كل شيء عن "الجين الأناني The Selfish Gene"

من منا لم يسمع بعبارة ميم Meme؟ تلك المقاطع والصور التي تنتشر على الإنترنت ويشاركها مئات الآلاف من المستخدمين عبر الشبكات الاجتماعية وكل مايمكن المشاركة عبره. قد نتفاجئ عندما نعرف أن الظهور الأول لهذه الكلمة كان ضمن سياق بيولوجي تطوري خاص طرحه العالم البيولوجي البريطاني ريتشارد دوكينز للمرة الأولى في كتاب “الجين الأناني” نفسه. كيف ولماذا؟ لنتابع معاً.

The_Selfish_Gene3
أتى كتاب The Selfish Gene أو الجين الأناني لعالم الأحياء التطوري الشهير ريتشارد دوكينغز Richard Dawkings عام 1976 كنقلة نوعية في عالم علم الأحياء عموماً وفي مجال نشر الكتب العلمية الموجهة للعموم على نحو خاص. يطرح الكتاب فكرة كانت نوعية جداً في ذلك الوقت وهي وضع الجين Gene كمركز الاهتمام المحوري في عملية التطور وكيف تؤثر خاصية “الأنانية Selfishness” على وجه التحديد في تفسير التطور ضمن طيف الأحياء الواسع على كوكب الأرض.
علي توضيح بعض الأمور الحساسة هنا. فعلى لسان دوكنز نفسه، قرأ كثيرون الكتاب من عنوانه فقط وتم استغلاله سياسياً من اليمين واليسار المتطرف. الكتاب – وبغض النظر عن الشهرة الجامحة له ولكاتبه – يبقى قائماً على وجهة نظره ومشاهداته هو وهناك الكثير من النقاش والأفكار حولها. البعض ينتقدها بحدة والبعض الآخر لايزال يناقش وحدة الاصطفاء الطبيعي في التطور نفسه والنظرة لها. عمل دوكينز نفسه على مجموعة من الأفلام الوثائقية ضمن سلسلة Horizon على BBC لتوضيح موقفه والطريقة التي بنى فيها أفكاره للكتاب، في محاولة للحد من الاستغلال السياسي لكتابه الذي تماشى مع السياسة الداخلية في بريطانيا تلك الفترة.
من جهة أخرى لايمكننا استخدام الكتاب لاستخدام الظواهر التي يتحدث عنها ونشرحها بشكل اجتماعي. كلمات اجتماعية كثيرة ستمر في الكتاب مثل “الإيثار Alturism” وغيرها تفسر بشكل مختلف كلياً في عالم الجينات والانتقاء الطبيعي عن العرف الاجتماعي لنا كبشر. من المهم جداً التفريق بين المفهومين وعدم المقارنة بينهما.
إليكم الآن، تلخيصاً لبعض أهم المفاهيم المطروحة في الكتابة وعلاقتها بعلم الأحياء. الكتاب مبني طبعاً على كثير من المراقبات البيولوجية للعديد من الأحياء الموجودة في الطبيعة. من المهم جداً أن نتجرد من مفاهيمنا المسبقة عن المجتمع كما نعرفه كبشر ونفكر بمجموعة من الجينات ذات الطبيعة الكيميائية البحتة والمادية لأبعد المستويات. على هذه الأسس، يمكننا اكتشاف عبقرية دوكينز في هذا الطرح وتفسيره للطبيعة.
يبدأ الكتاب بشرح الكثير من المفاهيم التي تتحدث عن الأنانية من عدة جوانب كالأخلاقية وغيرها ويصل لاقتراح مفاده أن الجين يتصرف بشكل أناني “حرفياً”، حيث يحاول الجين جاهداً البقاء والاستمرار بناء على حساب الجينات الأخرى حوله والتي تتنافس معه على نفس الأمر. طبعاً، لايمتلك الجين وعياً حول أداءه الأناني هذا ولايمكننا إعطاء صفة الأنانية إلا على “تصرف” هذا الجين ومايقوم به.
يأتي هذا التشابه أيضاً طبعاً مع عملية تطور الأحياء نفسها. ففي الوقت التي تبدو فيه العملية هادفة نحو إنشاء وتقديم كائنات حية قادرة على التكيف مع بيئات وظروف معينة، لايمكن وصف أن العملية هذه أتت من وعي الكائنات أو محاولتها القيام بهذا بالشكل الحرفي.

