مستقبل التفرد التكنولوجي من وجهة نظر بروس ستيرلينغ Bruce Sterling

Bruce Sterling بروس ستيرلينغ، مؤلف خيال علمي ورائد في مجال الروايات العلمية من نوع Cyberpunk. حصل بروس من خلال روايات ألفها مثل Heavy Weather Island In the Net، Schismatrix، و The Artificial Kid على لقب ” المسؤول بروس Chairman Bruce”. بعيداً عن كتاباته، يعمل بروس ستيرلينغ بروفسوراً في دراسات الانترنت والخيال العلمي في المدرسة الأوروبية European Graduate School. ساهم ستيرلينغ في عدة مشاريع في سياق نظرية المستقبل The Futurist Theory، كما ساهم في خلق حركة جميلة مناصرة للبيئة، ولا يزال يتابع حتى الآن الكتابة للعديد من المجلات ومن بينها Wired، Discover، Architectual Record و The Atlantic.
في المقابلة التي ننقلها لكم اليوم عن موقع Next Nature، يتحدث بروس عن مفهوم الاندماج بين البشر والآلة.
يتحدث الكثير من الناس ويستثمرون الكثير من المال في فكرة الاندماج بين البشر والآلات. ماهي أفكارك عن الموضوع؟
سيؤدي ذلك إلى تفكك تلك الأفكار الميتافيزيقية وسبل استبدالها بمنتجات حقيقية وخدمات حقيقية.
لن يحصل هذا الاندماج، لأن الطموح في أساسه ميتافيزيقي. سيختفي هذا المفهوم مع الوقت كسراب بفعل الحرارة. لن نصل إلى تلك النقطة أبداً. يجري الأمر كالتالي: أولاً، اقتراحات ميتافيزيقية بعيدة المنال. ومن ثم سيحاول عالم حواسيب أكاديمي بناء واحدة منها في المختبر. قد يتوصل في مرحلة ما لتسويق بعض مزاياها، وتوزيعها وبيعها.
هذا هو تاريخ الذكاء الصنعي. لا نمتلك الذكاء الصناعي اليوم، لكننا نملك أشياء أخرى كأنظمة التبصر الحاسوبية Computer Vision Systems، قدرات روبوتية للتنقل، وغيرها. لدينا أجزاء وأجزاء من الفكرة الكبيرة، لكن هذه الأجزاء تمثل صناعات عملاقة. لا يمكن أن تتسع جميعاً لتشكل أمراً خارقاً واحداً. يمكن لسيري أن تتحدث، لكنها غير قادرة على الإمساك بالأجسام. هناك آلات تستطيع أن تمسك بالأجسام وتتلاعب بها، لكنها لا تستطيع التحدث. ينتهي بنا المطاف في تفكيك هذه الأفكار الميتافيزيقية واستبدالها بمنتجات وخدمات حقيقية. توجد هذه المنتجات في السوق كغيرها من البضائع التي نمتلكها: كرقائق البطاطس، الحقائب، الأحذية، وغيرها.
يجب أن نرى هذه الفكرة في ذلك السياق، لا يجب أن نعنون هذه المنتجات، ونقول ” قريباً سنمتلك الذكاء الصناعي بشبح عظيم.” أعلم أن هناك أشخاصاً في هذه الصناعة مهتمون بتلك الرؤية، لكنني لا أظن أن القباطنة الحقيقيين ، الذين يقومون باستثمارات بعدة ملايين الدولارات يصدقون أياً من هذا.
هناك نقاش مثير للاهتمام عن مستقبل البشرية. يرتبط هذا النقاش أيضاً بمفهوم الذكاء الصناعي. هناك جدل يقول أن عام 2025 سيكون العام الذي نحقق فيه نقطة التفرد، مارأيك بذلك؟
لا نريد أن تصبح سيري مماثلة لآلان تورينغ بالطبع. نريد منها أن تكون أشبه بآابل فقط. لأن ابل تمتلك سيري.
لن نصل إلى التفرد التكنولوجي. أظن أن الذكاء الصناعي مصطلح سيء. لن يكون هذا طريقة صحيحة لوصف الطريقة التي نتكلم بها عما يحصل. لذا، أفضل أن أستخدم مصطلحات مثل ” المقاربة Cognition” و” الحوسبة Computation” . المقاربة أمر يحصل في الأدمغة، الفيزيائية، والبيولوجية. والحوسبة أمر يحصل في الأسطر البرمجية على المسارات الالكترونية التي يشكلها السيليكون وتوضع على اللوحات.
الأمران ليسا متشابهان، ومن الخطأ أن نقول ذلك، سنكرر بذلك الخطأ الذي ارتكبه الناس في البدء عندما قالوا أن الفكر البشري كان كحرك بخاري. تأتي الفكرة من المشاكل الميتافيزيقية: هل الرياضيات عملية فكر؟ إن كانت الآلات قادرة على الحساب فهل هذا يعني أنها تفكر؟ إن كانت الآلة قادرة على لعب الشطرنج، فهل هي تفكر؟ هناك الكثير من الأمور التي تستطيع الآلات أن تفعلها، تستطيع الخوارزميات أن تفعلها ، تستطيع البرمجيات أن تفعلها. أما المقاربة فلا علاقة للآلة بها.
