فيما تصبح الخيارات التقنية أكثر تعقيداً، فإن التصميم، وليس العلم هو مايشير إلى المستقبل الذي نريده بالفعل. عن تصميم المستقبل يكتب جون تورني Jon Turney في مجلة Aeon.

يحصد مختبر Vitro meat  الآن مجموعة من الألياف العضلية التي لا تبدو للوهلة الأولى قابلة للأكل لكنها قد تكون ملائمة لتكون حشوة في الهامبورغر والفطائر. لكن لنتخيل أن طموح الباحثين قد تحقق، أين ستذهب هذه التقنية؟ كيف سيتم تسويقها واستهلاكها؟ من يمكن أن يريدها، ولماذا؟ يتمحور كتاب The In Vitro Cook Book الذي كتبه كل من كوريت فان مينسفورت Koret van Mensvoort وهندريك- جان غريفينك Hendrik-Jan Grievink عن هذا الموضوع بالضبط ويضم وصفات لمنتجات تخيلية. وصف الكاتبان مفهوماً تخيلياً يجعل من كتابهم مثالاً وطريقة جديدة للتشكيك بالتكنولوجيا: خيال التصميم. فيما تؤرقنا الأسئلة عن الخيارات التقنية أكثر وأكثر، من الممكن أن يكون الخيال التصميمي Design Fiction وليس العلم هو من يحمل الإجابات الأفضل في المستقبل

نخبر أنفسنا دائماً قصصاً ونتخيل التكنولوجيا بشكل متفائل كمبتكرين، ويقدم لنا النقاد دائماً وجهات النظر المتشائمة، وتكون هذه القصص في غالبها بسيطة. يمكن لتعقيد هذه القصص أن يدعم جدلاً غنياً أكثر عن الاتجاه الذي تذهب فيه التكنولوجيا، ونوع المستقبل الذي يمكن أن تفتحه. يخلق هذا نوعاً من الواقعية في أوهام الاحتمالات التقنية التي تلهم نوعاً جديداً من ممارسي خيال التصميم، أو النقد التصميمي Critical Design. في كتاب الطهي مثلاً، تأتي تلك الواقعية من استخدام أسلوب مألوف في إعداد الوصفات لنقل القارئ إلى عوالم غير مألوفة. يتم تخيل الحقائق المستقبلية، لكن ليس بطريقة حالمة في سياق البحث. قد لا تحصل هذه التخيلات أبداً، وقد تحصل.

هناك الكثير من الأمثلة عن الجهود المبذولة لتحفيزنا على التفكير بطريقة جديدة. في عام 2014، نشر مختبر Near Future Laboratory وهو استوديو تصميم أمريكي أوروبي كاتالوج باسم TBD Catalog، وهو عبارة عن كاتالوج يضم عدداً كبيراً من المنتجات المستقبلية المحتمل ابتكارها، من طائرات دون طيار Drones لتنزه الكلاب وحتى مواد تغذية للطابعات ثلاثية الأبعاد تتم زراعتها. يلتزم صنف آخر من المصممين بإنتاج تصاميم واقعية وحقيقية أو بإقناع الساخرين بالتفكير بهذه المنتجات. في كلا الحالتين، فإن التفاصيل هي المسؤولة عن التغيير. تحفز تجهيزات المستقبل المحتملة النقاش بطرق فشلت فيها الجهود المبذولة لتخيل التكنولوجيا المستقبلية في تحفيزه. حتى أنها قد توفر طريقة أكثر فعالية لخلق مستقبل نريده بالفعل.

sample2_1024x1024

يقوم الخيال التصميمي Design Fiction على تقليد قديم بسرد القصص عن التكنولوجيا. تبدأ كل تقنية بقصة. لا نعرف كيف تمكن البشر الأوائل من ابتكار الفأس من حجر صوان عن طريق تصوير أفكارهم، لكن الفعل الأولي بنحت الصوان ينطبق على خطط مستقبلية. كذلك الأمر بالنسبة لبقية التقنيات. تحمل كل أداة قصة صغيرة عنها، كما قال المؤرخ التقني ديفيد ناي David Nye في كتابه Technology Matters في عام 2006. تبدأ التقنية في المخيلة، وتمتد الفكرة إلى ما ستساعدنا هذه الأدوات على إنجازه.