الآن ولفهم السبب الذي تبدو عليه الجينات “أنانية”، علينا أن نفحص وندقق في البيئات التي تتواجد فيها. بمعنى آخر، علينا أن نفهم تركيب هذه الجينات وطبيعتها البيولوجية.

تأتي الجينات ضمن حزم تدعى الكروموزومات Chromosomes التي هي عبارة عن تركيبات كيميائية معقدة موجودة ضمن الخلايا التي تكون الكائنات الحية. تأتي الكروموزومات بشكل ثنائيات تختلف بين الحيوانات. يمتلك البشر مثلاً 23 زوج من الكروموزومات ( أي 46 كروموزوم بشكل كلي.) يمتلك كلا الكروموزومين في الزوج نفس البنية، فإذا كانت أحد الكروموزومات تحتوي على جين مسؤول عن لون العينين البني، سيمتلك الكروموزوم الآخر جيناً في المكان الآخر من نفس البنية. لكن ومع هذا، قد لايكون هذا الجين مسؤولاً عن لون العينين البني، قد يكون مسؤولاً عن اللون الأزرق مثلاً.

تدعى الأنواع المختلفة من الجين المسؤول عن أمر معين بالـ allels (أو الأليلات، مفرد: أليل.) هناك على سبيل المثال عدة أليلات للجين المسؤول عن لون العين.
وبسبب أن هذه الأليلات تحاول التموضع في نفس المكان ضمن الكروموزوم، تأتي أي فرصة نجاة لأي أليل وتحوله إلى أليل أناني، حيث أنها تخفف (أو تنهي حتى) فرصة البقاء للجينات الأخرى.

النمط الظاهري للجين يحدد بقاءه

الجينات ظاهرياً متشابهة كثيراً. كلها قطع من الـ DNA (الحمض الريبي النووي منقوص الأكسجين.) يأتي الاختلاف بين الجينات في المعلومات التي تشفرها.
لكن ماهو الـ DNA؟ الـ DNA هو عبارة عن سلسلة جزيئات طويلة مكونة من أربع أنواع من الجزيئات يرمز لها بـ A (أدونين) و T (الثيمين) و C (سيتوزين) و G (غوانين). الطريقة التي يتشكل بها الـ DNA تشبه تماماً فكرة الأبجدية. أبجدية اللغة تتألف من مجموعة أحرف تكون كل الكلمات في اللغة. هذه الجزيئات الأربع هي أبجدية الـ DNA. تأتي هذه المكونات الأربعة الأساسية وتدمج في تسلسلات مختلفة جداً لوصف كل صفات الكائن الحي.
تلعب هذه التسلسلات المرمزة أو المشفرة دور دليل التعليمات. فعندما تترجم، هي دليل عملي لكيفية بناء جسم الكائن الحي. اختلافات بسيطة في هذا الكود تترجم أثناء عملية البناء إلى أمور مثل أرجل أطول: وهي أفضلية جسم تسمح – مثلاً – للظبي بالهروب من الفهد أثناء المطاردة. هروب الظبي من الفهد نظراً لطول الأقدام يؤدي إلى نجاته. نتحدث هنا عن جين سمح للظبي بالحياة. الآن نسل هذا الظبي سيحمل نفس الجين المسؤول عن طول الأقدام. نجى الجين هنا عبر تأثيره على جسم الظبي.
يدعى تأثير الجين هذا على الجسد بالـ phenotype أو النمط الظاهري.
لكن، تأثيرات الجينات غير مقتصرة دائماً على الجسد الذي تنتمي له. لاتمتلك جينات الفيروسات أجساداً مثلاً. يؤثر الكود الخاص بجيناتها على خلايا الجسد الذي تؤثر به (أو تتطفل عليه.) قد تسبب مثلاً العطاس، الذي يساعد بدوره على انتشارها وبالتالي بقاء هذه الجينات لتنتقل إلى مضيف آخر.

