عن الحياة أثناء الموت: جهود الطب أمام الحالة الخضرية الدائمة

تعرف الحالة الخضرية الدائمة بأنها اضطراب في الوعي يكون فيه المرضى المصابون بأضرار خطيرة في المخ في حالة تهيج جزئي بدلاً من كونهم في حالة وعي حقيقي. وتختلف عن الغيبوبة Coma كونها قد يوجد فيها اليقظة والنوم، والاحساس، والمشاعر، والتعبير، وفتح العينين ، والكلام غير المفهوم او الصراخ. (ويكيبيديا)

في أحد المقالات المثيرة للعواطف، ينقل روجر هايفيلد Roger Highfeld من مجلة موزايك للعلوم Mosaic Science وبالتفصيل عمايمر به المرضى وجهود الأطباء والعلماء لاستعادة الدماغ من هذه الحالة. قمنا في هايبرستيج بتلخيص أهم النقاط الواردة فيه وتقديمها لكم.

هناك الآلاف من الناس العالقين بين الحياة والموت. وهناك ثلاثة من العلماء الذين يعملون حاليّاً على تحرير هؤلاء العالقين من الصندوق الذي يعيشون فيه.

يقول أدريان أوين Adrian Own وهو طبيب بريطاني مقيم في كندا يبحث في الحالة الخضرية الدائمة: تخيل أن تستيقظ حبيساَ في صندوق. هذا الصندوق كبير كفاية ليتسع لجسدك لكنّه صغير إلى حدّ يمنعك من التحرّك.

الصندوق ضيق جدّاً  بحيث يطوّق كلّ  أصبع من أصابعك بشكل كامل، يمكنك أن تستمع إلى كلّ  مايجري من حولك، لكنّ صوتك غير مسموع. في الواقع فإنّ  هذا الصندوق يطبق على كلّ  خليّة في وجهك وشفتيك فلا يمكنك أن تنطق أو تصدر أيّ صوت. وعلى الرغم من قدرتك على رؤية كلّ  ماحولك فإنّ  العالم ضرير لا يستطيع أن يرى مايجري في داخلك.

يكون الأشخاص الذين يمرون في “الحالة الخضرية الدائمة Vegitative State” صاحين بشكل كامل لكنهم غير مدركين للعالم من حولهم. يمكن للمرضى المصابين بهذه الحالة أن يفتحوا أعينهم وحتّى أن يحرّكوها أحياناً. يمكنهم أن يبتسموا، يمسكوا بيد شخص آخر، أن يبكوا، أو أن يتأوّهوا. لكنّهم لا يستطيعون فهم الكلام الموجّه إليهم.

وحركتهم ليست وظيفيّة وإنما انعكاسيّة. يبدون وكأنّهم أضاعوا ذكرياتهم، مشاعرهم ونواياهم، وكلّ الميّزات التي تجعل من كلّ  منا فرداً مميزاً عن غيره. وحتّى الآن وحين ترفّ  أجفانهم فلا يزال التساؤل موجوداً عما إذا كان هناك حركة واحدة تنمّ  عن إدراك. كانت الإجابة عن هذا السؤال بالنفي حتى عقد مضى من الزمن. ولكن ليس الآن بعد أن عزم الطبيب أوين على إجراء الأبحاث والدراسات المتصلة بهذه الحالة.

وجد أوين باستخدام ماسحات الدماغ أن بعض الناس قد يكونون عالقين داخل أجسادهم ولكنهم وعلى الرغم من ذلك قادرون على التفكير والإحساس إلى حد ما. انحسرت أعداد المرضى الذين يعانون اضرابات إدراكية في العقد الماضي، وذلك بسبب ازدياد تقنيات العناية والرعاية الصحية . لقد تحسن الأطباء في إنقاذ ومعالجة المرضى الذين يعانون إصابات خطيرة، ولكن لا زال من الأسهل عليهم إعادة إنعاش قلب المريض على إعادة إنعاش دماغه