ترتبط التكنولوجيا أيضاً بأنواع مألوفة من الخيال العلمي. إن الروابط بين التصور العلمي، المخيلة التقنية والخيال العلمية متقاربة، ومعقدة، حتى لو كانت الأفكار الجديدة الأصيلة تأتي غالباً في مجال التكنولوجيا أولاً. يعمل Arthur C Clarke ويعرف بأنه مختص بالرؤى التقنية لأفكاره عن أقمار الاتصالات الصناعية الثابتة جغرافياً، على الرغم من أن فكرة هذه الأقمار تعود إلى عام 1945 في مقال تقني، وليس في الخيال. شكلت خارطة الطريق التي وضعها كلارك إلى الكواكب سياسة الفضاء في ناسا في الستينات وقبل ذلك رسم رواد الصواريخ مخططاتهم باعتماد كبير على تخيلات جولز فيرن وغيره.

يمكن أن نشبه تخيلات الخيال العلمي والتكنولوجيا بغرف الصدى، تعكس الأفكار جيئة وذهاباً، ويدعي المبتكرون التقنيون أن الإلهام من الخيال العلمي هو طريقة لشرح ماقد تقوم به أجهزتهم بالمستقبل. مارتن كوبر Martin Cooper هو المهندس الأمريكي الذي ترأس الفريق الذي صمم أول هاتف نقال –  والذي تم عرضه في عام 1973 – وأخبر الصحفيين بكل سرور أنه حصل على إلهامه من جهاز الاتصال الذي رآه في فبلم Star Trek الشهير حينها، ومع ذلك، كان يعمل في ذلك الوقت لصالح شركة موتورولا لتصميم أجهزة راديو محمولة للشرطة، وكان الهاتف النقال امتداداً بسيطاً للفكرة. لكن ذكر اسم مصدر الإلهام كان كافياً لجذب انتباه الناس.

يمكن لمصادر الترفيه كأفلام الخيال العلمي أن تكون ذات تأثير كبير في الترويج لتقنيات محتملة. وخلق هذا أبعاداً جديدة في صناعة هذه الأفلام، ما انعكس بإنتاج تقنيات جديدة تذكرنا بتخيلات تلك الأفلام. يتم أحيانا استثمار هذه الواقعية السينمائية مباشرة من قبل المبتكرين. تم تصميم واجهة نظام التشغيل التي يعمل عليها توم كروز باستخدام الإيماءات في فيلم Minority Report في عام 2002 بناء على تصاميم لـ John Underkoffler وهو باحث سابق في مختبرات الوسائط في معهد MIT في مجال التصوير Visualization والذي كان يعمل ليصمم واجهة مشابهة. استحوذت الواجهة على انتباه متابعي الفيلم، كما استحوذت على مخيلتهم، واستخدم Underkoffler هذا الوقع السينمائي لإقناع المستثمرين بدعم أبحاثه.

تشكل هذه الطريقة أسلوباً لا يقاوم للترويج للاحتمالات التقنية الجديدة. كما ذكر في ورقة نشرت عام 2009 ” تتطلب النصوص السينمائية تقنيات تعمل. وفي هذه الحالة، يتم تحقيق الواقعية البصرية بالحصول على مساعدة الناس الذين أرادوا تطوير ما يتم تصويره بالضبط.” بمعنى آخر، تروج الأفلام والسينما لمنتجات ماقبل واقعية لتقنيات لا توجد في الواقع بعد.

عندما يكون الأثر الترويجي لهذه الأفلام جيداً ( لعشاق التكنولوجيا)، تبدو المخاوف التي تحيط بهذه التقنيات الجديدة أقل إزعاجاً، حتى عندما يتم دمجها وتقديمها بشكل واضح في سياق الثقافة الأم. يصبح السواد بياضاً.

لا يتمحور فيلم Minority Report حول التصميم النقدي. ففي الخيال التصميمي، تترك الاحتمالات مفتوحة.

تملك الجهود التي يبذلها الخيال التصميمي لخلق تمثيل واقعي تخيلي للتكنولوجيا، التي تحاول أن تحفز النقاش الذي يتجنب الآراء المستقطبة مكوناً أساسياً. على عكس العوالم الجديدة لروايات الخيال العلمي، أو التصورات العالية الدقة للسينما المستقبلية، لا تنتهي القصص بشكل واضح في الخيال العلمي. لا يتمحور فيلم Minority Report حول التصميم النقدي لأن السيناريو الروائي فيه مغلق. في الخيال التصميمي الجيد، يتم التركيز على القصة بشكل طفيف، وتترك الاحتمالات مفتوحة. ويعود القرار للفرد الذي يمر بالتصميم أن يقرر كيف يمكن للتصميم أن يكون جزءاً من المستقبل.

