لعل تويتر وقصته والطريقة التي ظهر بها للعموم هي أحد أكثر قصص الشركات التكنولوجية الناشئة اهتماماً. ليس فقط لتأثير هذا الموقع على عالم الإعلام والشبكات الإجتماعية بل للطريقة التي تطور -ولازال يتطور- فيها. توج كل هذا مؤخراً في إعلانات إيرادات الربع المالي الأول من 2014 والذي أظهر انخفاضاً حاداً في أسهم تويتر (حوالي 15 نقطة) وازداد الإنخفاض بمعدل 7.38 بالمئة من فترة قصيرة ليصبح سعر السهم 37.24$. 

أعلن تويتر منذ فترة أيضاً عن تطويرات جديدة في صفحة الحسابات الشخصية. خطورة الموضوع تتجاوز كون المنافسة في صفحة الحسابات الشخصية وصلت لحد النسخ المباشر (كونها أصبحت جميعها واحدة حقيقة من فيس بوك لغوغل + وتويتر)، لكن المشكلة أصبحت في تخلي تويتر عن هويته الأصلية! هناك طبعاً مشاكل أخرى تصيب الخدمة في طبيعتها كشبكة اجتماعية كالتشويش الغير طبيعي من عدد المستخدمين والتحول الأساسي في طبيعة الخدمة. 

لكن مهلاً… ماهي هوية تويتر؟  

دعوني أبدأ هنا من فكرة. منذ الأيام الأولى لتويتر، لم يمتلك أحد (حتى مؤسسيه) تعريفاً واضحاً له. هل هو منصة تدوين بشكل مختلف؟ هل هو موقع أخبار؟ ما الهدف من الرسائل المباشرة؟ لماذا محدود بـ 140 حرفاً؟ 

الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون، حتى مؤسسي تويتر والعاملين عليه ربما تأتينا من فريد ويلسون Fred Wilson. فريد هو أحد عرابي الاستثمار التكنولوجي في الولايات المتحدة وأكثر مايعرف به هو بيعه موقع Geocities ومشاركته في إنشاء Union Square Ventures التي استثمرت في تويتر وتمبلر والكثير غيرها.

مايهمنا هنا هو مقال كتبه فريد في عالم 2007 (بدايات تويتر) عن الخدمة. المهم فيها جداً هي نظرة فريد للموضوع وللمنصة آخذين بعين الاعتبار أنه لم يستطع أحد أن يفهم ماهي بعد. 

ماهو الدور الذي سيلعبه تويتر في المستقبل؟ سيكون نظام بث الحالة القياسي على الإنترنت. 

مامعنى هذا؟ بث الحالة هو تعبير مجازي حقيقة يمكن أن يشمل كل شيء. ماذا تفعل. ماذا حدث. حالة السيارة. حالة الأخبار. حالة كل شيء… الأمر يتجاوز “ما الذي تقوم به الآن” وقد تطور هذا كثيراً في تلك الفترة بفضل التقنيات والحلول الجديدة التي ظهرت على الإنترنت والويب بشكل عام. وقتها كان مفهوم خلاصات RSS والماش أبس Mashups وحتى واجهات التطبيقات البرمجية APIs أمراً جديداً على الويب والإنترنت. 

هنا كانت النقطة التي سيبني عليها تويتر ويتحول ليصبح عصباً للإنترنت الحديث برأيي الشخصي. 

الآن عودة لموضوع الأسهم والمنصة والأموال. مشكلة تويتر الأساسية كخدمة هذه الأيام هي أنه فضلاً  عن سعر السهم الذي يتابع الإنخفاض وقلق المستثمرين الدائم، هناك مشكلة حقيقية في أمرين 1) النمو و 2) جني الأموال. 

هناك دلائل كثيرة على أن تويتر يعاني من الركود عملياً. في تشرين الثاني/ أكتوبر من العام الماضي أعلن تويتر أن عدد مستخدميه الفعالين شهرياً هو 215 مليوناً. كان هذا مقياساً أن تويتر حقق نمواً بنسبة 15 مليون مستخدم فقط من العام السابق (2012) عندما أعلن وصول عدد المستخدمين الفعالين إلى 200 مليون شهرياً. 