اليوم، تقطن الأدمغة المتضررة والعالقة في هذه الحالة آلاف المشافي ومراكز الرعاية الصحيّة حول العالم ــ ففي أوروبا وحدها يقدّر عدد حالات الغيبوبة المسجّلة حديثاً فقط حوالي 230 ألف حالة سنويّاً، و30 ألفاً منها تناهت لتتحوّل إلى حالة نوم عميق. يعرف أوين المعنى الحقيقيّ لهذه الحالة على اعتبار أن إحدى صديقاته هي واحد من أسيرات هذه الحالة

انطلقت آن في صبيحة أحد أيام عام 1997 إلى عملها كالعادة، كان لآن بقعة ضعيفة في أحد الأوعية الدموية في رأسها، وتعرف هذه البقعة باسم تمدد الأوعية الدموية في الدماغ.بعد خمس دقائق على بداية رحلتها انتابت آن نوبة في تلك البقعة واصطدمت بشجرة ومنذ حينها لم تستعد إدراكها. تركت هذه الكارثة أوين يائساً، وعلى الرغم من ذلك فقد غير الحادث الذي تعرضت له آن حياته بالكامل.

بدأ أوين يتساءل عما إذا كانت هناك طريقة لتحديد أي من المرضى في هذه الحالة يعاني غيبوبة دون إدراك، وأيّهم يملك إدراكاً وأيهم عالق مابين الحالتين. انتقل أوين في ذلك العام إلى لجنة في مجلس البحوث الطبية والعلوم الدماغية في جامعة كامبردج Medical Research Council’s Cognition and Brain Sciences Unit ، حيث استخدم الباحثون تقنيات متعددة في المسح. من بين هذه التقنيات كانت Positron Emission tomography PET والتي تكشف عن عدّة عمليّات استقلابيّة في الدماغ كاستهلاك الأكسجين والسكر. طريقة أخرى تحمل اسم functional magnetic resonance imaging fMRI يمكنها أن تكشف عن المراكز الفعّالة في الدماغ عن طريق الكشف عن الاندفاعات الصغيرة في تدفق الدم أثناء الطنين الذي تسببه.

تساءل أوين عما إذا كان قادرا على استخدام هذه التقنيات ليتعمق أكثر في حالة مرضاه، كصديقته آن، العالقة بين الحس والنسيان. لو توقّف قلبك عن النبض منذ خمسين عاماً لأعلنت ميتاً على الفور على الرغم من أنّك قد تكون واعياً عند إرسالك إلى المشرحة.

مامعنى كلمة “ميت”؟ وعلى عاتق من تقع مسؤوليّة إعلان أحد الأشخاص ميتاً أم لا؟ تكمن المشكلة في أن تعريف العلم للموت يبقى مبهماً بنفس الدرجة التي يبقى عندها تعريف “الإدراك” مبهماً أيضاً. يسبب مصطلح “موت سريريّ” الكثيرمن الخلط والارتباك في الوسط العلميّ.

يقول أوين أنه ولتكون على قيد الحياة لا يكفي أن يكون لديك قلب يخفق. بلغت الأبحاث قمة الريادة في فهم وتصنيف الاضطرابات المتعلقة بالإدراك في ستينات القرن الماضي. وكان الأبرز في ذلك البروفسور في علم الأعصاب Fred Plum في نيويورك وجراح الأعصاب Bryan Jennett في غلاسغو.

دخلت Kate Bainbridge وهي مدرّسة في السادس والعشرين من العمر في غيبوبة بعد مررها بمرض يشبه الحمّى لمدّة ثلاثة أيّام. التهب دماغها ومن بين المناطق الملتهبة المنطقة الرئيسيّة الواقعة فوق الحبل الشوكي للعمود الفقريّ، وهي المخيخ والذي يتحكّم بدور النوم. استفاقت كيت من الغيبوبة بعد تشخيص إصابتها بعدة أسابيع بالحالة الخضرية Vegetative State. لحسن الحظ، فإنّ  طبيب العناية المركّزة المسؤول عنها واسمه ديفيد مينون David Menon كان مسؤولاً أيضاً عن قسم التحقيق في مركز وولفسون للتصوير الدماغيّ Wolfson Brain Imaging Centre في جامعة كامبريدج، حيث عمل أوين لاحقاً.

