من الصعب أن ننكر عظمة نظرية التطور بـ”الاصطفاء الطبيعي” التي أتى بها تشارلز داروين والتي لا تزال محافظة على بريقها حتى الآن. زعزعت هذه النظرية بريطانيا في العهد الفكتوري. لكن بعض الأشخاص، والمتدينين منهم بالأخص، لم يكونوا سعداء بالفكرة التي تقول أن الطبيعة قادرة على العمل بتناغم وتوازن تامين لوحدها، دون مساعدة وتوجيه قوة أكبر.
لـ مات سايمون Matt Simon من مجلة وايرد Wired سلسلة مميزة بعنوان: مخطئ بشكل خيالي Fantastically Wrong يسلط فيها الضوء على أكثر الأخطاء العلمية انتشاراً إضافة لأشهر الفرضيات خطأ وكيف تم تصحيحها. لذلك قررنا أن ننقل لكم اليوم  مانشره مات Matt حول أحد هفوات تشارلز داروين، عالم الأحياء الطبيعية الشهير بعد تقديمه لمفهوم التطور. وذلك ضمن مجموعة من المواضيع التي نحضرها لكم حول أساسيات التطور الطبيعي والمفاهيم التالية التي لحقته.

على عكس المعتقد السائد اليوم، كان العلماء يفكرون بنظرية التطور قبل ظهور داروين – حتى جد تشارلز داروين إيراسموس Erasmus فكر في هذه النظرية، لكن الإضافة التي أتى بها تشارلز وأعطت نظريته بالذات الشهرة الكبيرة كانت إضافة الجزء المتعلق بالاصطفاء الطبيعي. أن الأحياء تتنوع، ويمكن لهذا التنوع أن يلائم الأفراد مع بيئاتهم، ما يزيد فرصهم في تمرير هذه التغيرات إلى الأجيال اللاحقة. ( توصل صديق داروين وهو عالم الطبيعة ألفريد رسل والاس Alfred Russel Wallace، إلى نفس الفكرة في نفس الوقت تقريباً. عرض كل منهما نظريته وكشوفاته على مجتمع لينيان Linnean في لندن، قبل أن يكشف داروين عن كتابه “أصل الأنواع The Origin of Species”)
مع ذلك، كان هناك مشكلة صغيرة تحيط بالجزء المتعلق بالاصطفاءالطبيعي، لم يكن داروين يعلم كيف.. تم ذلك. كانت الكائنات بكل أنواعها تتمتع بميزات من كلا الأبوين بالطبع. لكن كيف؟ ما الذي كان يحصل ليتم ذلك؟ كانت تلك فجوة كبير في نظرية داروين عن التطور. لذا وفي عام 1868، وبعد عقد من نشره لكتاب عن أصل الأنواع، حاول داروين أن يسد تلك الفجوة بنظرية أخرى وهي نظرية شمولية الخلق أو Pangenesis وهي فكرة خاطئة تقول ما هو أشبه بالتالي:

“تنشر كل خلية في جسمنا جزيئات صغيرة يطلق عليها اسم Gemmules تنتشر في كامل الجسم، عندما تحصل هذه الجزيئات على المغذيات المناسبة، تتكاثر بالانقسام الذاتي، وتتطور في النهاية إلى وحدات كتلك التي تحدرت منها.” بذلك تكون هذه الـ Gemmules بذوراً للخلايا يتم جمعها من جميع أجزاء الجسم لتشكيل العناصر الجنسية، ويؤدي تطورها في الأجيال التالية إلى كائنات جديدة.

ولأن كلا الوالدين يشارك في تشكيل هذه البذار، فإن التتابع يؤدي إلى مزج المميزات من كل من الأب والأم. لكن ماذا نقول في حالة طفل لديه ميزات من أحد الوالدين أكثر من الآخر؟ يحصل هذا برأي داروين عندما “تتفوق الـ Gemmules في البويضة المخصبة بالعدد” حيث تكون تلك “الآتية من أحد الأبوين متفوقة بالعدد، الألفة، أو القوة أكثر من الآخر.” بمعنى آخر تكون العناصر الآتية من أحد الطرفين فعالة أكثر.
يجب على وحدات الـ Gemmules أن تتطور بالشكل الصحيح لتشكل كائناً معافى. وعندما يحصل خطأ في سير العملية ينتج كائن معيب. تتطور الـ Gemmules التي تأتي من الأعضاء المختلفة بنظر داروين في الأماكن الخاطئة، وتتحد مع الخلايا الخاطئة.

***

ماهو الاصطفاء الطبيعي؟ كيف يعمل؟ وماهي حدوده؟

***

لكن الأهم في كل هذا، أن نظرية الشمولية التي أتى بها داروين تمكنت من شرح التعدد بين الأحياء والكائنات. بذلك، أصبحت هذه النظرية وقود نظرية التطور. وذلك لسببين الأول: يأتي ” التنوع المضطرب” من ” نقص، غزارة، وانتقال الـ Gemmules وتكرار تطور تلك التي مرت في فترة راحة طويلة.”
بعبارة أخرى، تظهر هذه الوحدات في الأحفاد بعد تخطيها لجيل من النوع الواحد، على الرغم من عدم حدوث أي تغيير على هذه الـ Gimmules.
تمكنت نظرية الشمولية لدارون من تفسير التنوع بين الكائنات ـ وكانت وقوداً لنظرية التطور.
السبب الثاني يحاكي نظرية باطلة الآن وهي اللاماركية Lamarkism، التي ناقشت أن الميزات التي يكتسبها الكائن الحي أثناء حياته، وبفعل عوامل طبيعية أحياناً تستطيع في وقت لاحق أن تنتقل وتورّث إلى الجيل الذي يليه. كان لدى داروين قناعة تقول أن هذه الـ Gemmules قابلة للتغير أثناء فترة حياة الكائن الحي، ويمكن لهذه الوحدات التي تغيرت أن تتكاثر وتحل محل الوحدات القديمة. (ولت أيام نظرية اللاماركية، لكن يقول بعض العلماء في يومنا هذا أنه وبسبب اكتساب مهارات كاللغة، يمثل هذا وراثة غير جينية يمكنها أن تغير من مسار تطور الكائن الحي. لكن هذا الموضوع لا يزال جدلياً ولا نود الخوض فيه هنا.
لنلخص بعض الأفكار هنا: تمثل وحدات الـ Gemmules بذار الخلايا الحية التي تتولد نتيجة تزاوج الجنسين في الكائنات الحية. يجب أن تشكل هذه الوحدات الخلايا في الكائن الحي بالشكل الصحيح للحصول على كائن سوي، وتؤدي الطريقة التي تجتمع وفقها إلى التنوع والتعدد. يمكن لبعض هذه الوحدات أن تستريح، ما يؤدي إلى صفات لا تظهر في أجيال معينة، أو تتغير خلال فترة حياة الكائن الحي، مايؤدي بدوره إلى استمرار توارث الصفات التي طورها الآباء بفعل العوامل الطبيعية.
تحتاج أي نظرية إلى تجربة واضحة، ووقعت المسؤولية في نظرية داروين على قريبه فرانسيس غالتون Francis Galton. ولإثبات أن الـ Gemmules قادرة على توليد التعدد، أخذ عينة من دم أحد الأرانب وحقنه في آخر، مقتنعاً بفكرة أن صفات الأخير ستظهر صفات واضحة في الأول.

فرانسيس غالتون Francis Galton (ويكيبيديا)


كتب جيرالد جيسون Gerald Geison في تقريره ” داروين والتوارث: تطور فرضيته عن الشمولية Darwin and Heredity: The Evolution of His Hypothesis of Pangenesis” :” فشلت جميع هذه التجارب كما فشلت كل التجارب التي تلتها بإثبات صحة وجهة نظر داروين، وحالما تم نقض فكرة توارث الصفت المكتسبة، تم التخلي عن نظرية الشمولية أيضاً لتحلمحلها تفسيرات أكثر إقناعاً.”
يضيف جيسون “وبالنتيجة، تم النظر إلى فرضية الشمولية غالباً على أنها لغز وفشل ذريع للعبقرية. لعل السبب في ذلك أنهم لا يرغبون في إظهار شيء سوى عبقرية داروين، حيث يتجنب كل من يكتب عن داروين فرضية الشمولية.”
الخطأ في العلم ليس عيباً، لأنه حتى وعندما يأتي أحدهم ليثبت أنك على خطأ يمكن تسجيل هذه الخطوة على أنها تقدم في العلم. ويكون الإثبات محرجاً بعض الشيء للشخص الذي يتم تصحيح ادعاءه، لكن ذلك يبقى تقدماً بشكل عام.
اكتشف المنطق الحقيقي الأول عن الجينات من قبل أحد الرهبان ونباتات البازلاء لديه في عام 1850، في نفس الوقت الذي كان داروين يحضر لنشر كتابه عن أصل الأنواع.
عن طريق تناسل هذه النباتات وتسجيل طريقة انتقال الصفات من جيل إلى جيل، لاحظ غريغور ماندل Gregor Mendel أن الصفات لم تكن فقط مزيجاً من صفات الأبوين، كما استنتج علماء الأحياء في ذلك الوقت. لم تكن نتيجة تزاوج نبتة بازلاء بحبات ناعمة وأخرى بحبات مجعدة مثلاً نبتة بحبات شبه ناعمة بالضرورة، بل إما حبات منتفخة وناعمة أو حبات مجعدة. وهو مانشير إليه الآن بالأليلات alleles المسيطرة أو المتحيدة، أو نسخاً من جينات معينة: إن كان لون عينيك أزرقاً، مثلاً، فإنك تحمل أليلاً متحيداً، وإن كان لون عينيك بنياً، فسيكون لديك الأليل المسيطر. يحدث ها عندما تحصل على نسختين من كل جين، إحداهما من والدتك والأخرى من والدك.
لسوء الحظ، لم يعط أي أحد قيمة لعمل مانديل. ولم يكن حتى عام 1900 حتى أعيد اكتشاف البحث، وبدأ عصر علم الجينات. واكتشف العلماء سريعاً أن الحمض النووي DNA الذي يحمل المعلومات التي تعطي الكائن الكثير من صفاته، وفي عام 1953 حصل الحمض النووي على شكله الشهير وهو الحلزون المزدوج.
نعلم الآن أن توارث الصفات ليس له علاقة بالـ Gemmules وامتزاجها مع بعضها. نحصل على حمضنا النووي بالطبع من كل من الأب والأم. لكن يتم دمج الجينات منها بطرق فريدة في كل حالة، ما يؤدي إلى التعددات التي تنتشر حتى بين الأقارب. يمكن للتعددات أن تأتي أيضاً من التحولات أو الطفرات Mutations: عندما تنقسم خلايانا فإنها تقوم باستنساخ حمضها النووي والذي لا يكون في كل الحالات كاملاً ( لديك على الأغلب الكثير من التحولات التي لا تلاحظها حتى). لذا، تؤدي هذه الطفرات مجتمعة بالتغيير الجيني عند الولادة إلى التعددات وبالتالي إلى التطور: يولد بعض الأفراد بصفات قد تلائمهم أكثر مع بيئتهم، ما يعزز فرصهم في الاستمرار والتكاثر وتمرير الجينات إلى الأجيال المستقبلية.
جرب داروين تخميناً في مسألة التوارث وأخطأ، بالطبع، لكن لنبق في أذهاننا أنه كان مسؤولاً أيضاً عن طرح أكثر النظريات جدلية حتى الآن: التطور بالاصطفاء الطبيعي. لم يعش ما يكفي ليرى النتيجة النهائية، الجينات وهي تأخذ مكانها في الصورة ( ويمكن أن نقول هنا أن الجينات كانت أكبر القطع – ولا زال لدينا الكثير لنتعلمه عن التطور)

لايوجد المزيد من المقالات