لنفكر بمشروع المصممين جيمس أوغر James Auger و جيمي لويزي Jimmy Loizeau. وهو عبارة عن روبوت صغير يحوي آلية تحل لفافة من الورق الذي يصطاد الذباب. يتم كشط الذباب العالق على الورق في نهاية مسار معين ويتم تغذية خلية وقود ميكروبية بها. تشغل الخلية آلية تدوير اللفافة وشاشة توقيت صغيرة في مقدمة الآلة. كان التفاعل مع هذا الروبوت قوياً على الانترنت وتعددت أفكار الناس والمتابعين عن احتمالات استخدامه.

هنا، يمكن أن ننظر إلى هذا الروبوت كبداية جيدة لمحادثة. لكنه مع ذلك لم يحقق النوع الحذر، النقدي من المحادثات التي أمل المصممون أن يخلقها. فكرة الحصول على الطاقة من مصدر حيوي فكرة جيدة، لكن آلية تغذية تغذي نظاماً بجثث صغيرة تقلب النقاش وتأخذه في منحىً مرعب.

يريد رواد الخيال التصميمي أن يصمموا منتجات ويعرضوها بحيث لا تأتي بهذا النوع من الاستجابة، يريدون من منتجاتهم أن تطلق خيال المتابعين في الاتجاه الصحيح. هذا يعني أن لا نكون خياليين بشكل مبالغ به، وألا نكون محبطين. عندما يعمل الخيال التصميمي بالشكل الأمثل فإنه يأتي بماهو جديد لتتم مناقشته في إطار الحياة التقنية المستقبلية، ويحمل المستخدمين على الانخراط في النقاش عن هذا الجديد.

يجب أن يكون التصميم النقدي متطلباً، يحمل نوعاً من التحدي، وإن كان سيرفع الوعي فيجب أن يرفع الوعي بقضايا غير معروفة بعد. كالأنسجة البروتينية في مختبرات Vitro ، إيجاد الطريق لإنتاج تقنية تم تخيلها سابقاً. أتت فكرة اللحوم المستحصلة صناعياً في القرن العشرين بعد أن نجح الجراح الفرنسي Alexis Carrel بتجارب على الأنسجة في المختبر نجح فيها في الحفاظ على خلايا من قلب فرخ دجاج حية. تم طرح هذه التجارب عالمياً كطريقة للحصول على الأنسجة البروتينية مخبرياً وتم تصويرها في العديد من الروايات التي تم فيها إطعام الناس وجبات تم تحضيرها من فراخ الدجاج ( مقياس صناعي للأنسجة، يغذى بطحالب تتم تربيتها على صفائح يتم تسخينها شمسياً)

 

قد نحصل يوماً ما على لحوم يتم إنتاجها بكم كبير وبسعر زهيد، يتم استحصالها في منشآت موجودة في الأرياف.

يوفر الكتاب الذي نشرته مختبرات فيترو 45 وصفة مستقبلية لا يمكنك طهيها بعد، لكنها جميعاً طورت بأساليب طهي صارمة. يحمل هذا الموضوع قارئه على التفكير بطريقة جديدة. تساعد الوصفات والمكونات هنا في تسهيل فكرة تواجد تقنية مشابهة يتم تطويرها لمنتجات حقيقية، سيكون هناك الكثير من الخيارات المعقدة.

تم إرفاق الوصفات فيكتاب مختبر Vitro بمقالات مختارة، ومن بينها مقال يضم تصوراً عن مطبخ المستقبل ــ جنة من الأطعمة بقائمة مطولة من أنواع اللحوم المصنعة في المختبر، وبمقاعد مكسية بجلد مصنع بنفس الطريقة. يتخيل الكتاب مستقبلاً نحصل فيه على اللحوم دون الحاجة لقتل الحيوانات بتفصيل مقنع. يطرح الكتاب وجود نوع من اللحوم المنخفضة السعر التي يتم إنتاجها بكميات كبيرة في منشآت تتواجد في الريف. ستأتي المنتجات المتوسطة بشكل رئيسي من المنشآت المحلية في المدن. هنا يخبرنا الخيال التصميمي design fiction بالبدء بالتفكير بمنتجات جديدة واختيار أي منها مما يمكننا أن نبدأ بتصنيعه الآن، وكيف يمكن أن نسخر التكنولوجيا المتواجدة بين أيدينا في ذلك.
لكن مالذي سيحصل عندما ننتقل بالتلاعب الجيني إلى مستوى جديد في ما يعرف بالبيولوجيا الصناعية Synthetic biology؟ سيحدث هذا تغيراً جذرياً. أمضينا كبشر حوالي نصف قرن نحاول أن نعتاد على قوة التطور بالانتقاء الطبيعي، والتي تحتسب غنى الأشكال الحية ومدى وجود علامات التصميم فيها، دون الحاجة إلى مصمم. الآن وأكثر من ذي قبل لدينا خيار توظيف التصميم في الأحياء، عن طريق علم الأحياء.