يعتمد بقاء الجين على بيئته

لنبدأ بحقيقة منطقية هنا. التمويه الذي يعتمده النمر مثلاً لن ينفع أبداً مع الدب القطبي، فالبيئة مختلفة. الجين المسؤول عن التمويه في النمر سيمتلك فرصاً قليلة جداً للبقاء على دب قطبي في بيئة جليدية.
لكن في نفس الوقت، الجينات لاتتأثر فقط بالبيئة الفيزيائية المحيطة بها بل بالجينات الأخرى حولها أيضاً. تنتمي جميع الأليلات (أو الاختلافات الجينية من نفس النوع) لأي نوع حيوي لنفس الحوض الجيني Gene Pool. يتضمن هذا الجينات المتخصصة بميزة ما في نوع حيوي معين، كالجينات المسؤولة عن نمو الأجنحة أو الأسنان المتخصصة بتقطيع اللحم (الأنياب)، والجينات المشتركة التي تمتلكها أنواع حيوية مختلفة في نفس الوقت.
يعتمد بقاء أو فشل جين ما – بغض النظر عن أهميته – بشكل كبير على الجينات الأخرى التي تشاركه الحوض الجيني نفسه. فمثلاً عندما يأتي جين مسؤول عن الأنياب ضمن الحوض الجيني الخاص بالحيوانات العاشبة، ستكون فرصة نجاته قليلة جداً نظراً لأن الحوض الجيني هنا يفتقر لجينات أخرى مسؤولة عن تفضيل اللحوم كغذاء، كالجينات المسؤولة عن هضمها مثلاً.
الآن وعلى مستوى فردي، يأتي التكاثر الجنسي كعملية تضمن المزج الدائم بين الجينات، بحيث ينتهي أي عنصر مفرد من أي نوع بمجموعة خاصة من الأليلات. تقدم بعض مجموعات الأليلات أفضليات أكثر من غيرها. لنقارن مثلاً بين نوعي طيور أحدها يمتلك أليلات مسؤولة عن زيادة باع الجناح (المسافة بينهما) وآخر يمتلك أليلات تسبب ازدياداً في طول ريش الذيل. سيكون الطير الذي يمتلك المجموعتين معاً قادراً على الطيران بشكل أفضل بينما سيكون الطير الذي يمتلك أحدهما أضعف في هذه العملية. في هذه الحالة، كل مجموعة من الأليلات ستكون ناجحة فقط في حال وجود المجموعة الأخرى.

الكائنات الحية هي آلات مبنية عبر مجموعة من الجينات المتعاونة فقط لكونها تتشارك آلية التكاثر

يؤثر الجين في صفات الكائن الذي ينتمي له كالسرعة أو القوة مثلاً ، وعندما تكون هذه الصفات مساهمة في حياة الكائن بشكل أفضل سينتج الكائن نسلاً يحمل هذا الجين على الغالب. بهذا، يتابع الجين نجاته من جيل إلى جيل.
لكن طبعاً لايمكن لجين واحد أن يبني كائناً حياً. يتطلب الأمر عشرات الآلاف من الجينات التي تعمل كلها مع بعض لبناء شيء بتعقيد الجسم البشري. لكن إن كانت الجينات أنانية بشكل أساسي، كيف يمكن أن نفسر تعاونها وكيف يمكن أن تتعاون أصلاً؟
الإجابة هنا أن الجينات التي تتواجد ضمن كائن واحد تمتلك آلية تكاثر واحدة، يعني هذا أنها تمتلك هدفاً واحداً. جميعها تحاول زيادة معدل الإنتاج والبقاء لنطاف أو بيوض هذا الكائن. وبنفس الطريقة، ومع أن متطفل مثل الدودة الشريطية تعيش ضمن جسم المضيف، لاتتعاون جينات الدودة الشريطية مع جينات المضيف لأنهما لايتشاركان نفس آلية التكاثر.
يقدم تعاون الجينات نفسها حقيقة ككائن متكامل: مجموع أنماطها الظاهرية. تبني الجينات عملياً آلة – الجسم أو الكائن- حول نفسها، ثم يتكاثر هذا الكائن حاملاً نسخ من نفس الجينات مساعداً على نجاتها.
من المهم ملاحظة أمر هنا. فمع العلم أن الجينات ضمن كائن ما تتعاون لضمان بقاء الكائن ونجاتها بالنتيجة، علينا أن لانتوقع هذا بين الكائنات. لاتتعاون الكائنات ضمن مجموعة واحدة بالضرورة بسبب أن جيناتها لاتتشارك طريق تكاثري واحد. بدلاً عن هذا، يحاول كل كائن العمل باتجاه التكاثر الخاص ببيوضه أو نطافه بناء على تعليمات من جيناته. بهذا يتصرف الكائن بشكل أناني نوعاً ما تجاه أفراد أخرى في المجموعة. هذه ليست قاعدة عامة، خصوصاً عندما سيتحدث الكتاب لاحقاً عن ظاهرة الإيثار alturism.

