التحدي التقليدي الذي نسمع عنه دائماً بين الكتب الرقمية والإلكترونية مغلوط ومضلل في الحقيقة. ففضلاً عن الخدع التسويقية التي تقوم بها شركات التكنولوجيا والنشر عموماً لصالح الكتاب الإلكتروني في أيامنا الحالية، علينا أن نعي تماماً أن نبوءة موت الكتاب تعود للقرن الثامن عشر مع أول ظهور للفونوغراف أو جهاز تسجيل الصوت. هناك حقائق جديدة تؤكد أن الورق قد يكون أحد أعظم وسائط النشر التي عرفتها البشرية.

للحديث عن هذا اخترنا لكم بعض الأفكار المميزة التي نقلها لنا نيكولاس كاس Nicholas Car على مجلة Nautilus. نيكولاس كاتب معروف في دراسة التأثير السلبي للإنترنت والتكنولوجيا على الدماغ، ولعل أشهر كتبه The Shallows: What the Internet Is Doing to Our Brains الضِحال: كيف تؤثر الإنترنت على دماغنا.

نعرف جميعاً غوتنبرغ Gutenberg مخترع الطباعة. لكن ماذا عن كاي لون Cai Lun؟

رجل مثقف، جيد التعليم، مواظب، مقرب من الإمبراطور Hedi في المحكمة الإمبراطورية الصينية لسلالة هان الشرقية، اخترع كاي الورق في أحد أيام عام 105 بعد التاريخ المسجل. في ذلك الوقت، كان البشر يرسمون ويكتبون على الحرير الذي كان مادة راقية وباهظة الثمن، أو على البامبو، الذي كان قوياً وثقيلاً. سعياً وراء بديل أكثر عملية، أتى كاي بفكرة مزج وسحق قطع من لحاء الأشجار في القليل من الماء، ودق المزيج ليصبح ناعماً ورقيقاً ومن ثم ترك المزيج ليجف تحت أشعة الشمس. كانت تجربته ناجحة. وسمحت بانطلاق صناعة جديدة، ولا زالت طريقة كاي في تصنيع الورق هي المتبعة إلى يومنا هذا.

انتحر كاي بعد بضع سنوات، إثر فضيحة في القصر لم يتمكن من الخروج منها. لكن اختراعه انطلق بحياته الخاصة. انتشرت صناعة الورق بشكل كبير وبسرعة في الصين واتبعت طريق الحرير من هناك باتجاه الغرب، سلكت صناعة الورق طريقها إلى بلاد فارس، العرب، وأوروبا. وخلال قرون معدودة، حل الورق محل جلود الحيوانات، ليادات البردي، والألواح الخشبية كالمادة المفضلة عالمياً للكتابة والقراءة. تمكن الصائغ غوتنبرغ بابتكاره للطابعة في 1450 ميلادية أن يمكنن عمل الكتاب، ليستبدل علامات الحبر من الأصابع بآلات تقوم بالطباعة، لكن كاي لون هو الرجل الذي أعطانا مادة القراءة وبشكل آخر كما يقول البعض، أعطانا كاي لون العالم.

قد يكون الورق أعظم اختراعات البشرية ، وتمتد استخداماته من الفن إلى العمل والمكاتب وغيرها. وعلى الرغم من ذلك، نادراً ما نوفي الورق حقه. إنه واسع الانتشار ويسهل التخلص منه – يستهلك المواطن الأمريكي العادي حوالي ربع طن من الورق سنوياً – ما جعلنا نعتمده على الدوام. من الصعب أن نحترم ونقدر نرميه في القمامة دائماً، لكن الحياة المعاصرة صعبة للغاية دون ورق. لولا الورق، سيضيع كل شيء.

ظهر الحاسوب مؤخراً ليتحدى ابتكار كاي لون. انخفض معدل استهلاك الورق بشكل كبير في البدلان المتقدمة على مدار العقد الماضي. إن كان ظهور الحاسب الشخصي والطابعة ماجعلنا نستغني عن الكثير من الورق أكثر من ذي قبل، فإن ظهور الانترنت كوسيلة اتصال عالمية أثر بشكل مختلف. فيما تزداد كمية المعلومات يوماً بعد يوم ويتم تخزينها وتبادلها إلكترونياً، فإننا نوقع شيكات أقل، ونرسل رسائل ورقية بنسبة أقل، ونمرر تقارير أقل، وبشكل عام فإننا ندون الأفكار على الحاسب أكثر منه على الورق اليوم. حتى رسائل الحب والبطاقات الغرامية يتم مريرها عبر مخدمات الإنترنت.

من الصعب أن تحترم شيئاً اعتدت رميه في القمامة.