تساءل مينون Menon عما إذا كانت عناصر المعالجة عن كثب ممكنة في المرضى الذين يعانون حالة النوم العميق Vegetative State وناقش أوين في كيفية استخدام ماسح الدماغ للكشف عن هذه العناصر. أصبحت كيت في عام 1997 وبعد تشخيص حالتها بأربعة أشهر أوّل مريضة تدرسها مجموعة كامبريدج بحالة النوم العميق. لم تستجب كيت تجاه الوجوه فقط، لم تكن استجابة دماغها مماثلة وواضحة كالاستجابة في حالة المتطوّعين الأصحّاء. أظهرت صور المسح الخاص بها بقعة حمراء تشير إلى نشاط في الجزء الخلفيّ من دماغها، في منطقة تدعى”Fusiform Gyrus” والتي تساعد في التعرّف على الوجوه.

تعافت كيت لاحقاً وكان تعافيها أشبه بإضاءة مصباح في حياتها التي كانت مظلمة أثناء مرضها، استغرقت كيت 5 أشهر قبل أن تتمكّن من الابتسام، وبحلول ذلك الوقت كانت قد خسرت وظيفتها وإحساسها بالرائحة والتذوّق. عادت كيت الآن إلى أهلها لكنّها لا تزال بحاجة إلى كرسيّ متحرّك. بدأت كيت بالتحدّث بعد اثنتي عشرة عاماً على إصابتها.طلبت كيت من أوين أن يستغلّ  حالتها لمساعدة الناس وليريهم أهميّة الفحوصات والصور التي كان يأخذها. أرادت للمزيد من الناس أن يعرفوا عن الموضوع. ففي حين كانت تبدو غير قادرة على الاستجابة وميؤوساً من حالتها اظهرت الصور أنها كانت موجودة على الرغم من ذلك.

حين تكون مستيقظاً، يتوجّب على دماغك أن يجعل كلّ ما تتلقّاه عبر حواسك من معلومات منطقيّاً بشكل ما. من بين الأطباء الذين يسعون للوصول إلى الأجوبة الطبيب ستيف لاوريس Steven Laureys والذي يترأس مجموعة علوم الغيبوبة Coma Science Group في جامعة Liège في بلجيكا ويوضّح لنا ستيفين آليّة عمل الدماغ باستخدام نموذج بلاستيكيّ للدماغ ويشير إلى مناطق زرقاء موجودة في مقدّمة ومؤخّرة الدماغ وفي الداخل وتشير إلى منطقة المهاد Thalamus.

ليس هناك منطقة تسمّى منطقة الوعي أوالإدراك في الدماغ. لكن إذا ما أجرينا مقارنة بين صور مسح FMRI للمرضى في حالة النوم العميق والذين يكونون مستيقظين وغير مدركين والصور لؤلك الذين يكونون مستيقظين وبكامل وعيهم سنجد أنّ الاختلاف يصل إلى شبكة إدراكيّة وهي المناطق الملوّنة بالأزرق على نموذجه.

تنسج فكرة شبكة الإدراك مع نظريّات عدّة تتناول الإدراك، كنظريّة Global Workspace لـ بيرنارد بارس Bernard Baars أخصائيّ الأعصاب من أمستردام. تقول نظريّته أن الوعي يظهر من العصبونات الموزّعة في القشرة الدماغيّة في شبكة تخلط بين المعلومات الحسيّة وتفلتر المعلومات غير اللازمة لتشكّل صورة شاملة عن الواقع.

يأتي هذا العمل ليتمم عمل نيكولاس شيف Nicholas Schiff في جامعة ويل كورنيل للطبّ  في نيويورك. يوازن Schiff في حياته العمليّة بين وضع اهتمامات المرضى وعائلته في المقام الأوّل والالتزام بالمنهج العلميّ  في أبحاثه على الاضرابات الإدراكيّة.

يبدي Schiff اهتمامه بارتباط المهاد Thalamus والذي يلعب دور الربط في الدماغ مع منطقة تحيط به تسمّى Striatum ومع الفص الجبهي من القشرة المخيّة.