عندما تحاول أن تضع هذه القدرات في حيز صغير، فإنك تحد في الواقع من قدرات التكنولوجيا. سيكون الأمر كما لو أنك تحاول أن تبني طائرة شحن، وتصر على أنها يجب أن تضع البيض لأنها قادرة على الطيران. هي آلة طائرة، وتملك أجنحة وهي قادرة على الطيران، حتى أنه يمكنك أن تطلق عليها اسم “طير”. لكن الطائرات ليست طيوراً ، وكلما حاولنا أن نصممها لتشبه الطيور أكثر، كلما وقفنا في وجه قدرات التكنولوجيا.
لم يجب أن تصفق الطائرة بأجنحتها؟ لم نريد أن نجعلها تأكل؟ إن أردنا أن نفكر بالتكنولوجيا على أنها تلهمنا لنصنع آلات طائرة، ونريد من هذه الآلات أن تشبه النسور قدر الإمكان. فسيكون هذا أمراً خاطئاً وسيقف بشكل كبير في طريق تطويرها.
أمر كسيري، مثلاً، لا يعطي طموحاً بمنحه المزيد من الصفات البشرية، ستريد سيري أن تكون فعالة أكثر بمئات المرات من ذلك. لا تريد سيري أن تجري محادثة واحدة كالمحادثة التي نجريها هنا. تملك سيري مئات الآلاف من المحادثات في وقت واحد. تريد أن تنظر عبر قواعد البيانات بشكل أسرع، لا تريد أن تقرأ طريقها في كتاب.
لا نريد لسيري أن تشبه آلان تورينغ، نريد لها أن تشبه ابل أكثر. نريد من سيري أن تقوم بكل ما تستطيع ابل أن تقوم به: أن تحدد الأماكن جيوفيزيائياً، أن تتعامل مع قواعد بيانات هائلة، أن تجد التطبيقات لنا، أن تبحث عن دور عرض الأفلام.
لا يعرف آلان تورينغ موقع كل فلم في كاليفورنيا! نقف في طريق التكنولوجيا عندما نقول ” سيري، لم لا يمكنك أن تكوني أشبه بعالم رياضيات شاذ من القرن العشرين؟ لتتمكني من تجاوز اختبار تورينغ.” سيكون هذا مغرياً ميتافيزيقياً، كان ذلك ليخلق نقاط تحول كبيرة. أنا في غرفة وسيري في غرفة، ونبدو مثل بعضنا البعض تماماً، لذا فإن المقاربة تكافئ الحوسبة. لكنها لا تكافئها. لا نريد حتى للمقاربة أن تساوي الحوسبة. نحن نقف في طريق الحوسبة وإمكانية قيامها بأمور تمثل نقطة اهتمام أصيلة.
هل تقصد أن المقاربة والحوسبة يجب أن يكونا أمرين منفصلين. لم برأيك يتم الخلط بشكل كبير بين المفهومين؟
لا يمكن للناس أن تستوعب فكرة أن الحوسبة لا تعني التفكير.
إنها أمر مختلف.
لنقل أنك كإنسان تحاول أن تقوم بالحوسبة، أنت تحاول أن تضرب 17 بـ 5 في رأسك. يبدو لك الأمر وكأنه تفكير. يمكن للآلات أن تقوم بالضرب، أيضاً. لا بد وأنها تفكر. يمكن لحواسيب أن تقوم بالحسابات الرياضية ويمكن لنا كبشر أن نقوم بذلك أيضاً.
لكن الرياضيات التي تقوم بها ليست ما تعنيه أو ما تدور حوله المقاربة بالضبط. تتمحور المقاربة حول أمور كالنظر، المناورة، امتلاك الرغبات. تستطيع القطط أن تقوم بالمقاربة. ولا يمكنها أن تضرب 17 بـ 5. تملك القطط بيئتها الخاصة. لكنها من الثدييات.
إنها في الحقيقة صنف يتضمننا. إننا نشبه القطط المنزلية أكثر بكثير من أن نشبه سيري، يمكن لنا ولقططنا المنزلية أن نقوم بالمقاربة بشكل أسهل بكثير. يمكن أن نأخذ التقنيات التخيلية التي يتحدث عنها الكثير من محبي التكنولوجيا، ويمكن أن نسقط كل هذا على القطط. تمثل القطط مختبرات حيوانات اختبارات مثالية للمقاربات التي يمكن للبشر أن يقوموا بها.
لكننا لا نتحدث أبداً عن القطط الروبوتية، قطط معززة تقنياً، قطط خارقة الذكاء. لماذا؟ لأننا عالقون في ذاك الخندق الميتافيزيقي حيث نظن أن كل شيء عن أفكار البشر. ليس الأمر كذلك! لا نملك كبشر حالة عقلية واعية في كل وقت: ننام ليلاً. لا تملك الحواسيب سلوكيات مشابهة. نحن نكبر في السن، ننسى ما يحصل من حولنا. نحن صغار، لا نستطيع أن تتحدث بعد. هذه هي المقاربة. لا نرى حاسوباً صغيراً لدرجة لا يستطيع فيها التحدث.