نشرت مجلة Scribner’s في عام 1894 (لاحظوا قدم التاريخ) مقالاً كتبه المحاضر الفرنسي أوكتاف أوزان Octave Uzanne بعنوان ” نهاية الكتب The End Of Books”، كان إديسون قد اخترع الفونوغراف في حينها، وفكر أوزان أن الأجهزة المحمولة لتسجيل الصوت – التي أسماها فونو أوبيراغراف الجيب – ستستبدل قريباً الكتب والدفاتر اعتمد أوزان في مقالته على فكرة أننا بحاجة للكثير من الوقت للتقليب بين الأوراق.

“إن القراءة كما نمارسها اليوم، ستصبح بالية قريباً، ليس لأنها تتطلب الانتباه الكامل للدماغ فحسب والذي يستهلك الكثير من الطاقة، لكنها أيضاً تجبر الجسم على سلوكيات متعبة عدة.”

لم تكن الطابعة والمنتجات الملحقة بها برأيه ملائمة للتكنولوجيا المستقبلية.

توقع أوزان وتنبأ بالكتب الصوتية audiobooks، جهاز اي بود، وحتى الهاتف الذكي. وأما عن انتهاء عصر الصفحات المطبوعة، كان مخطئاً تماماً. فالكتب، المجلات، والصحف تابعت انتشارها وطباعتها وظلت تقرأ بكميات تنامت مع مرور السنين. لكن ومن ناحية أخرى فإن نبوءة أوزان تابعت طريقها اعتماداً على شعبيتها وحداثتها. ظل الناس يكررونها في القرن العشرين. كلما ظهر أسلوب اتصال جديد ـ راديو، الهاتف، الصور المتحركة، التلفاز، القرص المضغوط – بقي المتفائلون يرسلون للمطابع رسائل التهديد مطبوعة على الورق بانتهاء عصرها.

في عام 2011، تضمن مهرجان إدنبرغ السنوي للكتاب جلسة بعنوان “لم نعبث مع الرابح؟  نهاية عصر الكتب” وقال أحد الروائيين الاسكتلنديين إيوان مورسيون Ewan Morrison ” خلال 21 سنة ستأتي الثورة الرقمية بنهاية الكتب الورقية..” رأى إيوان أن أطفال هذا الجيل هم الجيل الأخير الذي سيقرأ الكتب المطبوعة بالحبر على الورق. سيؤول مستقبل الكتب، المجلات، الصحف – مستقبل الكلمة – إلى النشر الرقمي. على عكس أوزان، الذي كان واثقاً جداً، يستطيع إيوان أن يشير إلى بعض الحقائق الصعبة عن أساليب وصيحات القراءة والنشر.

الآن وبعد سنتين، أبصر بديل الصفحات المطبوعة النور. حقائق جديدة، وصعبة، تقول أن الكلمات ستستمر في الظهور على الورق لفترة طويلة. انخفضت مبيعات الكتب الالكترونية التي حلقت عالياً بعد ظهور قارئ أمازون Kindle في عام 2007 في الأشهر الأخيرة – لم ترتفع سوى بنسبة 5 بالمئة في الربع الأول من هذا العام، وفقاً لتقارير الناشرين – فيما حافظت مبيعات الكتب التقليدية الورقية على استقرارها. لا تزال الكتب المطبوعة تحتسب حوالي ثلاثة أرباع مبيعات الكتب في الولايات المتحدة، وإن أخذنا بالحسبان مبيعات الكتب المستعملة والتي ارتفعت أيضاً في الآونة الأخيرة، سترتفع النسبة الإجمالية بشكل كبير. كشف استبيان أجري مؤخراً أن أكبر معجبي الكتب الإلكترونية لا زالوا يشترون الكثير من النسخ المطبوعة لكتبهم.

على الرغم من انتشار البدال المجانية على الانترنت إلى أن الاشتراكات في المجلات المطبوعة تابعت استقرارها في هذا العام. وعلى الرغم من مكافحة بعض دور النشر للبقاء في السوق، يتابع آخرون في علاقتهم مع قرائهم. ولا تزال الاشتراكات الرقمية تنمو بذكاء أيضاً، ولا تزال تمثل جزءاً صغيراً من السوق، ويبدو أن الكثيرين من قراء المجلات ليسوا متشوقين للانتقال إلى النسخ الإلكترونية لمجلاتهم المفضلة. أظهرت دراسة عن مالكي أجهزة اي باد وأجهزة تابلت أخرى أجريت في وقت سابق من هذا العام أن ثلاثة أرباع مستخدمي هذه الأجهزة لا يزالون يفضلون القراءة على الورق. حتى أن هناك البعض منهم يعمل في مجال الصحف. ولا يزال عدد قراء الصحف الكبرى في ازدياد حتى الآن.

المفاجئ في الموضوع هو أن منظور الطباعة تحسن مع انتشار الوسائط من أجهزة ذكية وغيرها. لو كانت المنشورات الورقية تحتضر، فمن المفترض أن وضعها في السوق يتراجع ومايحصل هو العكس إذ أنها أكثر استقراراً ولا تزال تشهد نمواً.