بين هذه المناطق العميقة في الدماغ هناك منطقة تسمّى مجموعة ماقبل الحدث Posterior medial complex، وهي شبكة تتوقّف عن العمل في الحالة الخضرية.

يزيد نشاط الـمهاد Thalamus والفص الجبهيّ في المرضى الذين يملكون إدراكاً. تمكّن Schiff وLaureys من التعرّف على ثلاث دارات دماغيّة منفصلة: الموجودة في الـمهاد Thalamus، الموجودة في الفصّ     الجبهيّ، ومجموعة ماقبل الحدث Posterior medial complex.

أشار Schiff في عدّة لقاءات إلى نسخة أكثر تفصيلاً من هذه البنية العصبيّة تسمّى Mesocircuit والتي تتكوّن من دراتين تربطان المهاد بالقشرة المخيّة. تظهر تجارب محاولة تحفيز هذه البنية طريقة يمكن فيها إعادة تشغيل الدماغ المعطوب. وأدت عدّة تجارب على مدى سنين من إظهار كيفيّة إعادة الدماغ إلى مرحلة الإدراك.

درس Schiff في عام 1995 حالة امرأة في الـ 81 من العمر مصابة باضرابات إدراكيّة.نتيجة إصابتها بنوبة حادّة عانت من حالة تعرف hemispatial neglect. لم تكن قادرة على التعرّف على يدها اليمنى كعضو من أعضائها. تم ضخ ماء بارد في أذنها كاختبار اعتياديّ لتحديد مدى الضرر في استجابتها.

ما أثار دهشة Schiff أن المياه الباردة تمكنت من عكس جميع أعراضها حيث استعادت المرأة إحساسها بيدها اليمنى ولكن وبعد أن أصبحت المياه دافئة عادت لتفقد الإحساس بيدها من جديد. استنتج Schiff أنّ  الرعشة الناتجة عن الماء البارد استثارت أذنها الداخليّة والتي تتحكّم بتوازن الحواس بالإضافة إلى المهاد Thalamus الذي يلعب دور الربط بين المناطق التي تضررت جراء النوبة.

طرح Schiff بالاعتماد على الفهم الذي اكتسبه رؤيا استكشافيّة تقول أنّه بالإمكان إيقاظ بعض المرضى باستخدام المنبّهات كـ Zolpidem. إحدى أكثر الحالات شهرة هي حالة لويس فيلجوين Louis Viljoen من جنوب أفريقيا.

أعطى الطبيب والي نيل Wally Nel في عام 1999 دواءً للويس كمسكّن. وكان المسكن هو زولبيديم ويصفه بأنّه “يوقظ الجسم أكثر مما يسكّنه”. تظهر دراسة قام بها SchiffوLaureys كيف تستطيع موجات عصبيّة بطيئة كتلك التي تظهر أثناء النوم، أن تسكّن الدماغ قبل أخذ الدواء، تظهر صور PET كيف تستطيع جرعات الدواء أن تحفّز نشاط الدماغ. وجد فريق لوريس في Liege أن حوالي نصف المرضى يظهرون تقدّماً في الإدراك نتيجة تناولهم الدواء.توصّل العلماء إلى طريقة تمكّنهم من تحريض الشبكة الإدراكيّة Awareness network كهربائيّاً، واختبر Laureys وزملاؤه ذلك مؤخّراً باسم التحريض باستخدام التيّار المباشر transactial direct-current stimulation tDCS حيث يستخدم فيها أقطاب توصل إلى البشرة في الرأس وتستخدم لإمرار تيّار مباشر ضعيف نسبيّاً إلى الجمجمة لتعديل تهيّج النسيج الدماغي الموجود تحتها.”طبّق فريق Liège تقنية tDCS لمدّة عشرين دقيقة على جزء من الدارات العصبيّة mesocircuits لخمس وخمسين ممن يعانون حالة النوم العميق vegetative state طفيفة. مكّنت تقنيّة tDCS هؤلاء من تحريك أعينهم استجابة لست أسئلة.استخدم Schiff و Laureys هذه التقنية لمعرفة أي الدارات التي يجب التلاعب بها لإيقاظ دماغ نائم.