نشر اللقاء على موقع NextNature.Net

هايبرلينك 116: عن اقتصاد عالم الألعاب المعاصر

أهلاً بكم من جديد في هايبرلينك بودكاست. ماهو واقع اقتصاد صناعة الألعاب هذه الأيام؟ مع سهولة تصميم الألعاب وتطويرها نسبياً في عصرنا الحديث أصبح نقاش اقتصاد الألعاب وبيعها أو طرحها مجاناً سؤال يطرحه كثيرون من المهتمين بهذه الصناعة. هل فعلاً هي بهذه البساطة؟ ما العامل الأساسي الذي يميز الألعاب الحديثة هذه الأيام؟ هل هناك تعريف واضح لكلمة “لعبة”؟ وما الفرق الآن بين الألعاب المستقلة البسيطة وبين الألعاب الضخمة التي تكون مدعومة بملايين الدولارات واستديوهات الإنتاج؟
كل هذا وأكثر في الحلقة 116 من هايبرلينك. نتمنى أن تنال إعجابكم.

لتحميل الحلقة
البودكاست من تقديم بشر وصالح كيالي
 
للاشتراك بالبودكاست عبر آي تونز

هل يمكن تعليم الروبوتات أسس الأخلاق؟

لطالما كان الهاجس الأخلاقي مرافق للجدال الدائر حول وجود الروبوتات في حياة البشر. هل يمكن للروبوتات تمييز الخطأ والصواب؟ يناقش غاري ماركوس Gary Marcus هذا الموضوع في مقال في موقع newyorker إليكم أهم أفكاره.
صدر مؤخراً فلم Chappie والذي لم يكن جيداً بما فيه الكفاية حيث تلقى الكثير من الانتقادات اللاذعة، لم يحمل الفلم عمق الفلسفة التي وظفت في فلم The Matrix مثلاً. من المشهد الافتتاحي في الفلم يشبه الفلم إلى حد بعيد بيئة تصوير فلم Robocop شركة برئيس شرير، روبوتات تسيطر على العامة، والكثير من الدماء، الرصاص، والزجاج المكسر. الشيء الوحيد الذي يبدو جديداً هو الروبوت اللطيف الشبيه بالبشر Chappie.

