أضحت المدونة أنيتا سركيسيان Anita Sarkeesian هدفاً لمجموعة من التهديدات العنيفة بسبب انتقاداتها للتمييز ضد النساء في ألعاب الفيديو. القضية باختصار شائكة إلى حد كبير حيث تم تسييسها وطرح العديد من الأفكار المتناقدة حولها، تماماً كأي شيء في عالم الإنترنت المعاصر. المشكلة الحقيقية التي نراها هنا هي المغالاة والتعميم وردود الأفعال الغير مقبولة كما سنرى لاحقاً. اخترنا أن ننقل لكم أحد الآراء المميزة حول الموضوع من يخبرنا سيمون باركين Simon Parkin من The NewYorker ووجهة نظره في الموضوع إضافة إلى بعض الإضافات من طرفنا.
الآن ماهو تاريخ هذه القضية وما ارتباطها بتويتر، الناشطين ضد التمييز الجنسي في الألعاب وخطر القتل؟
تلقت أنيتا سركيسيان Anita Sarkeesian جائزة السفير Ambassador Award في حفل توزيع جوائز اختيار مطوري الألعاب Game Developers Choice Awards، وهو أقرب ما يمكن لحفل جوائز الأوسكار ضمن مجال تطوير ألعاب الفيديو، وهي جائزة تكرم الأفراد الذين يسهمون في تقدم هذه الصناعة إلى وضع أفضل سواء كان ذلك عبر المناصرة أو عبر الأفعال. يعود فوز سركيسيان وهي ناشطة كندية أميركية في مجال حقوق المرأة ونقد الإعلام بالجائزة إلى إطلاقها لسلسلة فيديو تناقش الكراهية ضد النساء والتمييز الجنسي في ألعاب الفيديو باسم  Tropes vs. Women in Video Games. تقول سركيسيان في خطاب استلامها للجائزة: “ولد مشروعي من رغبة بإضفاء الجدية على الألعاب”، وتضيف بأن المطورين يستطيعون “إظهار النساء على أنهن قادرات و ملهمات.”

 
تلقى منظمو حفل توزيع الجوائز سابقاً بريداً الكترونياً مجهول المصدر يعلن ما يلي:

“سيتم تفجير قنبلة في الاحتفال ما لم يتم سحب جائزة السفير من أنيتا. تشير تقديراتنا بأن قنبلة كهذه ستتسبب على الأقل بقتل عشرة أشخاص وإصابة العشرات الآخرين. لذا ننصحكم بأخذ بقبول هذا الطلب البسيط من أجل مصلحتكم. هذه ليست مزحة. وقد تم إنذاركم.”

تلك كانت إحدى رسائل التهديد التي تلقتها سركيسيان منذ إطلاقها لسلسلتها على يوتيوب. أفادت صحيفة التايمز في عام 2012 أن سركيسيان تلقت صوراً تظهر شخصيات من عالم الألعاب وهم يقومون باغتصابها. تم أيضاً الاعتداء بشكل متكرر على صفحتها على ويكيبيديا وتخريبها. قام أحدهم أيضاً بتطوير لعبة على الانترنت أسماها “اضرب أنيتا سركيسيان” والتي يستطيع اللاعبون فيها توجيه اللكمات إلى صورة وجه أنيتا. لم تخف حدة التهديدات العنيفة عنها، حتى أنها أخلت منزلها في شهر آب بعد أن قام أحد مستخدمي تويتر بنشر عنوانها بشكل علني وهددها بالقتل.
كان أحدث التهديدات قد وقع في بداية تشرين الأول/ أكتوبر عندما تلقى مدير مركز المرأة والأجناس في جامعة يوتاه Utah State University بريداً الكترونياً يعلن أنه سيتم إطلاق النار بشكل مميت وغير مسبوق في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية إذا لم يتم إلغاء خطاب سركيسيان القادم في المركز (نعلم تماماً حساسية مشكلة إطلاق النار والقتل الجماعي في الولايات المتحدة) نشرت الرسالة على موقع the Standard-Examiner، ويقول فيها المرسل: “لدي قناصة نصف أوتوماتيكية وبعض المسدسات ومجموعة من القنابل جاهزة للاستخدام… تمثل أنيتا سركيسيان كل ما هو خاطئ في المرأة، وستموت صارخة كعاهرة صغيرة جبانة كما هي عليه فعلاً إذا ما تركتموها تأتي إلى المركز.”
ألغت سركيسيان خطابها بعد أن أصرت شرطة الحرم الجامعي على عدم منع الحضور من اصطحاب أسلحتهم القانونية كما ينص قانون ولاية يوتاه. يعتبر ذلك البريد الالكتروني جزءاً من تحقيق فيدرالي جارٍ في التهديدات التي تصل سركيسيان.
تلقت سركيسيان عشرات الآلاف من رسائل التهديد التي تحاول إجبارها على الصمت والتخلي عن عملها. وفي حديثها إلى موقع Mother Jones في شهر  مايو/ أيار، قالت سركيسيان: “تسيطر الذكورية على عالم الألعاب منذ انطلاقتها، ولكن كان هناك خلال السنوات القليلة الماضية ازدياد في عدد الأصوات النسائية المتحدية لمسألة التمييز الجنسي. نشهد اليوم تحولاً ثقافياً بطيئاً ومؤلماً. يشعر بعض مستخدمي ألعاب الفيديو الذكور بالخوف من التغيير بالرغم من شعورهم العميق باستحقاقه.”
بدأت الألعاب مؤخراً تخرج من نطاق ألعاب الحروب والسباقات والرياضة، فمثلاً هناك لعبة القطة والانقلاب The Cat and the Coup التي تسمح للمستخدم بلعب دور قطة الدكتور محمد مصدق، أول رئيس وزراء إيراني منتخب ديمقراطياً. تتحدى لعبة Coolest Girl in School اللاعبين على الصمود ليوم كامل بوجود بقعة بسبب الدورة الشهرية على تنانيرهم (بشكل يمثل فيه اللاعب فتاة في اللعبة) جعل هذا الموضوع النقاد الذين يبنون أحكامهم عادة على الجانب الترفيهي للألعاب، يرون الأمور بمنظور مختلف.
يسعى البعض إلى القضاء على هذا النهج الإبداعي الحديث وذلك عبر التظاهر ضد هذا الاتجاه أو عبر إسكات الأصوات الناقدة التي ترى الألعاب من وجهة نظر حقوق المرأة. تعرف سركيسيان الخوف من التغيير بأنه خوف أحدهم من تعرض منصبه أو سلطته للخطر، تجمع  من يرى أن هناك حركة ضد ثقافة اللاعبين – باستغلال هذا الموضوع – حول  حول هاشتاغ “gamergate” الذي أطلقه الممثل آدم بالدوين Adam Baldwin على تويتر، كان آدم يهدف إلى انتقاد صحافة ألعاب الفيديو الغير أخلاقية، ونشر رابطاً إلى فيديو يدعي فيه أن أحد الكتاب في مجال ألعاب الفيديو قد سوق صحفياً للعبة كانت قد طورتها صديقته الحميمة زوي كوين Zoe Quinn. (تم إثبات خطأ هذا الإدعاء فيما بعد)
تم تناقل هذا الهاشتاغ على تويتر لأكثر من مليون مرة ولعدد لا يحصى من الأهداف، ويعتبره البعض دعوة للممارسة الصحافة الأخلاقية في عالم ألعاب الفيديو كالموضوعية عند كتابة التقارير والابتعاد عن تسييسها، بغض النظر عن كون هذه المبادرة غارقة في السياسة هي نفسها. يرى الخبراء المبادرة على أنها حركة كراهية ولدت من المتطرفين، ونمت عبر تغذيتها بحس الانتماء والقيمة الذاتية والتوجه نحو المستخدمين الساخطين.
بدأت القصة تأخذ طابعاً سياسياً نوعاً ما ومنتشراً بشكل أكبر بعد حادثة معينة. الآن حركة Gamergate نفسها صغيرة نسبياً مقارنة مع مجتمع محبي ألعاب الفيديو ولايزال الهدف الحقيقي منها غير واضح تماماً. الحادثة الرئيسية كمايراها بول هي العلاقة بين الحركة وموقع Gamasutra للألعاب الذي بدأ انتقاده بعد ربطه بشكل ما بالهاشتاغ. سحبت شركة إنتل أحد إعلاناتها من الموقع وأفادت بأنها لم تكن تعلم بالهاشتاغ وقت الإعلان، الأمر الذي نفاه الموقع أيضاً مما أدى لاعتذار إنتل عن الموضوع.
يتابع متابعي الهاشتاغ عملهم خارج تويتر عبر القيام بحملات عن طريق البريد الالكتروني تجاه الشركات التي تضع إعلانات لدى مواقع ألعاب الفيديو والتي يختلفون معها. بغض النظر عن الأهداف والمعتقدات الفردية للمشاركين، هناك اعتقاد سائد بأن حركة gamtegate هي تعبير عن الاعتقاد بأن الألعاب التي يحبونها قد تتراجع أو تختفي أمام المد النقدي المتصاعد تجاهها، وأن الكتاب والصحفيين ذوي العلاقة بالمجال ينسقون رسائلهم بهدف تنفيذ أجندة ما. يتجذر الخوف وانعدام الثقة في أساس هذه الحركة. يخشى البعض من المستخدمين والذين وجدوا الملاذ في عالم الألعاب العادل والقانوني حيث كل ما يتطلبه النجاح هو تنفيذ القواعد بشكل صارم، يخشون أن يمتد الاتهام (الذي تقوده سركيسيان) بالتميز الجنسي والكره ضد النساء نحو مستخدمي هذه الألعاب، وبالتالي أن يصبحوا أقلية مضطهدة.
كان يأتي النقد سابقاً بشكل رئيسي ممن يرون الألعاب على أنها مسار مخزٍ وعديم الفائدة، والذي قد يتسبب في أسوأ الحالات بزيادة معدلات العنف لدى الناس. لم تعد هذه الحجة مقنعة على الرغم من عرضها طويلا في التلفزيون والسينما. ولكن في هذه المرة، يأتي الخطر من قلب مجتمع مطوري ونقاد الألعاب أنفسهم والذين قدموا حياتهم في هذا المجال، ولا يأتي ذلك من إحساس بالكره أو قلة الثقة، بل من أيمانهم بتأثير الصحافة.
يقول سايمون أنه يمتلك خبرة شخصية مع هؤلاء الناس، فقد كلف مرة بكتابة مادة لمجلة النيويوركر عن لعبة زوي كوين Zoe Quinn “السعي نحو الإحباط Depression Quest” وذلك قبل طرح فكرة “gamergate”. تلقى المحررون العديد من الرسائل المعادية لما كتبه مدعين أن له صلات مالية مشبوهة ذات علاقة بالموضوع. يقر بول بأنه يمول في الحقيقة عدداً من الكتاب بدفعات شهرية عن طريق موقع Patreon، وهو موقع تمويل ودعم للفنانين. ومن دون علمه، كتب أحد هؤلاء الكتاب مقالاً لصحيفة الغارديان يتحدث عن معاناة كوين والمضايقات التي تعرضت لها. أدى ذلك بمستخدمي الهاشتاغ والناشطين في الأمر إلى الاعتقاد بأن مقالته كانت جزءاً من مؤامرة صحفية. يقول بول بأنه لايمكنه التخيل كم من المؤلم تلقي تهديدات بالقتل.
تمتلك ألعاب الفيديو طابعاً سياسياً ككل وسائل الترفيه والفن. ما الألعاب إلا عوالم مختلقة تعكس قيم مطوريها. أحياناً، تنعكس هذه القيم في التوزيع الديموغرافي: في كيفية تمثيلهم أو فشلهم في تمثيل النساء والأقليات، أو في الشخصيات الافتراضية التي يطلبون قتلها باستخدام أسلحتهم الافتراضية. في أحيان أخرى تعكس القواعد الحاكمة للألعاب أو تعزز الخبرات التي تعيشها في العالم الحقيقي. فكرة بول بأنه لايجدر بنا أن نخاف أو نكره الطبيعة السياسية للألعاب، أو حتى أن نخجل من مناقشتها، فذلك جزء مما يجعلها ممتعة. ليس الانتقاد العنيف ضرباً من ضروب الخيانة، كما أنه ليس الخطوة الأولى نحو فرض الرقابة، بل يقود الأمر ببساطة نحو المزيد من الوضوح والتطور.
إليكم مثلاً أحد الـ Rants أو “الردحات” (المليئة بالأمور المقبولة إضافة للشطحات العصبية) حول الموضوع من واحد من محبي ألعاب الفيديو على يويتوب، يلخص لنا هذا الأمر معدل الاستقطاب السياسي Polarization  الذي وصل إليه الأمر.

غالباً ما يكون المهتمون بفرض نوع من الرقابة أو الحجز على المطورين والنقاد من الشغوفين بالألعاب، ولكن آراءهم تتناقض مع دوافعها الأخلاقية. في أحسن الأحوال، تنشر ألعاب الفيديو أحاسيس التعاطف والتفهم إذ تتيح الفرصة لاختبار الحياة من وجهة نظر جديدة. قد يظن من يقف ضد الحوار النزيه أنهم يحمون هوايتهم المحببة، ولكن الحقيقة أنهم يعرضون مستقبلها الواعد للخطر.
الآن لإنهاء الموضوع، من الآراء المميزة حول الموضوع ماتحدث عنه مات بيكهام Matt Peckham في مقاله ضمن مجلة Time:

“ما أجده محبطاً جداً في الأمر ليس حال الصحافة (خصوصاً صحافة ألعاب الفيديو) أو مايظنه النساء بالرجال أو الرجال بالنساء. إنها الحالة التي وصلنا إليها في 2014 بحيث يقبل من لشخص ما أن يستخدم لوحة مفاتيحه، يتعدى على مساحة أحدهم الشخصية، يتسلح بكلمات خطيرة ثم يفتح النار.”

حقيقة الأمر واضح. سواء أن غالت أنيتا في الموضوع أو لا. ظلمت مجتمع لاعبي الفيديو أو لا. لايحق لأي أحد – حتى وإن كان محقاً – أن يتحول من النقاش الطبيعي حول أي موضوع – وهو مايشرحه بول بشكل جيد حقيقة – إلى تهديدات بالقتل أو اللجوء إلى التحرش الجنسي المشين حول أي شخص. الإنترنت مساحة مفتوحة، إن لم يعجب أحد شيء ما أو أحس بالظلم فليستخدم نفس الأسلوب الطبيعي لطرح الأفكار أو يصمت ولايعطي شخص لايستحق دعاية مجانية. الإعلام من جانب آخر فنان في التعقيد وعدم حل المشكلة حقيقة، حتى ويكيليكس Wikileas “نطت” على الموضوع.
التعميم مشكلة كبيرة أصابت الطرفين. لطرفي المشكلة آراء منطقية حول مشكلة معقدة تعاني منها صناعة الترفيه منذ بدايتها، لكن العنف – خصوصاً عندما يصل الأمر للقتل أو التحرش الجنسي – يحول أي صاحب حق إلى مخطئ وربما مجرم ويؤثر بدوره على “الأكثرية الصامتة” العادلة  أمام أخطاء “الأقلية ذات الصوت العالي.”
إذا فكرنا في الأمر قليلاً، نجد أن آخر جملة تطبق على كل شيء تقريباً من السياسة، إلى عالم الألعاب والمجتمع ككل.

لايوجد المزيد من المقالات