طبّق Schiff في 2005 استنتاجاته عن دارات الإدراك على جيم، وهو رجل في الثامن والثلاثين من العمر تعرّض للضرب والسرقة وترك على حاله دون إدراك لمحيطه. وفي النهاية طلبت والدته من الأطبّاء عدم إنعاشه. فحص Schiff جيم بتقنية fRMI، في 2001. شغّل فريقه تسجيلات عدّة أمام المرضى ومنهم جيم، عبارة عن شريط صوتيّ لأحد الأحبّة أو الأقارب.أظهر جيم أنماطاً شبه عاديّة في مناطق معالجة اللغة من دماغه ما أخبر Schiff أن بعض الشبكات العصبيّة لا تزال تعمل. زرع جهاز محدد خطوة في دماغ جيم. وبقي دماغه ناشطاً فوق المستوى المعتاد للبشر قبل وفاته بست سنوات لأسباب لا علاقة لها بمرضه. وتمّ  نشر الموضوع عل الصفحة الأولى من صحيفة New York Times.تمكّن جيم بفضل النبضات الكهربائيّة التي أرسلها الجهاز إلى دماغه باستمرار من استخدام الكلمات والإيماءات، أن يستجيب للأسئلة والطلبات. أن يأكل بشكل طبيعيّ، أن يشرب من كوب، وأن يقوم بمهام بسيطة كتمشيط شعره. درس ستيفين لوريس Steven Laureys أمراض الحالة الخضرية الدائمة Vegetative state طوال العقد الماضي في جامعة جنوب لييج.

فوجئ ستيفين حين أظهرت فحوصات PET قابليّة استجابة المرضى لذكر اسمهم أمامهم: أحدثت الأصوات ذات المعنى الكبير تغييراً في تدفّق الدم في الباحة السمعيّة من القشرة الدماغيّة. وأثناء ذلك، وعبر الأطلسيّ، وجد Schiff ذلك في الأدمغة المتضررة جرّاء حوادث بليغة نجمت عنها مناطق قليلة جداً حافظت على فاعليّتها.”في ذلك الوقت، ظنّ الأطباء أنّهم يعرفون الإجابات عن أسئلتهم مسبقاً: لم يكن لأيّ  من المرضى الذين يعانون حالة النوم المستمرّ أي إدراك بالمحيط. عانى هؤلاء المرضى مصيراً اعتبره الكثيرون أسوأ من الموت نفسه : كان هؤلاء المرضى دون دماغ عمليّاً.

عانى أوين ولوريس الكثير من النقد ومن المشككين ممن حاول إحباط عزيمتهم لمتابعة الأبحاث، يقول Schiff:” لا يمكنك أن تتخيّل كيف كان الوضع في التسعينات” وكان على أوين ولوريس أن يتابعا ويجلسا وحيدين في المؤتمرات الأكاديميّة، محاولين بيأس أن يشرحا ما توصّلا إليه لزملائهم الأطباء.

في 2006 كان أوين ولوريس يحاولان إيجاد طريقة مضمونة للتواصل مع المرضى في حالة النوم الدائم، ومن بين هؤلاء المرضى جيلان*. التي وعلى الرغم من تشخيص حالتها بالحالة الخضرية، كان هناك أمر حولها لفت انتباه مارتن كولمان من مجموعة أبحاث اضطرابات الإدراك في جامعة كامبردج، والذي سجل رغبته في دراسة حالتها.

بعد خمس أشهر من تعرّضها لحادث سيّارة أثناء تحدّثها على الهاتف انتابت جيلان نوبة غريبة مكّنتها من تحرير نفسها من الصندوق. ظهر المفتاح من دراسة وصفيّة قام بها أوين بدأت مع لوريس في 2005. سألا متطوّعين سليمين تخيل قيامهم بأمور مختلفة، كالغناء أو استحضار وجه والدتهم. ثم خطرت لأوين فكرة أخرى.