نرى في تشابي الروبوت معظم الأجزاء الهامة التي يحويها الفلم، ففي جميع أفلام الخيال العلمي تدخل الروبوتات المشهد كأفراد بالغين بالكامل، هنا يدخل تشابي المشهد كمولود افتراضي. لا يعرف كلمة بالإنكليزية، أو أي حقيقة عن العالم.
يحصل تشابي كفيلم على إلهامه من حقل صغير من الذكاء الصناعي معروف باسم ربوتيات التطوير Developmental robotics، تقوم فيه روبوتات مثل الروبوت iCub مثلاً بالتعلم عن طريق الممارسة. لم تقم حقول مماثلة حتى الآن بإنتاج شيء يذكر. معظم الروبوتات اليوم تتم برمجتها لتقوم بوظيفتها وأقصى ما تستطيع روبوتات التنظيف المنزلي أن تتعلمه هو تخطيط منزلك. تستطيع روبوتات أخرى مثل الروبوت Baxter مثلاً أن تتعلم مهام ووظائف جديدة أثناء عملها، ككيفية التقاط الأجسام بأحجام معينة وتحريكها إلى أماكن معينة. لكن قدرات باكستر على التعلم مبنية على مجموعة من المهارات التي تم دمجها في برنامجه من المصنع، ومن البعيد أن يتمكن باكستر من تعلم مهارة مبتكرة من ذاته كالحياكة مثلاً.

بذلك وضع تشابي ليكون حلم كل من يهوى الروبوتات: مجموعة من المكونات الصلبة والبرمجية التي تستطيع أن تتعلم أي شيء. فيأسبوع واحد، ينمو تشابي من طفل إلى بالغ ثم إلى مراهق. يتقن كل شيء من اللغة الإنكليزية إلى فن رمي السكاكين على الأهداف المتحركة. لا يقول لنا الفلم أبداً كيف يتعلم تشابي بسرعة لكن كل مهندس برمجيات وأخصائي تطوير سيحب لو وجدت آلة تملك قدرات تشابي. لكن الفلم يتناول موضوعاً مختلفاً: وهو ليس سؤال العلماء عن قدرة المخلوقات الذكية على تعلم العالم من حولها بل سؤال المربين عن قدرة البشر على تربية روبوتات أخلاقية. لا يتعلم تشابي مجموعة من الحقائق فقط، يتعلم تشابي مجموعة من القيم أيضاً.

كما يعلم أي مربٍ، فإن زرع القيم وتعليمها عملية صعبة للغاية. يحاول مصمم تشابي في بداية الفلم أن يعلم الروبوت الفرق بين الصواب والخطأ، لكنه يخفق في أبسط الدروس، يتفهم الروبوت أن قتل الناس خطأ، لكن شخصية أخرى تقنعه أن جرح الناس سطحياً – لمساعدتهم على النوم – أمر مقبول. يتعلم الأطفال غالباً من أقرانهم أكثر مما يتعلمون من أهلهم، وفي غضون دقائق من تشغيله، لا يتمكن تشابي من التمييز بين الخطأ والصواب، محاطاً بمجموعة من الناس السيئين.

