مقال لـلباحثة  تالي شاروت Tali Sharot، مديرة مختبر Affective Brain Lab لأبحاث الدماغ وأستاذة مشاركة لعلم الأعصاب الإدراكي في جامعة University College London. مترجم من مجلة Aeon للعلوم.

نتخذ بعض القرارات المصيرية في حياتنا عندما نكون تحت الضغط ومتوترين، بداية من القرارات الصحية ومروراً بالعمل والقرارات المالية. كثيراً مايكون علينا التفكير ودراسة الوضع الذي أمامنا تحت ظروف عصيبة.

لنأخذ على سبيل المثال الأزواج الذين ينتظرون مولوداً. حيث يكون عليهم اتخاذ سلسلة من الاختيارات المهمة خلال فترة الحمل والولادة، وسيشعر الكثير منهم بالتوتر. هل نصبح أفضل أم أسوأ عندما ندرس خياراتنا لاتخاذ القرارات في مثل هذه الظروف؟

قمنا أنا وزميلي (نيل جاريت) بزيارة محطات الإطفاء في ولاية كولورادو للبحث في كيف يعمل العقل البشري عندما يكون تحت ضغط كبير.

تختلف أيام العمل عند رجال الإطفاء كثيراً، ففي بعض الأيام ينعمون بالراحة ويكونون في غاية الاسترخاء حيث يقضون بعض الوقت في غسل الشاحنات، وتنظيف المعدات، وإعداد وجبات الطعام والقراءة. بينما تكون أيام أخرى عصيبة، يواجهون فيها الكثير من الحوادث المهددة للحياة. يهرعون إلى المنازل المشتعلة لإنقاذ السكان العالقين، ويساعدون فرق الطوارئ الطبية. هذا الاختلاف الكبير في أيام عمل رجال الإطفاء يمثل النموذج المثالي لتجربتنا حول تغير قدرة الإنسان على التصرف عندما يكون تحت الضغط.

وجدنا أن التهديد المحدق يثير ردة فعل تجعل رجال الإطفاء يتصرفون بشكل أفضل.

سألنا رجال الإطفاء عن تقدير احتمال مواجهتهم لـ 40 حادثاً سيئاً في حياتهم (مثل أن يكونوا في حادث اصطدام سيارة، أو أن يقعوا ضحية للاحتيال، أو أي من الأحداث السيئة). بعد ذلك نخبرهم إما “أخبار جيدة” وهي أن احتمالية مواجهتهم لمثل هذه الحوادث أقل مما كانوا يتوقعون ، أو “أخبار سيئة” وهي أن الاحتمال أكبر مما توقعوا (فنطلب منهم أن يعيدوا التقدير).

أظهرت الدراسات أنه عادة ما يكون الناس متفائلون، حيث يتجاهلون الأخبار السيئة ويتقبلون الأخبار الجيدة بكل سرور. هذا ما يحدث عندما يكون رجال الإطفاء مسترخين، ولكن عندما يكونون تحت ضغط، فإن الأمر يختلف. ففي حالات الضغط هذه يفرطون في الحذر والانتباه لأي أخبار سيئة نعطيها لهم، حتى وإن لم تكن لهذه الأخبار أي علاقة بعملهم (مثل أن احتمال وقوعهم ضحية للاحتيال أكبر مما كانوا يتوقعون)، فيغيرون رأيهم استجابة لذلك. في المقابل فإن الضغط لم يغير طريقة استجابتهم للأخبار الجيدة (كمعرفة أن احتمال وقوعهم ضحية للاحتيال أقل مما توقعوا)

لاحظنا نفس الشيء على طلاب الجامعة الذين طُلب منهم على نحو مفاجئ تقديم كلمة أمام جمهور، وأنه سيتم تقييم كلمتهم هذه من قبل لجنة، كما سيتم تسجيلها ونشرها على الانترنت. بالتأكيد لقد زادت مستويات هرمون الكورتيزول لديهم، وارتفع معدل نبضات القلب. وفجأة أصبحوا أفضل في معالجة معلومات مقلقة ليست لها علاقة بمعدلات الأمراض والعنف (موضوع الكلمة التي سيقدمونها)

الصورة لـ Randy Robertson/Flick

عندما تمر بأحداث عصيبة – سواء كانت هذه الأحداث شخصية (كانتظار نتيجة تشخيص طبي)، أو عامة (اضطراب سياسي) – فإنك ستواجه تغييرات نفسية تجعلك تفهم أي نوع من التحذيرات، كما ستركز اهتمامك على ماذا قد يحدث بصورة خاطئة.