كان لدى أوين حدس غريب سأل شخصاً سليماً أثناء الفحص أن يتخيل نفسه وهو يلعب التنس وأن يتخيّل نفسه وهو يمشي في أرجاء منزله، وأدّى تخيّل التنس لتنشيط مناطق مسؤولة عن الحركة في القشرة المخيّة وهي تلعب دوراً أيضاً في التحريض المخيّ  على الحركة. لكن لاحظ أوين أن تخيّل التجوّل في المنزل يؤدّي إلى تحريض منطقة في عمق الدماغ تسمّى “Parahippocampal gyrus”، سأل أوين جيلان عدّة أسئلة أثناء مراقبته لجهاز مسح الدماغ.  طلب منها أن تتخيل الأمور نفسها ــ ورأى أنماطاً قويّة للنشاط الدماغيّ مشابهة للتي رآها في المتطوّعين السليمين. تمكّن أوين من قراءة دماغها.

نجحت قصّة جيلان في الوصول إلى غلاف مجلّة Science في 2006 حول العالم، وأحدثت النتائج منها ضجّة كبيرة وأثارت الكثير من التساؤلات تلقّى أوين رسائل إلكترونيّة من عدّة زملاء منهم من أبدى إعجابه بالدراسة ومنه من لم يصدّق أنّه أعاد الإدراك والوعي لهذه المرأة.

“ما نحتاجه بالفعل هو فلسفة أقلّ  وبيانات أكثر”، بحسب رأي أوين. نشرت دراسة ذات صلة في 2010 قام بها أوين ولوريس حيث فحصا 54 مريضاً شخّصت حالتهم بالنوم الدائم أو تدنّي إدراكي، استجاب خمسة من المرضى بنفس الطريقة التي استجابت فيها جيلان. تطرّق سكيف أوين ولوريس لتفسيرات بديلة لما رأوه، وعرفوا مثلاً أن بالإمكان تشغيل المناطق من الدماغ التي يفحصونها على المرضى بطرق أخرى. لكن الدراسة التي نشرت في 2010 وصفت السلوك التلقائي المشابه لهذا النوع كتفسير للموضوع، تقول الدراسة: يستمر النشاط لمدة طويلة لا تكفي للدلالة على شيء غير النيّة. يشكر أوين نقاده. فقد حفّزوه على المتابعة، مثلاً في تطوير طريقة ليطرح أسئلة على المرضى لا يعرف أحد سواهم كيفيّة الإجابة عنها.

كان لإصرار الأطباء الثلاثة Owen،Schiff و Laureys الأثر الكبير في التحريض والتوعية لأهميّة بحثهم والكشف عن المجالات الهائلة التي يفتحها في عالم الطب وكان بحثهم الشرارة التي أدّت إلى انتشار المبادرات لإجراء المزيد من الأبحاث حول العالم. منذ الدراسة التي نشرها أوين في 2006، اقترحت عدّة دراسات في بلجيكا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة وكندا، أن نسبة لا بأس بها من المرضى المشخّصين كمرضى الحالة الخضرية، عانوا خطأً في التشخيص ــ يقدّر أوين أن النسبة تصل إلى 20 بالمئة. بناءً على دراسة أجريت مؤخّراً، يقول أوين أن نسبة 40 بالمئة تقريباً من المرضى المشخّصة حالتهم باضطراب إدراكيّ هم في الحقيقة أصحاء نسبيّاً.

أظهرت الدراسات أن نسبة كبيرة من المرضى الذين تشخّص حالتهم على أنّها إصابة بالحالة الخضرية خاطئة وأن التشخيص يعاني نسبة كبيرة من الخطأ. يقدّر أوين نسبة هذا الخطأ بحوالي 20 بالمئة. أما Schiff فيقول أن النسبة تفوق ذلك ويقدّرها بـ40 بالمئة للمرضى الذين تشخّص حالتهم على أنّها نوم عميق لكنّهم واعون بشكل كبير جداً. ومن بين هذه الحالات التي تعاني خطأ في التشخيص هناك من المرضى الذين تجاوبوا بقدر كبير أناء تواجدهم في جهاز الفحص.