تبرمج الجينات الأدمغة التي تبنيها باستراتيجيات سلوكية تساعدها على البقاء

سيتطلب الأمر أجيالاً لكي تثبت أنماط جين ظاهرية معينة – مثل الأقدام الطويلة – تفوقها على أخرى. سيتطلب الأمر من الأجسام التي تبنيها الجينات أن تكون قادرة على التفاعل بشكل سريع مع أي محفز أو مثير بيئوي – كالأكل عند الجوع أو القتال أو الهرب بسرعة. لضمان هذا تقوم الجينات ببناء أدمغة تسمح للكائنات الرد على التغيرات السريعة في البيئة المحيطة بها. تسمى هذه التفاعلات “السلوك Behaviour.”
تقدم البيئة الطبيعية حقيقة عدداً غير محدود من الحالات التي سيجد الكائن نفسه فيها. هذا يعني أنه لايوجد أي طريقة يمكن للكائن فيها أن يحضر مجموعة من الردود لكل تحد طبيعي. بدلاً من هذا تحكم الردود السلوكية بمجموعة من القواعد. هذه القواعد مشفرة في الجينات بطريقة مشابهة لبرمجة الحواسب. مثال هذا أن يكون هناك قاعدتان مثلاً تحكمان بأن النكهة الحلوة لشيء ما كمافأة والحث على إعادة التصرفات التي أدت لهذه النكهة (المكافأة.)
المشكلة في برمجة كهذه أنها غير قادرة على التأقلم مع تغيرات محورية في البيئة. الانجذاب نحو النكهة الحلوة مثلاً كان أمراً مساعداً على البقاء للأجيال الأولى من الإنسان التي اعتمدت على الصيد والأكل من الطبيعة لكنها في نفس الوقت مسبباً للبدانة المفرطة في عالمنا المليء بالسعرات الحرارية.
الآن يمكن للكائنات الذكية أن تخفف من التأثير السلبي لقواعد برمجية قديمة مثل هذه عبر استراتيجيتين: التعلم والنمذجة. التعلم هو تجربة تصرف ما لمعرفة إن كان فكرة جيدة أصلاً، ثم تذكر النتيجة والتصرف بناء عليها. النمذجة من جهة أخرى هي محاولة تمثيل الفعل نفسه قبل القيام بها، يؤمن هذا ليس فقط توفر الجهد بل أيضاً هو وقاية من خطر التجربة المحتمل. مثال هذا امتلاك الكائنات التي تعرف مخاطر القفز من حافة الجبل أفضلية بقاء أكبر من تلك التي عليها تجربة هذا لمعرفة الأمر.