أُجريت دراسة استخدم فيها التصوير الدماغي لفحص النشاط العصبي للإنسان تحت الضغط. كشفت هذه الدراسة أن هذا “التحول” متعلق بالتعزيز المفاجئ لإشارة عصبية مهمة للمعرفة (تعرف بـ خطأ التنبؤ)، رداً على علامات الخطر غير المتوقعة (مثل الوجوه التي تعبر عن الخوف) على وجه التحديد. تعتمد هذه الإشارة على ناقل عصبي موجود بالدماغ يدعى دوبامين. وفي حالات الإجهاد يتم تبديل دور الدوبامين بمركب آخر يسمى (عامل إفراز هرمون قشر الكظر corticotropin-releasing factor)

قد تكون هذه الهندسة العصبية هي التي ساعدت القدماء على البقاء. فعندما وجد أسلافنا أنفسهم في موطن مليء بالحيوانات الجائعة، استفادوا من القدرة الكبيرة على معرفة المخاطر في تفادي الحيوانات المفترسة.
على كل حال، إذا كانت البيئة آمنة فإنه من الإسراف أن تكون في حالة تأهب دائم. يمكن لقدر محدد من التجاهل أن يُبقي عقلك مرتاحاً. لذا فإن “المفتاح العصبي” الذي يقوم تلقائياً بزيادة أو نقص قدرتك على التعامل مع التحذيرات – على حسب التغييرات في بيئتك- قد يكون مفيداً. في الواقع، يبدو أن الناس الذين يعانون من الاكتئاب والقلق غير قادرين على الابتعاد عن حالة امتصاص كل المؤشرات السلبية التي حولهم.
من المهم إدراك أن الضغط العصبي ينتقل بسرعة من شخص إلى آخر. إذا كان زميلك في العمل متوتراً، فإن المرجح جداً أنك ستشعر بالتوتر أيضاً. عقولنا مصممة لنقل الانفعالات بسرعة من شخص لآخر، وذلك لأنها كثيراً ما تحمل معلومات مهمة.

تدرس ويندي بيري مينديز Wendy Berry Mendes وهي أستاذة جامعية في جامعة كاليفورنيا الانفعالات والأحاسيس. وجدت هي وزملائها أنه عندما تحمل الأم -التي مرت للتو بحدث سبب لها التوتر- بطفلها الرضيع، فإن معدل نبض الرضيع يرتفع أيضاً.

ليس بالضرورة أن تكون مع شخص ما في نفس الغرفة ليتأثر سلوكك بانفعالاته وأحاسيسه. أثبتت الدراسات أنه إذا ما تابعت المواضيع الإيجابية على شبكات التواصل الاجتماعي (مثل صور الغروب وغيرها من الصور الجميلة)، فسيزيد احتمال مشاركتك أيضاً في نشر مثل هذه الأشياء الجميلة والإيجابية. وفي المقابل، إذا شاهدت منشورات سلبية (مثل الاحتجاج على الصفوف الطويلة في المقاهي)، فإنك ستقوم أيضاً بكتابة منشورات سلبية.

بطريقة أو بأخرى، يعيش الكثير منا حياتهم كما لو كانوا في خطر حقيقي- مثل رجال الإطفاء على أتم الاستعداد- دائماً على أهبة الاستعداد لإطفاء نيران طلبات البريد الإلكتروني والرسائل النصية، والاستجابة لتنبيهات الأخبار ومنشورات شبكات التواصل الاجتماعي.

أظهر استبيان أجرته الجمعية الفسيولوجية الأمريكية American Psychological Association أن تفقد الهاتف باستمرار مرتبط بالتوتر. بعبارات أخرى: ردود الأفعال الفسيولوجية المبرمجة مسبقاً – والتي أمدنا بها التطور لمساعدتنا في تجنب الحيوانات المفترسة – أصبحت تثار الآن بتغريدة على تويتر أو رسالة واتساب. أيضاً أظهرت دراسة أن كتابة التغريدات على موقع تويتر يرفع معدل نبضك، ويجعلك تقلق، ويوسع بؤبؤ العين أكثر من معظم النشاطات اليومية الأخرى.

حقيقة أن التوتر يزيد احتمالية تركيزنا على الرسائل المزعجة، بجانب حقيقة أن التوتر ينتشر كـ التسونامي، تظهر أنه من الممكن أن يخلق هذا التوتر حالات خوف جماعي غير مبررة. هذا بسبب أنه بعد وقوع حدث عصيب عام (كهجوم إرهابي أو اضطراب سياسي) فإنه في الغالب ما تتبع هذه الأحداث موجة من المعلومات المزعجة والمرعبة في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، والتي يتلقاها الأفراد، مما قد يضخم الأخطار الواقعة.

عند وقوع أحداث كالهجمات الإرهابية أو هبوط الأسواق المالية، يتم تحفيز التوتر وينتشر من شخص لآخر، مما سيزيد احتمالية تلقي الناس لتقارير سلبية تؤدي بدورها لزيادة هذا التوتر بصورة أكبر. ونتيجة لذلك يتم إلغاء الرحلات الجوية حتى إذا كان الهجوم الإرهابي بعيداً للغاية، ويتم بيع الأسهم حتى إذا كان الاحتفاظ بها هو خيار الأفضل.

على كل حال فإن الأخبار الجيدة هي أن المشاعر الإيجابية كالأمل معدية أيضاً، وفعالة في حث الناس على البحث عن حلول.

الوعي بالعلاقة الوثيقة بين حالة الناس العاطفية والطريقة التي يعالجون بها المعلومات، يمكن أن يساعدنا في تشكيل وصياغة رسائلنا بصورة أكثر فعالية.


Aeon counter – do not remove

لايوجد المزيد من المقالات