لا أعرف الكثير عن الخوارزميات.”

لكن وإن كان وارن كبيراً بالعمر بحيث لم يكن جزءاً من التطور الحاسوبي الكبير الذي مررنا به، فقد كان في العمر المناسب ليعاصر ثورة تقنية أخرى مرت بها الولايات المتحدة. في عام 1935 وعندما كان وران يشارف على بلوغ السنة من العمر، نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالاً قالت فيه أن معدلات الطلاق ازدادت بنسبة تفوق الـ 2000 بالمئة. والأسوأ، هو أن الإحصائيات لم تقل القصة كاملة: وفقاً للمقال، كان نصف الأزواج الأمريكيين غير سعيدين. يعيشون وكما قال أحد الخبراء “ليسوا متزوجين لكنهم غير مطلقين..”

وكما هي الحالة في حالات التغيرات الأساسية في المجتمع، لم تقتصر الأسباب التي أدت إلى هذه الكارثة الاجتماعية على سبب واحد فقط بل كانت نتيجة عدد من العوامل المختلفة مجتمعة. أولي الحب أهمية أكبر من المسؤولية في الزواج باعتباره ووفق الاعتقاد السائد ينبوعاً للسعادة في الحياة. وللمرة الأولى، كان الطلاق أيضاً خياراً حقيقياً للناس في المجتمع. كانت المدن الأمريكية تنمو أكبر وأكبر كل يوم، فيما ابتعد الناس عن تجمعاتهم الصغيرة واختبروا مجموعة من الاحتمالات المختلفة التي لم تكن متوقعة في السابق. بدأت الولايات المتحدة تأخذ منحاً علمانياً، فيما تراجع دور الدين وتطورت المعادلات.

رافقت هذه الموجة ظهور علماء الاجتماع: والذين طرحوا تشبيه الزواج بالآلة، يجب الحفاظ عليها سلسة الحركة بالزيت وعلى عملها في جميع الأوقات. وكما لاحظ بول بوبينو Paul Popenoe، وهو أحد المشاركين في تأسيس الاستشارات في العلاقات الزوجية في الولايات المتحدة:

ليس هناك ما هو غامض في العلاقات الزوجية، أكثر من الغموض حول سيارة لا تعمل بشكل صحيح. يتفحص الميكانيكي الاحتمالات واحداً تلو الآخر: المقلع، المكربن، ناقل الحركة، الصمامات، وهكذا دواليك، ويجد موضع المشكلة، ويعالج المسبب إن كان ذلك ممكناً. ونحن نفعل ما هو مماثل بالزواج.

عانى وارن من المشاكل الزوجية بين والديه، وعلى الرغم من أنهما بقيا متزوجين على مدى 70 عاماً، لم يشعر وارن يوماً بأنهما ملائمان لبعضهما البعض.

يتذكر وارن: “كان والدي ناجحاً إلى درجة كبيرة، وكانت أمي لطيفة، ولكنها كان أضعف منه في الذكاء”. كان والد وارن يملك مركزاً لبيع سيارات شيفروليه، كما كان مالكاً لمتجر يبيع أزياء جون ديير John Dear ، ومتجر لبيع الأطعمة ــ وكان مهتماً بالسياسة العالمية، ويشكك دائماً بقضايا كالصراع الدائر بين اليهود والعرب. ويقول وارن عن أمه” لم تكن تعرف حتى بوجود الشرق الأوسط.”

dr-warrenيقول وارن: “كنت أخطط لدخول الوزارة لكنني اكتشفت أنني أشبه رجل شركة صغيرة بدلاً من منصب الوزارة”. بدأ وارن بعد حصوله على شهادة PhD من جامعة شيكاغو في طب النفس في عام 1967 العمل كمستشار علاقات زوجية. وفي عام 1992 أصبح من المشاهير بعد أن نشر كتاباً بعنوان “اعثر على حب حياتك Find The Love of Your Life” بيعت حوالي المليون نسخة من الكتاب لكن وارن وجد نفسه خائفاً. فقد قال بعد أن تضمن حديثه الاستشارات قبل الزواج أنه يترك الأمور متأخرة جداً بالنسبة إلى الأزواج. يقول وارن: ” يميل الناس لتكوين علاقات اجتماعية في وقت مبكر من علاقاتهم، ومهما كان ما يجدونه في تلك النقطة عما إذا كان يجدر بهم الزواج أم لا، فسيكون احتمال انفصالهم صغيراً جداً، أدركت أن الطريقة الوحيدة لجمع شخصين مع بعضهما هي قبل أن يلتقيا ويرتبطا بأي علاقة.”

على عكس الكثير من الأخصائيين النفسيين، اكتشف وارن في وقت مبكر وخلال مزاولته لعمله أنه كان مهتماً بالأجزاء الكمية من مجال دراسته والتي تخيف الناس غالباً. قرر أن يدرس هذا بدراسة جودة العلاقات الزوجية. بدأ وارن بعد بيع كتابه الأول بالعمل على مشروع بحثي ضخم، أجرى فيه مقابلات عديدة مع 800 زوجاً. وعندما انتهى من بحثه، قام بمقارنة النتائج التي حصل عليها من أكثر 200 ثنائي سعيد وأقلهم سعادة بعلاقتهم واستخدم هذه المقارنة لاستنتاج مجموعة من العوامل النفسية التي وجدها توقعية بشكل مذهل فيما يخص التوافق في الزواج. يقول وارن: “تقاطعت النتائج إلى درجة كبيرة مع ما وجدته من حوالي 40 عاماً من العلاج إلى درجة أصبحت فيها متأكداً مما أقوله.” وليحصل على نتائج منطقية من البيانات التي جمعها تواصل وارن طالباً خدمات شاب يعمل في الإحصاء واسمه Steve Carter، والذي يشغل منصب مساعد رئيس موقع eHarmony حالياً. وخلال إحدى المناسبات في بدايات عملهما مع بعضهما البعض رمى وارن بفكرة.