تؤدي المنافسة بين الاستراتيجيات هذه إلى نماذج سلوكية مستقرة بين تجمعات الأفراد Population

يتنافس الأفراد بين النوع الواحد بشكل مباشر مع بعضهم وراء الموارد، وهو الأمر الذي يتوقع أن يقود إلى مواجهات مباشرة في الأفراد. يتعامل الأفراد مع هذه المواجهات عبر استراتيجيات سلوكية مختلفة، تتنوع بين الهروب إلى القتال للموت.
وكأي مميزات للكائنات، يمكن للاستراتيجيات السلوكية أن تتنوع وسيكون بعضها أفضل لبقاءه أو بقاء الجين من غيرها. وبنفس الطريقة التي يحكم فيها على بقاء الجين من بيئته، سيكون نجاح الاستراتيجية السلوكية للكائن محكوماً بتصرف جميع الكائنات الأخرى حوله.
الآن وكمثال على هذا لنأخذ التجمع الخاص بالطيور أو الـ Population of Birds والذي يحكم بثلاث اتجاهات سلوكية للمواجهة:

  • الأول هو الحمام والذي يهرب عندما يتم الهجوم عليه.
  • الثاني هو الصقور والتي دائماً تهجم وتقاتل إلى أن تجرح إلى حد كبير.
  • الثالث هو الـ Retaliators والتي تتصرف كالحمام إلى أن يتم الهجوم عليها ثم تتصرف كالصقور.

عندما ندرس التجمع الخاص بالحمام، سيكون الصقر ناجحاً جداً عندما يهجم عليها لأنه لايوجد أي منها قادر على الرد. يؤدي هذا إلى تزايد الصقور في التعداد على حساب الحمام. لكن عندما يتزايد التعداد العام للصقور ليصبح مسيطراً ، سيعود تعداد الحمام للتزايد لأن الصقور غالباً ماتصاب وتموت في قتالاتها مع بعضها. يدلنا هذا على أن لااستراتيجية الحمام ولاالصقور مستقرة من المنظور التطوري، حيث أن التعداد الخاص بكل منها يمكن أن يغزى ببساطة من قبل الآخر.
لاتصاب لـ Retaliators من جهة أخرى عبر معارك غير ضرورية مثل الصقور، بل هي مستعدة للدفاع عن نفسها عند الحاجة (اختلافاً عن الحمائم.) هذا يعني أنه وفي تعداد هذه الحيوانات لايمكن لاللصقور ولاللحمائم أن تنتصر عليها. الاستراتيجية التطورية هنا مستقرة.

يفسر التوجه الأناني لبقاء الجينات النشاط الإيثاري الظاهر في الأحياء مثل عناية الأهل بالأولاد

كما تحدثنا سابقاً، يفسر تصرف الأحياء الأناني تجاه بعضها في مجموعة إلى طبيعة الجينات الأنانية وتحكمها في النشاط السلوكي. من جهة أخرى، هناك الكثير من النشاطات في الطبيعة التي تظهر “إيثارية alturistic”. يتجلى هذا بشكل كبير في الأحياء وأولادها مثل أن تدعي أم طائر أن جناحها مكسور وبالتالي ضعيفة لتجذب ثعلباً إليها بعيداً عن ابنها. يعرف الإيثار هنا بأنه التصرف بطريقة تقلل من فرص بقاء كائن ما، مقابل زيادة فرص نجاة الآخر.
الآن، ولتفسير التناقض هذا علينا أن نفهم هذا الموضوع بناء على أحد مميزات الجين الأساسية: تتواجد الجينات على شكل نسخ متعددة في أحياء مختلفة. هذا يعني أن الجينات تتحكم بالسلوك بحيث تستفيد من نسخ نفسها ضمن أحياء مختلفة، حتى ولو كان هذا على حساب جسمها في المضيف في بعض الأحيان. لكن هذا فقط محكوم بالنتيجة، يجب أن يؤدي هذا إلى فائدة بقاء أفضل للجين.
كيف يمكن للجين أن “يعرف” أن كائناً آخر يحمل نسخاً منه؟ لايعرف. الجينات ليست واعية وبالتالي لاتعرف كمايمكن أن نتخيل الأمر. لكن الأحياء المرتبطة بالنسل تتشارك نسخاً من هذه الجينات. هذا يعني أن الجينات التي تبرمج الأحياء لتساعد على بقاء نسلها أو الكائنات المرتبطة بها وتحصل على أفضلية بقاء، وهي بنفس الوقت أفضلية بقاء للجين نفسه.
وفعل “الإيثار” الجيني هذا أيضاً لايعني أن يرد بالمثل. صحيح أن الأهل والأبناء مرتبطين كثيراً مثلاً لكن الأهل يتصرفون عموماً بنسبة نشاط إيثاري أعلى بكثير من العكس. سبب هذا أنه ولضمان بقاء الجينات لمدة أكثر من جيل واحد، يجب أن يضمن الأهل بقاء أولادهم إلى سن الانجاب. أما بالنسبة للأولاد من جهة أخرى، بقاء أهلهم ونجاتهم أقل أهمية بكثير من أولادهم نفسهم. هذا مايفسر عم التماثل في ظاهرة الإيثار نفسها.

غالباً مايكون النشاط الإيثاري ناجحاً أكثر لأنه يفيد جينات المضيف أكثر من النشاط الأناني الصافي

عندما نحاول دراسة خصائص العلاقة بين الكائنات، من المفهم أن ندرس فكرة اللعبة الصفرية النتيجة أو zero-sum-game واللعبة غير صفرية النتيجة non-zero-sum-game. الآن المفهوم الأساسي للعبة الصفرية النتيجة أنه عندما يربح أحد الطرفين، على الآخر أن يخسر حتماً. ففي حالة الفهد والظبي، إما على الظبي أن يموت او يتضور الفهد جوعاً.
على العكس من هذا، تأتي اللعبة غير صفرية النتيجة لتقدم مفهوماً يتنافس فيه طرفا اللعبة للحصول على موارد من “بنك” ما مثلاً. يمكن للاعبين هنا القيام بكل شيء كطعن البعض في الظهر للحصول على نسبة أعلى من الموارد في البنك. هذا الأمر أيضاً مرتبط طبعاً بأمر هام، وهو مقدار التعاون الذي يمكن أن يقوم به الأطراف للتغلب على البنك نفسه.
في الطبيعة، تتنافس الأحياء للحصول على موارد. الآن ومع أن الحالة غالباً هي لعبة محصلتها الصفر، مثل حالة الظبي والفهد، هناك حالات أخرى يمكن أن يتعاون فيها الأحياء إما مع بني جنسهم أو مع أجناس أخرى.
فعلى سبيل المثال، “يحلب” النمل حشرات تدعى المن aphids للإفرازات الحلوة التي تنتجها. قد يبدو المن في موقع الضعف في هذه الحالة، لكن يستفيد المن حقيقة من الموضوع لوجود النمل المستعد للدفاع عنه ضد أي مهاجم. حتى أنه يمكن للنمل في بعض الأحيان أن يحمي حشرات المن الصغيرة جداً داخل الكثيب الخاص به. هذا الترتيب، بالنتيجة، يقدم فائدة للطرفين ويساعد في بقائهما معاً. النتيجة النهائية هي زيادة في معدل البقاء الذي هو بحد ذاته دافع أناني، لكن الطريق إليه هو إيثار من الطرفين.
الميم Meme: الوحدة الأساسية للتطور الثقافي البشري
تعتبر الثقافة من أحد أهم الصفات البشرية، تلك الأمور الحياتية الغير متربطة مباشرة بالبقاء أو الغريزية. اللغة أو الثياب أو نوع الغذاء الذي نأكل أو حفلات الموسيقى أو الفن. طبعاً مع أن الصفات النفسية الإنسانية الأساسية واهتمامات البشر عموماً يمكن أن تربط بالنشاط الإيثاري المشترك والمساعدة على بقاء النسب، لايمكن أن نقول أن هذا الربط كاف لتفسير أمر معقد ومتنوع مثل الثقافة Culture.
بدلاً من هذا يمكننا اعتبار الثقافة كتجمع من الجينات Gene Pool، مع وحدات أساسية للتطور الثقافي (تشبه الجينات العضوية) نسمي مفردها meme. الميم meme هي أصغر مكون ثقافي مع احتمالية خلود، كالفكرة مثلاً أو ربما مقطع يوتيوب لقطة ترقص. تنتقل الميم عبر طرق التواصل البشري كالكلام والكتابة والإنترنت.
وكالجينات، تتنافس الميمات مع بعضها. بعضها متناقض تماماً مع الآخر. أفكار مثال نظرية التطور والخلق المباشر مثلاً. تتنافس الأفكار مباشرة للاهتمام البشري وللذاكرة، تماماً مثلما تتنافس الجينات لتشكيل كائنات حية معقدة. الميمات يمكن أن تكون أيضاً كائنات “ثقافية” معقدة مثلاً. الكنيسة الكاثوليكية مثلاً هي مجموعة من الأفكار، الطقوس، الثياب والعمارة. كلها تدور حول فكرة إله كلي السلطة.
فصل الثقافة عن علم الأحياء يساعد على فهم بعض التعابير البشرية الأكثر غرابة، كالتبتل مثلاً، وهو الأمر الذي يأتي كأمر معاكس لمتطلبات حيوية في الجسم. لو كان للثقافة نظامها التطوري الخاص وبأدوات الاستنساخ الخاصة بها لكان أمر بقائها مقتصراً فقط على النظام نفسه. هي ليست متؤثرة بالضرورة بعوامل خارج تجمع الميمز Meme Pool مثل البقاء البيولوجي. وتماماً كما الحالة مع مقابلها من الجينات، يعتمد نجاح الميمز على على بيئتها – مثل إمكانية استنتاجنا بأن الإنترنت هي وسط مساعد على بقاء مقاطع الفيديو الخاصة بالقطط الراقصة.

خلاصة القول هنا أن الثقافة البشرية هي أمر خاضع للتطور أيضاً، ووحدته الأساسية هي الميم Meme.

يمكن لقدرة الوعي البشري على التبصر أن تساعد على التخلص من الجانب السلبي لأنانية الجين البيولوجي

تظهر نماذج الاستراتيجيات السلوكية أن المجموعات السكانية Populations تميل إلى العمل على التوازن أو الاستقرار. يتم ذلك عبر أداء سلوكي إيثاري متشارك بينهم يميل إلى إعطاء نتائج إيجابية حتى لو علمنا أن كل فرد مدفوع بمصلحة بقاء جيناته.
لكن وفي بعض الأحيان، يبدو أن الحل الأفضل للجميع يقضي بالتخلي عن المصلحة الآنية لبقاء الجينات. لنتابع مثلاً تجمعاً سكانياً يتألف من نوعين مختلفين في استراتيجيات المواجهة: الصقور، والتي تهجم دائماً خلال المواجهة وتصارع على الموت أو الإصابة الخطيرة; والحمائم، التي تهرب عندما يتم الهجوم عليها. ستفوز الصقور دائماً عند هجومها على الحمائم المنفردة. المشكلة هنا أن تأثير الموضوع سلبي على الصقور على المدى الطويل، نتيجة للإصابات التي تبقى معها من مواجهة صقور أخرى. الحل المفيد لجميع الأفراد هنا هو “خطة الحمائم السرية Conspiracy of Doves”، حيث يتفق جميع الأفراد على أن يكونوا حمائماً متخلين عن النتائج القريبة المدى من التصرف كصقور وبالتالي الحصول على النتائج بعيدة المدى من العيش بسلام وتفادي الإصابات الخطيرة او الموت.
طبعاً، لاتمتلك الجينات وعياً ولاقدرة على التبصر. لذلك، لن تشارك بالتأكيد في الخطة السرية هذه حتى لوكان الأمر لصالحها في النهاية.
لكن وفي حالة البشر -الذين يمتلكون القدرة على التبصر الواعي- تأتي الثقافة (التي علينا أن نفكر بها كميمز هنا) وقد أبعدت نفسها بشكل كامل عن الإلزامية البيولوجية. قد لانكون إيثاريين في جوهر جيناتنا، لكن يمكننا استخدام قدرتنا على التبصر للتغلب على الأنانية ونصل في النهاية إلى الخطة السرية للحمائم والعيش بسلام ضماناً لمستقبلنا. قد نكون قادرين حتى على خلق نوع جديد من الإيثار الذي لايوجد أصلاً في الطبيعة.

آراء وانتقادات

لابد طبعاً من ذكر أهم انتقادات الكتاب، والتي قامت ويكيبيديا بسرد تاريخي جيد لها. لعل أهم الافكار المطروحة يدور حول فكرة “الاصطفاء الطبيعي Natural Selection”وتفاصيله، حيث انتقد بعض علماء الأحياء فكرة وصف الجين كوحدة اصطفاء للأحياء بل يرون أنها أفضل كوحدة تطور على اعتبار أن الاصطفاء نفسه هو عملية آنية نوعاً ما مقارنة بالتطور. حيث يقوم التطور على تغيير معدل تكرار الأليل نفسه على المدى الطويل.
هناك أيضاً انتقادات أخلاقية للفكرة نفسها. أمر عبرت عنه الفيلسوفة ماري ميدجيلي Mary Midgley في كتابها “التطور كديانة Evolution as a Religion” الذي تناقش فيه أموراً أبعد من الأفكار البيولوجية التي يطرحها ريتشارد. مثال هذا الفكرة التي يطرحها ريتشارد في نهاية الكتاب عن أن البشر وصلوا إلى مرحلة اكتساب القوة على حساب “الناسخات الأنانية”. فكرة ماري هي أن قوة البشر التي تميزهم عن غيرهم من الحيوانات هو قدرتهم على إعادة بناء الطبيعة حولهم عبر أدوات مثل “المجتمع” و “الثقافة” وترى أن شروح ريتشارد عن الموضوع الخاص بأنانية الطيبعة في كتابه على أنه نوع من التبرير العقائدي لهذا النوع من التصرفات في المجتمعات الحديثة وأن تفسيرات ريتشارد القائمة على أنانية الجين كقوة دافعة في الطبيعة ذات نتائج كارثية على المجتمع البشري.
على أية حال ريتشارد نفسه يعارض تماماً هذه الفكرة ويقول أنه ومع العلم أن هذه الملاحظات البيولوجية قائمة بشكل أساسي على الدليل العلمي والتجربة لكنها ليست مقياساً أبداً أو دليلاً لطريقة عمل المجتمع.
انشهر الكتاب بشكل كبير جداً عند طرحه وترجم لحوالي 25 لغة. يجد مؤيدوا الكتاب فيه فكرة جوهرية في التركيز على الجين كوحدة اصطفاء، وبالتالي تكملة وتوسيع فهم التطور كما وصفه تشارلز داروين قبل فهم عمل الجينات بشكل دقيق (ظهر الكتاب عام 1976). من جهة أخرى يعاني الكتاب من مشكلة وفقاً لعلماء الأحياء في تبسيطه المبالغ للعلاقة بين الجينات والكائن الحي نفسه. يصف العالم آلان غرافن Alan Grafen علاقة علماء الأحياء الرياضيين Mathematical Biologists بالكتاب بأنها صعبة في أفضل الحالات، ذلك لاعتماد الكتاب على علم الجينات الماندلي (نسبة للعالم ماندل)
يقبل العديد من علماء الأحياء المختصين بالتطور الفكرة التي يطرحها ريتشارد بحد ذاتها متناسبة مع عمليات التطور. الاختلاف من جهة أخرى قائم على الجين كوحدة كما ذكرت سابقاً. جوهر الاختلاف نفسه ليس قائماً على التفاصيل الدقيقة والملاحظات التي يذكرها ريتشارد بل على النظرة العمومية للعملية الاصطفائية التطورية في الحيوانات بشكل عام.
يجمع كتاب آلان جرافن ومارد ريدلي: ريتشارد دوكينز، عالم غير أفكارنا (المترجم للعربية) Richard Dawkings- How a Scientist Changed the Way We Think مجموعة من المقالات العديدة والأفكار التي تناقش موضوع دوكينز وطرحه الجريئ والثوري لفهم فلسفي وجيني أكبر لرؤية داروينز لمفهوم الاصطفاء الطبيعي أو Natural Selection. الكتاب مرجع مميز للتوسع في الأفكار التي يطرحها ريتشارد وعلاقتها بالتطور عموماً.