يعرف تويتر تماماً أنه عندما يتوقف المستخدمين عن التغريد أو التفاعل مع المنصة والتعامل معها بشكل سلبي ستتأثر الإعلانات وعائداتها. وهذا مشكلة كبيرة. 

أعترف شخصياً بأني أقرب لأكون مستخدماً سلبياً لتويتر. عدة أسباب تؤثر في الموضوع هنا لكن الأكبر ربما هو موضوع التشويش الكبير وفعلية ضياع البوصلة للخدمة. ماهي بالضبط؟ لنشر الروابط؟ قراءة الأخبار العاجلة؟ التبجح بالقيام بهذا أو ذاك أم ماذا؟ كل هذا يهون مرة أخرى أمام التشويش الذي لم يستطع تويتر إلى الآن إيجاد حل فعلي له. المقصود به هنا هو ذلك الكم من الرسائل التي تظهر على التايملاين بدون معنى خصوصاً أثناء الأحداث الكبرى التي يميل الجميع المشاركة بها. وجد بعض التطبيقات كـ Tweetbot حلاً في موضوع الـ Mute وكان مقبولاً. يحاول تويتر بين الوقت والآخر تحديد تجربة الإستخدام بعرض التغريدات بناء على المكان الجغرافي وهذا جيد لكن أيضاً لايغير كثيراً في التجربة. 

كيف يجني تويتر المال؟ إلى الآن 90 بالمئة من عائدات الموقع تأتي من الإعلانات التي يعتمد نصفها أو أكثير على الموبايل. هناك ثلاث منتجات إعلانية متوفرة حالياً: التغريدات المروجة المدفوعة والحسابات المروجة المدفوعة والهاشتاغ المروج المدفوع. لم يستطع تويتر بعد إثبات نجاح هذه المنتجات بشكل كامل. 

هناك شبه ولع في تويتر حالياً للإنتشار وتحقيق الشراكات في كل مايمكن أن يقدم نافذة إعلانية يستطيع القفز منها. هناك مثلاً  عمل تويتر على التلفزيون وشراكاته مع نيلسن Nielsen لتقديم نظام تقييم تلفزيوني، لايولد أي عائد حالياً لكن ربما يمكن أن يستفيد تويتر من البيانات مستقبلاً ويبيعها. 

فاين Vine هو تطبيق آخر يستثمر فيه تويتر وبشكل جدي. طبعاً يعيش فاين هذه الأيام عصراً ذهبياً نتيجة الإبداع الفني الذي يظهر عليه من كوميديا وغيرها. هذا التطبيق الذي قدم نمط فيديو 6  ثوان جديد كلياً قد يكون الفرصة الذهبية لكسب المال الإعلاني الجيد لتويتر.

المشكلة الوحيدة أمام فاين وغيره أن الإعلانات تخرب في جوهر الإستخدام. من المستحيل أن أشاهد فيديو 30 ثانية إعلاناً قبل مشاهدة فيديو 6 ثوان أصلاً. نفس الأمر ينطبق على تويتر حيث لايمكن عرض الكثير من التغريدات المروجة كونها تشكل عامل تشويش حقيقي للمستخدم. يفسر هذا، لماذا لم تستطع كل هذه الطرق الإعلانية أن تحقق نجاحاً مالياً مناسباً لتويتر بعد. 