طلب فريق لوريس في 2009 من أحد المرضى الذين شملتهم الدراسة وهو المريض 23 الإجابة على سلسلة من أسئلة تكون إجابتها بنعم أو لا. تمكّن المريض الذي مضى على تشخيص حالته حوالي الخمس أعوام من الإجابة على ستة أسئلة عن حياته سابقاً ــ وكانت جميع إجاباته صحيحة، صعق أوين وفريقه من النتيجة وكان الصحفيّ فيرغوس والش Fergus Walsh هناك ليكون شاهداً على الحدث. اللحظة التي وصل فيها أوين إلى دماغ سكوت.

تتميّز الروح البشريّة بارتباطها الشديد ورغبتها بالحياة استفاق الكثير من المرضى من الغيبوبة بعد مضيّ زمن طويل جداً وهذا ما يحاول Schiff وزملاؤه أوين ولوريس أن يثبتوه”يبقى السؤال الأهم عن كيفيّة تحديد الحدّ الذي يصل إليه إدراك المرضى. تظهر دراسات كثير أجريت على أعداد كبيرة من المرضى الذين يعانون إضابات في الدماغ ، أن حالة المريض بين الإدراك الضعيف وحالة النوم الدائم تلعب دوراً كبيراً في احتمال التعافي. ومع ذلك فلا يزال هناك الكثير من المفاجآت، كحالة رجل الإطفاء دون هيربيرت في نيويورك، والذي استفاق بعد عقد من إصابته بالإدراك الضعيف جراء إصابة خطيرة في الدماغ أثناء مكافحته لحريق في 1995. نصح Schiff بسحب العناية عن مريض غائب عن الوعي منذ ثمان أسابيع بعد إصابته بوعكة قلبيّة. استخدم سكيف تقنية شدّ الانتباه بالتخيّل ليظهر كيف يمكن للدماغ أن يعيد ربط نفسه ولو بعد مرور عقود على الإصابة.

يمضي كل من سكيف، اوين، ولوريس الكثير من الوقت مع عائلات المرضى لفهم الحساسايّات بشكل أفضل. يقول سكيف: لقد تغيّر هؤلاء المرضى بطريقة أو بأخرى عبر السنين.  لا تزال هناك حاجة للمزيد من الأعمال التمهيديّة لتحقيق التناغم بين المقاييس،الأدوات والأطر الزمنيّة لتقييم حالة المرضى.

تمكن أوين ولورينا ناسي Lorina Naci من التوصّل إلى طريقة مضمونة اكثر للتواصل مع المرضى بحملهم على تركيز انتباههم أثناء تواجدهم في جهاز المسح. يقول Schiff أنه وبعد التشخيص الرئيسيّ، هناك بعض الجهود الصغيرة التي تبذل لاستكشاف الوظائف الدماغيّة في هؤلاء المرضى. هناك مرضى يعانون حالة إدراك ضعيف أيضاً قد يكونون غير قادرين على تخيل بعض الأمور، في حين يكون قلة من المرضى الاستثنائيين قادرين على ذلك. كما تظنّ  أن عملية التشخيص الاعتياديّة تفتقد علامات الاستجابة في ثلث المرضى المصنفين في حالة إدراك منخفض.

من العوائق التي يواجهها Schiff في دراسته للمرضى دراسة المرضى ممن هم صغار في السنّ  بسبب آلية عمل اجهزة المسح التي تعتمد على الإشعاع. حين يتعلّق الأمر بمرضى أصغر سناً، هناك حدّ لعدد صور PET التي يمكنهم الخضوع لها في فترة محددة ويجب وضع متتبع أثر للإشعاعات في الجسم.

تظهر الإنجازات المحققة حتى اليوم قيمة الصور الدماغيّة على أعداد كبيرة من المرضى، لكن وفي النهاية يلزمنا طرق يمكننا أن نعتمد عليها تعمل على كل المرضى، مايعني معايير ومقاييس محددة ودقيقة. على الرغم من التشكك، فإن الصعوبات في التعامل مع مجموعات مختلفة عن بعضها بهذا الشكل والتحديات في وضع معايير للتشخيص تتابع الأبحاث طريقها. بدأت هذه الأبحاث تحدث فرقاً منذ الآن، وتمكّن بعض المرضى من التحدّث إلى الأطباء ليطلبوا مسكّنات للألم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *