the-formula-book-reviewالجزء الثالث من سلسلة مقالات: الحب في زمن الخوارزميات. تقوم السلسلة على بعض المقتطفات من كتاب لوك دورميل المميز: المعادلة، كيف تحل الخوارزميات كل مشاكلنا وتخلق المزيد Luke Dormehl:  The Formula, How Algorithms Solve All Our Problems- And Create More حول عالمنا المعاصر والمستقبل الذي يبدو أن الخوارزميات ستسيطر عليه بشكل أو بآخر، إن لم يكن هذا قد حدث بالفعل. يعد الكتاب من القراءات المميزة والواجبة على كل المهتمين في مجال التكنولوجيا عموماً نظراً لكم المعلومات والمراجع التاريخية التي تظهر صعود الخوارزميات ومحاولة الشركات استخدامها للسيطرة على كل نواحي الحياة تقريباً.

ومن غير الغريب ربما أن نبدأ اختيارنا بالعلاقات العاطفية في العالم المعاصر ودور الخوارزميات الجديد والمؤثر فيها.

هل أنت واثق من أنك تريد حذف هذه العلاقة؟

يعرف عالم الاجتماع البولندي زيغمنت بومان Zygmunt Bauman ” العلاقة الافتراضية” في كتابه “الحب السائل: ضعف العلاقات البشرية Liquid Love: On the Frailty of Human Bonds” واضعاً الحب بسياق علمي يتماشى مع السهولة والبساطة، منظور يخلو فيه الحب من المخاطر وبضمانات. يصف بومان الغرض الأساس من العلاقة الافتراضية “إن كنت ترغب به فليس هناك حاجة للانتظار Take The Waiting Out Of Waiting” لست بحاجة للفناء وأنت تسعى ولست بحاجة لتتعب لتحصل على النتائج.

على عكس العلاقات الحقيقية، يمكن خوض العلاقات الافتراضية بسهولة كما يمكن التنصل منها بسهولة. تبدو العلاقات الافتراضية ذكية ونظيفة، بالمقارنة مع العلاقات الحقيقية الثقيلة، التي تتحرك ببطء ويتطلب الخروج منها الكثير من الجهد كما أنها لا تخمد بسهولة.

لقد كبرت العلاقات على الانترنت عبر مواقع المواعدة على حساب الأشخاص، الأماكن التي قد تجمعهم بشريكهم والأعمدة التي تتحدث عن الحب في المجلات والصحف، لكن تبقى ميزة العلاقات الافتراضية كما وصفها أحدهم: “يمكنك دائماً أن تضغط زر Delete.”

يقول مؤسس موقع FreeDating دان وينتشيستر Dan Winchester أن المستقبل سيحوي “المزيد من العلاقات لكن نسب الطلاق ستكون أكثر.” قد يبدو هذا كلاماً غامضاً، لكنه سيكون نتيجة خوارزميات أفضل وأفضل مما هو موجود حسبما يقول وينتشيستر. يتابع: ” غالباً ما أتساءل، إن كانت عملية مطابقة الناس بأناس جيدين عملاً يزداد فاعلية ومتعة مع الوقت فقد يصبح الزواج في النهاية غير ضروري.”

فيما يبدو كلام وينتشيستر ظاهرة جديدة. يناقش الأخصائي النفسي الأمريكي باري شوارتز Barry Schwartz في أحد كتبه والذي نشر في عام 2004، لغز الخيار Paradox Of Choice: Why More Is Less ويقول أن كمية الخيارات المتوافرة في المواعدة أضحت مصدر قلق. في سياق العلاقات قرر التعامل مع لغز الخيار هذا بتقسيم العشاق ودراستهم.

أي كيف نحصل على الكفاءة عن طريق تقسيم وعزل سبل الإنتاج. في عصر التخصيص السهل، تصبح العلاقات عرضة للتخصيص أيضاً، وتشكلها الخيارات والتفضيلات إضافة للرغبات والتقلبات النفسية.