هناك الكثير من الجدل الآن حول التعديل على الأحياء لخدمة المشاريع البشرية وتبقى الكلمة الأخيرة فيه لرؤى المتشائمين، كما شاهدنا في الخلافات على الأطعمة المعدلة وراثياً. وحتى الجراثيم التي يتم تعديلها وراثياً يتم تقديمها على أنها جراثيم خارقة. نحتاج طرقاً لتبصر عالم حيوي جديد كلياً، طرقاً تقودنا إلى نقاش حقيقي عن موازنة التكاليف والعائدات في المشاريع التي يتم تبنيها. ويبقى السؤال، هل يمكن للخيال التصميمي أن يساعد؟ وفقاً لكتاب جديد للموازنة بين علماء الأحياء الصناعية والفنانين، يمكن للخيال التصميمي أن يساعد.

علم الجمال الصناعي Synthetic Aesthetics ، عبارة عن كتيب شارك في كتابته العديد من الكتاب في مجال التصميم الحيوي bio-design، يوفر هذا الكتاب سلسلة من الإجابات الحديثة والشيقة للرؤى العلمية لحياة أعيدت هندستها. يغطي هذا الكتيب الامتداد بين الأعمال الفنية وحتى الخيال التصميمي، مروراً بمزروعات تم تعديلها لتنبت أجزاء من نظام لمبيدات الأعشاب الضارة، مواد بناء ذاتية الترميم، أغلفة من مواد مغذية لتحسين المنتجات الغذائية عند إضافة الماء، ونوعاً من الجبن مصنوعاً باستخدام نوع من البكتريا تم استحصاله من البشرة في الإنسان.

لن يكون من الحكمة طبعاً تناول هذا الجبن مثلاً، لعدم معرفة مدى سلامة البكتريا التي صنعت منها.

توفر تجربة تركيب الجبن مخبرياً من البكتريا المستخرجة من البشرة لدى الإنسان عرضاً جلياً للجودة التي يحتاجها الخيال التصميمي. تطرح هذه التجربة تعريفاً لعالم جديد، عالم لا نشمئز فيه من البكتريا البشرية بل نكون سعداء باستهلاك جبن تم تصنيعه بمساعدة هذه البكتريا. يجب على الخيال التصميمي أن يؤمن بنفسه، أو أن يعطي انطباعاً بذلك على الأقل.

فيما يتم نشر الخيال التصميمي Design Fiction بكونه نشاطاً محدداً، سيتابع اكتشاف طرق جديدة للتعريف عن نفسه. يجب على الخيال التصميمي أن يكون نبضاً يقودنا ويساعدنا على التفكير وتصور عالم بمعايير جديدة اعتيادية تخالف ماهو مألوف حالياً. ويمكن للتصميم والممارسة الفنية أن يفعلا ذلك.

ترعى وزارة الدفاع الأمريكية حالياً مشروعاً يحاكي الخيال العلمي نوعاً ما خصصت له وكالة باسم ” وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة DARPA” ولدى هذه الوكالة كتيب مليء من مشاريع البحث والتطوير عن مواضيع من الروبوتات إلى التطوير العصبي، تم اختيار هذه المشاريع وفق غاية واحدة أو سؤال واحد : هل ستعطي هذه المشاريع ميزات متقدمة للجيش الأمريكي في المستقبل؟ يقول مكتب التقانات الحيوية في داربا أنه يبحث عن أفضل المبتكرين في كل المجالات ممن يملكون فكرة عن كيفية استخدام التقانات الحيوية لحل مسائل تبدو مستحيلة الحلو والقدرة على طرح حلول تكون حلولاً تشكل نقطة تحول.

سيتابع الخيال التصميمي الأقل نقداً والأكثر تجارية جذب الشركات الابتكارية التي تطمح لإيجاد مجالات وعروض جديدة لتلائم أسواقاً غير موجودة بعد. تهدف هذه الشركات لإنقاذ جميع الأفكار التي تترنح بين كونها لامعة وتحولها إلى منتج ناجح يجتذب الزبائن.

لكن القدرة الأعظم لهذه الطريقة الجديدة في العمل هي كأداة لمن يريد التشجيع على جدل أكثر أهمية ومكوناته التقنية. وهو نقاش ليس موجوداً حتى الآن، عن كيفية حصاد القدرات التقنية لتحسين فرصنا في عيش حياة نأمل بعيشها.