لا يجب أن يرغب أي كان بهذا، سنرغب مع تزايد أعداد الروبوتات بيننا في المستقبل ـ سواء كانت تقوم بقيادة السيارات أو الاعتناء بالمسنين ــ أن تمتلك نوعاً ما من البوصلة الأخلاقية. حذر إلون مسك مؤخراً من أن الذكاء الصناعي هو أكبر خطر وجودي على الجنس البشري. قد يبالغ إلون مسك قليلاً، لكنه ليس مخطئاً في قلقه، قد نطلق عن طريق بناء الروبوتات والذكاء الصناعي شيطاناً. يجب أن نتعلم بناء آلات ذات قواعد أخلاقية روبوتات وأنظمة ذكاء صناعي متقدمة تستطيع أن تحول العالم إلى مكان أفضل ــ تساعد في علاج السرطان، الحد من المجاعات، إبطاء التغير المناخي. لكن يمكن لهذه الأنظمة أن تجعل الأمور أسوأ بكثير، بدءاً بتقليص الوظائف وانتهاء بأمور أسوأ. عندما نفكر في مستقبلنا، فيجب أن نحاول أن نفهم كيف نصنع روبوتات تكون قوة تسخر للخير بدلاً من الشر.
ليس تشابي أول شخصية من الخيال العلمي توضح هذه النقطة. لكن الفلم يطرح السؤال بطريقة أخرى. ظهرت الروبوتات في المصانع بحسب رأي إسحاق أزيموف Isaac Asimov مبرمجة لإطاعة ثلاثة قوانين، “لايجب أن يؤذي الروبوت أي بشري، أو أن يسمح ليشري بإلحاق الأذية.” ومن وجهة نظر بلومكام لاتأتي الربوتات من المصنع بأي قانون فهي تتعلم من صانعيها، مستخدميها، وماتراه في العالم من حولها.
تبدو تخيلات أسيموف ملائمة لقصة قصيرة، لكنها لا تبدو مناسبة للعالم الحقيقي. حتى لو كانت تلك القوانين صحيحة،فإننا لا نعلم بعد كيف نحولها إلى شيفرة برمجية.كيف يمكنك مثلاً أن تترجم مفهوم الأذية إلى لغة الصفر والواحد؟ لكن النقطة التي يحاول بلومكامب أن يوضحها هي أن تعلم الأخلاق محفوف بالمشاكل، أيضاً. يتعلم أطفال البشر القيم بواحدة من طريقتين ــ عن طريق التوجيه الصريح ” السرقة خطأ” وعن طريق الملاحظة “مالذي يقوم به والداي؟ مالذي يسمح لأصدقائي بفعله؟ وأظهرت بعض الدراسات ومنها الدراسة التي قام بها بول بلوم Paul Bloom من جامعة يال  أننا نولد مع مجموعة من الأحاسيس الأخلاقية. وستكون روبوتات المستقبل مشابهة لنا بهذا. ستوجه القرارات التي تتخذها بمزيج مما هو مبرمج وماهي قادرة على اكتسابه عن طريق الملاحظة.كيف سنعمل على الروبوتات بطريقة نتأكد فيها من سلامتنا؟ قد تكون الروبوتات يوماً ما ضباطاً في الشرطة وقد تجد نفسها مجبرة على اتخاذ قرارها بمن يجب أن تجميه ومن يجب أن تلقي القبض عليه، وحتى في المنزل قد تواجه الروبوتات المعضلات. مالذي سيحصل لو اقتحم غريب المنزل وهدد صاحب الروبوت؟.
كيف يمكن لنا أن نحافظ على سلامتنا في عالم سنكون محاطين فيه بآلات فولاذية قد تكون يوماً ما ذكية مثلنا، أو حتى أذكى؟ يجب أن نفكر بهذه الأسئلة عاجلاً أو آجلاً.

SuperSTEM: المجهر الخارق القادر على التكبير لمستوى الذرات المفردة

فيما تصغر أجهزتنا أكثر وأكثر، كذلك تصغر المواد التي نستخدمها في صناعتها. ويعني هذا أن علينا الاقتراب أكثر وأكثر لرؤيتها جيداً. يستطيع مجهر إلكتروني جديد في منشأة SuperSTEM الدولية في المملكة المتحدة أن يصور الأجسام بدقة غير مسبوقة وصولاً إلى ذرة واحدة. عن هذا المجهر تكتب فيكتوريا تورك Victoria Turk في motherboard.
يتم تمويل هذه الهيئة من قبل مجلس الأبحاث العلوم الفيزيائية والهندسة EPSRC وتملك هذه الهيئة ثلاث مجاهر إلكترونية يمكن لعلماء المملكة المتحدة أن يستخدموها. وتم الكشف عن آخر هذه المجاهر الشهر الماضي وهو مجهر إلكتروني يعمل بمسح جسيمات النيون ونقلها Nion Hermes Scanning Transmission. تبلغ قيته بقيمة 5.5 مليون دولار وهو أحد ثلاثة مجاهر حول العالم من نفس النوع بحسب EPSRC. يتسطيع هذا المجهر أن يصور أجساماً أصغر بمليون مرة من الشعرة البشرية.