لنعد للسؤال الأول والأساسي الآن. ماهو تويتر الذي خسرناه؟ جميعنا يقارن تويتر لأيامه الأولى ونقول لم يعد تويتر كما كان. ماذا كان؟ 

لانذكر حقيقة. بدايات تويتر لم تكن تحتوي على إعادة التغريد والأحاديث الطويلة التي نراها اليوم. لم يفكر بها المؤسسون حقيقة وأتت لاحقاً من المستخدمين. تطورت بعد ذلك الأمور تدريجياً لتأتي الأحداث السياسية والتطورات المتتالية التي قدمت تويتر على ساحة الشبكات الإجتماعية. مل الجيل الأول من قفز المشاهير ووسائل الإعلام المختلفة عليه. أراد الكل أن يغرد. وصلت الأمور في 2010-2011 إلى أوج النشاط السياسي التويتري وفوضى التايملاين. في 2012 قلنا أنه يموت لكن الوقت لم يحن بعد لإغلاق حسابنا.. وهانحن ننتظر إلى الآن. 

قد ينطبق الأمر على جميع خدمات الشبكات الإجتماعية في الحقيقة، لكن هناك حنين للأيام الأولى لتويتر لسبب بسيط. كان مميزاً، كان يساعد على التعرف على أشخاص حقيقين (كون موضة البوتات وغيرها لم تكن منتشرة بهذا الشكل المرعب بعد)، كان الكثير يميلون لاستخدام شخصياتهم وأسمائهم الحقيقية. كانت النكات والنقاشات حول موضوع معين مميزة تجعلك تري هاتفك للجميع وتقرأ التغريدات بصوت عال. 

لكن هذا لاينجح الخدمة، تويتر بحاجة لمستخدمين. بحاجة لكثير وكثير منهم قبل ان تحقق موضوع النجاح المالي الذي يساعدها على أن تكون شركة رابحة فعلياً وتعيد ثقة المستثمرين. الوضع يختلف الآن كشركة ذات أسهم متداولة. 

الخصوصية التي تتمتع بها الشبكات الإجتماعية والمجتمعات الصغيرة أثبتت نجاحها خصوصاً إن كانت فكرة الشبكة جديدة مثل تويتر. نجح فيس بوك مثلاً في إدارة مليار مستخدم عبر تقديم محتوى وميزات ينبع من شبكتهم الإجتماعية الصغيرة ويوسعها شيئاً فشيئاً. بغض النظر عن تلاعب فيس بوك بمستخدميه واستخدام شتى طرق التأثير النفسي عليهم، لاتزال هذه الطريقة تنجح. تويتر لم ينجح بهذا، لم يستطع التحكم في التشويش الذي بدأ يحصل. كيف أتحكم بمن أتابع؟ القوائم لم تكن بهذه السهولة التي نتوقعها لتسهيل المتابعة. أصبح التعامل مع تويتر من قبل المطورين شبه مستحيل بعد القيود التي قدمها وجعلها مرتبطة بمبالغ مالية. أثر هذا بشكل جوهري على الإبداع الذي يمكن أن يبنى عليه. 

هناك توجه حديث في إيجاد منتجات ويب وشبكات إجتماعية متخصصة جداً، مل كثيرون من مشكلة الحشود الضخمة الموجودة في الشبكات الإجتماعية خصوصاً المفتوحة منها مثل تويتر. المشكلة الأكبر هي محاولة تويتر لنسخ الميزات الموجودة في الشبكات الأخرى كفيس بوك. بدأ الأمر بعرض الصور بشكل أوتوماتيكي في التغريدات، ثم الفيديو، ثم الصوتيات، ثم أصبح تويتر يدمج كل مايمكن عرضه في البطاقة الخاصة بالتغريدة. الطامة كانت في تغيير شكل البروفايل ليصبح الأمر مطابقاً تماماً لفيس بوك وغوغل+. لماذا؟ 

لايهم الأمر، قد نكون قد خدعنا جميعاً. ربما مرت فترة على تويتر شعرنا فيها انه ضخم، ضخم جداً. عرفه الجميع بالشكل الذي يرغب وتحدث عنه المشاهير والسياسيون والناشطون والجميع. ربما نكون قد بالغنا قليلاً. ربما تويتر، ليس بالأهمية التي يدعيها أو أنه أضاع توجهه وهو في مرحلة تخبط حالية. 

الصورة

لايوجد المزيد من المقالات