ما نراه اليوم هو أن الكلمات والصور على الشاشة مشابهة بشكل كبير للكلمات والصور الموجودة على الورق. لكن عيوننا قد تكون كاذبة. مانتعلمه الآن هو أن القراءة هي نشاط جسدي. نستقي المعلومات بالطريقة التي نختبر بها العالم  كما نستقبلها بحاسة اللمس والبصر. يعتقد بعض العلماء أن دماغنا يترجم الأحرف المكتوبة بأجسام فيزيائية  وهو انعكاس لحقيقة أن عقولنا تطورت لتستقبل ماهو حسي ، وليس رمزياً.

يذهب الاختلاف بين الصفحة والشاشة  إلى ماهو أبعد من المتعة الجزئية التي نحظى بها عندما نمسك بكدسة من الورق. بالنسبة للعقل البشري، فإن سلسلة الصفحات التي ترتبط ببعضها بجسم مادي موحد مختلف جداً عن الشاشة المسطحة التي تعرض صفحة واحدة فقط من المعلومات في المرة الواحدة. إن الوجود الحسي للصفحات المطبوعة، والقدرة على تقليب الصفحات المطبوعة، وخصوصا الطويلة والمعقدة منها يؤثر بنا بشكل مختلف. نطور كبشر خريطة عقلية بشكل سريع لمحتويات الورقة المطبوعة، كما لو أنها كانت قصة لرحلة تتكشف عبر الفضاء. إن حدث والتقطت كتاباً قرأته منذ زمن طويل واكتشفت أن يديك كانتا قادرتين على تحديد مقطع ما بسرعة، فأنت حتماً مررت بهذه الظاهرة. عندما نمسك بكتاب من الورق بين أيدينا، فإننا نحمل محتواه أيضاً في رأسنا.

تبدو الذكريات المكانية وكأنها تترجم إلى فهم مقروء بشكل أقوى. أجريت دراسة مؤخراً على القراء اليافعين في النرويج ووجدت أنه وفي جميع الأعمال الكتابية، فإن قراء الصفحات المطبوعة يفهمون النص بشكل أفضل من الذين يقرأون النص على الشاشة. تترافق هذه الدراسة مع دراسات أخرى عن عملية القراءة. كتب الباحثون من النرويج “نعرف من الأبحاث التي تضمنت القياس والنظريات أن امتلاك التمثيل العقلي المكاني للنص يدعم الفهم خلال القراءة.” قال الباحثون أن قدرة قراء النسخ المطبوعة على رؤية والشعور بالبعد المكاني والحسي لنص بأكمله لعبت دوراً كبيراً في الفهم الكبير للنصوص بين أيديهم.

ما نتعلمه الآن هو أن القراءة عبارة عن نشاط جسدي. نستقي المعلومة بالطريقة التي نختبر بها العالم ـ كما في حاسة اللمس أو البصر.

قد يشرح هذا أيضاً سبب نتائج الأبجاث التي أجريت في العديد من البلدان والتي قالت أن طلاب الجامعات يتابعون تفضيلهم لقراءة الكتب المطبوعة فضلاً عن الالكترونية بشكل أكبر. يقول الطلاب أن الكتب التقليدية أكثر مرونة كأدوات للدراسة، تشجع القراءة المعمقة، وتوفر فهماً أفضل وقدرة أكبر على التذكر عن المادة. يبدو هذا صحيحاً، كما قال أوكتاف أوزان، أن القراءة تستهلك الكثير من الطاقة. لكن ربما يجب أن نكون مسرورين لذلك.

يظهر علم القراءة العلاقة بين الرقمي والورقي تكاملية بامتياز

تملك الكتب الإلكترونية مزاياها أيضاً بالطبع. فهي ملائمة، وتوفر غالباً روابط إلى كتب أخرى ذات صلة. يمكن البحث والاستقصاء عن محتواها ومشاركته بسهولة. يمكن لها أن تحتوي على صور متحركة، مقاطع صوتية، ومزايا تفاعلية. يمكن تحديثها أثناء الحركة. وعندما يتعلق الأمر بالأخبار الموجزة أو قصص أخرى بسيطة، أو الأعمال التي نريدها بسرعة دون القراءة المفصلة، فإن النسخ الإلكترونية قد تتفوق على المطبوعة.

لربما أخطأنا عندما فكرنا أن الكلمات على الشاشة قد تحل محل الكلمات على الورق. يبدو أنهما أمران مختلفان، يتلائمان مع أنواع مختلفة من القراءة وتوفير أنواع مختلفة من التجارب الجمالية والفكرية. قد يتابع بعض القراء تفضيلهم للنسخ المطبوعة، وقد يطور البعض أذواقهم لينتقلوا إلى النسخ الرقمية، وقد يكون البعض متقبلين لفكرة القراءة من المصدرين في نفس الوقت. سيصدر هذا العام حوالي 2 بليون كتاب و350 مليون مجلة من المطابع.

كاي لون Cai Lun لايزال مرتاحاً في قبره ربما.

لايوجد المزيد من المقالات