يتعارض هذا المنطلق الجديد مع ما تعلمناه منذ الصغر بفعل الثقافة التي نشأنا في كنفها. يجب على العاشق أن يكون فريداً، لا مجرد مجموعة من الإجابات التي تجيب عن مجموعة من الأسئلة، تكون الإجابة عن كل سؤال إما صحيحة أو خاطئة. سيجد كل من يتصفح الانترنت الآن بحثاً عن المواعدة نفسه بعد فترة من الزمن مجموعة إجابات.

ستصبح ملفات التعريف ترداداً لا نهائياً لكلمات وصفات من مثل ظريف، مرح، محب، منفتح، رومنسي ومحب للمغامرة : سيحاول الجميع أن يحطم هذا القالب السائد ليجذب انتباهاً أكثر، لكن سيتابع الجميع استقاء الصفات والمواصفات الشخصية من نفس الثقافة. يمكن لهذه المعايير أن تأتي ضمن الأسئلة التي توضع في تسلسل إعداد الملف الشخصي على مواقع المواعدة. هل يثيرك المال أكثر من العواصف الرعدية أم لا؟ هل تحب زينة الجسد Body Piercing أكثر من الإثارة الجنسية أم العكس؟ هل تريد من شريكك أن يمتلك القوة أو شعراً طويلاً فقط؟ “مع تواجد كل هذه المعادلات متساوية في واجهة الموقع وآلاف الخوارزميات التي تعمل تحتها، فليس هناك طريقة لنعرف ما سيؤثر على نتيجتنا النهائية.

سلط مقال من عام 2013 في صحيفة الغارديان الضوء على هذه المسألة، تقول الصحفية إيمي ويب Amy Webb التي تعتمد على خبرتها في خوارزميات المطابقة “عندما بدأت بالمواعدة على الانترنت، واجهت فيضاً من الأسئلة. وكنت صادقة ومباشرة في الإجابة. ثم بدأ صبري يبنفذ، لذلك بدأت بالنقر على ما بدا خياراً جيداً.”

لم يطل الوقت قبل أن تبدأ ويب بإعادة التفكير بالإجابات التي طلب منها إدخالها. أحبت ويب الرجال الأقوياء ممن يعملون بأيديهم، لكنها تساءلت ما إذا كانت هذه محاولة مبطنة ليعرف الموقع ما إذا كانت تحب أن تواعد حطاباً؟ فهم من يتميز “بالقوة والعمل بالأيدي،” كما قالت، وتابعت” لكنني لا أريد أن أتزوج من حطاب. حتى أنني لا أحب الأشجار إلى تلك الدرجة.”

بالطبع تعدد النتائج التي تأتي بها خوارزميات المطابقة ولعل أسوأها خوارزمية ركزت على الأزمة الوجودية باحتمال عدم وجود من يمكن أن يكون شريكك في العالم، يقول نيل كلارك وارن Neil Clark Warren “نرفض حوالي 16 بالمئة من طلبات المستخدمين الذين يتقدمون بطلبات عضوية على موقعنا،  لدينا سبع أسباب مختلفة لاستثناء الناس. إن كانوا مكتئبين، لأن الاكتئاب يرتبط بسلوكيات أخرى كثيرة. فلا نسمح للمكتئبين بالانضمام. وإن كان المشتركون ممن تزوج أكثر من ثلاث مرات، ما يستثني نسبة 15.5 بالمئة من الزيجات في الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، لدينا ما يسمى “Obstreperousness” وهم الناس الذين لا يمكن إرضاؤهم أبداً. تطرح عليهم الخيارات وينتقدونها بشدة. تعطيهم خيارات أخرى وسيقولون أنهم خجولون. ولدينا طرقنا في قياس واستكشاف ذلك، ونطلب من هؤلاء الناس عدم الانتساب إلى موقعنا بكل بساطة.”

المقال الثالث من سلسلة “الحب في زمن الخوارزميات”

المقال السابق: صنف/ي رغباتك/ي