قال وارن” لم لا نعمل على موقع إلكتروني؟”

أجاب كارتر ” أتقصد، لاختبار جودة العلاقات الزوجية؟”

قاطعه وارن حينها قائلاً” ليس تماماً” ” كنت أفكر بموقع للمواعدة. يمكننا أن نستخدم نماذجنا في المطابقة كبداية وننطلق منها.”

على الرغم من بعض المعطيات الخاطئة، بدأ كارتر العمل على الموقع: حيث أعاد ترتيب البيانات بعناية وصاغه على شكل 436 سؤالاً لتوصيف الشخصية. تتم مطابقة الثنائيات تبعاً لقائمة أطلق عليها اسم ” 29 بعداً للمطابقة.” وضعت هذه الأبعاد بناءً على متغيرين أساسيين: الصفات الأساسية ” معرفة الجوانب المتعددة لشخصيتك والتي لا تتغير” والسمات الحيوية” بناءً على الخبرات والتي تتغير جراء أحداث نتعرض لها في حياتنا وقرارات نتخذها كبالغين”.

على الرغم من أن الخوارزميات لا تزال سرية لتجنب فحصها بدقة، ظهرت بعض التفاصيل .فالنساء على سبيل المثال لا تتطابق النساء أبداً مع رجال أقصر منهم، ما يعني أن الرجال لا يرتبطون بنساء أطول منهم. وهناك بارامترات عمرية أيضا، حيث تميل النساء بعمر 30 عاماً إلى الارتباط برجال بين الـ 27 والـ40 فيما يميل الرجال بعمر 30 إلى الارتباط بنساء بين الـ23 والـ33.

وفي النهاية كان ظهور eHarmony أكثر من مجرد إضافة جديدة إلى عالم مزدحم بمواقع المواعدة على الانترنت – لقد أحدث هذا الموقع تغييراً جذريا في الطريقة التي يفكر فيها الانترنت على صعيد المواعدة ومطابقة الأزواج يقول كارتر “كان وارن عنيداً إذ أراد لهذا الموقع أن يكون مبنياً على أسس علمية”

قبل ظهور eHarmony، أخذت معظم مواقع المواعدة شكلاً عادياً يعج بالإعلانات وقائمة على البحث، وبعد ظهور eHarmony استبدل نموذج محرك البحث بنظام مساعد للاقتراح والتوصية مبنياً على معايير وارن العلمية الدقيقة. فبدلاً من السماح للمستخدمين بالتصفح بين صفحات من الملفات الشخصية، يطلب منهم eHarmony ببساطة الإجابة على سلسلة من الأسئلة ــ ويقوم بالاختيار الصحيح نيابة عنهم.

أقلع الموقع في الثاني والعشرين من آب من عام 2000. وكان هناك بعض المشاكل الصغيرة بالطبع يقول وارن “استاءت إحدى النساء والتي كانت تعمل في شركة علاقات عامة عندما اكتشفت أن نتيجة مطابقتها كانت مع سائق شاحنة وتكرر هذا معها عندما حاولت ثانية. ما أريد قوله هنا، يمكن لسائق الشاحنة أن يكون ذكياً، لكن وبظنها كان هناك فارق مجتمعي ظنته مزعجاً، وظنت أننا لا نقوم بعملنا على الإطلاق.”

كانت النقطة المهمة كما قال كارتر عندما ساء الوضع أكثر حيث وضع جاي لينو Jay Leno (مقدم برنامج The Tonight Show الترفيهي الشهير في الولايات المتحدة) شعراً مستعاراً وبدأ يستهزء من وارن في برنامجه التلفزيوني، يقول وارن “لقد أدهشته قدرة هذا العجوز بشعره الأشيب على مطابقة الثنائيات للزواج. وعلى الرغم من أنه كان محرجاً إلا أنه عرف حينها أن موقعه أحدث الضجة المطلوبة. وفي نهاية 2001 كان هناك أكثر من 100 ألف شخص مسجل في الموقع ووصل العدد في آب من العام الذي تلاه إلى 415 ألف مسجل، بعد أن وصل العدد إلى 6 مليون في 2004، 8 مليون في 2006 و14 مليون في 2007. اليوم ساهمت خوارزميات eHarmony في نجاح 600 ألف زواجاً في الولايات المتحدة وبدأت الأعداد تتزايد خارج الولايات المتحدة. وكما تبين لاحقاً فقد كان هناك ضرورة لأساليب علمية للمطابقة والزواج، يقول كارتر” من وجهة نظري، لم أكن قادراً على تخيل ما يمكنني فعله بالإحصائيات إلى درجة تكون بتأثير ما فعلناه”

المقال الأول من سلسلة “الحب في زمن الخوارزميات”