مجاهر SuperSTEM الثلاثة
مجاهر SuperSTEM الثلاثة

 
استخدم مجهر SuperSTEM لفهم أصل اللون البني الموجود في الألماس الطبيعي. يقول كوينتن راماس Quentin Ramasse المدير العلمي لمختبر SuperSTEM “يمكننا أن ننظر عملياً إلى المواد أو أغلب الأجسام التي نضعها أمام عدسة المجهر متدرجين بالمقاييس وصولاً إلى المستوى الذري، لذا يمكننا أن نرى ذرات وحيدة باستمرار.”
هذا لأن المجاهر الإلكترونية تستخدم شعاعاً من الإلكترونات بدلاً من الفوتونات، كما في المجاهر الضوئية العادية.  تملك الإلكترونات طولاً موجياً أصغر بكثير من الفوتونات، لذا يمكن أن نحصل على تكبير أكثر ودقة أفضل.
قد يتساءل البعض هنا، مالذي سيدفعنا للرغبة برؤية جسم ما بتلك الدقة؟ أحد أهم الأسباب برأي راماس هو أننا نحاول باستمرار أن نصغر الأجهزة التي نبتكرها، مايعني أننا بحاجة إلى تصغير أجزائها كالترانزستورات وأنصاف النواقل  ويعني هذا أننا بحاجة لتصميم مواد أو محتويات أصغر وأصغر.
جزيئ نانوي لـثاني كبريتيد الموليبدينوم على طبقة رفيعة من الغرافيت. الصورة من Q M Ramasse (SuperSTEM Laboratory), L Hansen and S Helveg (Haldor Topsoe A/S) وموقع Motherboard
جزيئ نانوي لـثاني كبريتيد الموليبدينوم على طبقة رفيعة من الغرافيت. الصورة من Q M Ramasse (SuperSTEM Laboratory), L Hansen and S Helveg (Haldor Topsoe A/S)
وموقع Motherboard

نصل في رغباتنا إلى مرحلة حيث يصبح فيها التعديل على مادة ما على مستوى ذرة أو اثنتين قادراً على تغيير خواصها. لنفكر بالغرافين مثلاً. صفيحة ثنائية الأبعاد من ذرات الكربون. إذا أضفنا ذرة أخرى هنا أو هناك ونكون قد غيرنا المادة وعدلنا على قدراتها. ويجب أن نقول هنا أن الحفاظ على البنية بذاتها عملية هامة. أحد المشاريع التي شاركت بها مختبرات SuperSTEM مع مراكز على المواد ثنائية الأبعاد. يمكن استخدام هذه الأبحاث للتخلص من الكبريت من الوقود مثلاً. استخدمت الشركة الدنماركية Haldor Topsoe المجهر الإلكتروني لاستكشاف كيف يمكن لإعادة ترتيب الذرات أن يؤثر على خواصها.
و لايزال مايقدمه المجهر ضئيلاً لا يرقى سوى لأن يرينا ماهو موجود على مستوى صغير جداً.
قد تتضمن استخدامات أخرى لهذا المجهر الطب النانوي/ أعطى راماس مثالاً عن الحاجة لفحص ما إذا كانت جزيئات عقار ما مرتبطة جيداً بجزيء نانوي لتؤدي عملها كعامل إيصال عقاقير. فيما تتركز معظم التطبيقات في الكيمياء، يقول راماس أن المجهر يستخدم لأغراض أخرى كمعاينة البنية الكريستالية لجزيئات الغبار من الشهب.
من Vice Motherboard و Nanotechweb.org

هايبرلينك 115: عن ألعاب الألغاز المستحيلة، غوغل ناو ومستقبل التلفزيون مع آبل

بدايتنا في هايبرلينك بودكاست لهذا الأسبوع كانت بنقاش عميق حول لعبة ألغاز مستحيلة! حسناً، ليست مستحيلة لكن تفاصيل الحلول ومتطلباتها معقدة لدرجة “التعجيز”! ما الذي يجعل ألعاباً مثل هذه أحد صيحات الألغاز في هذه الأيام؟ لماذا هذا الإدمان وما الهدف منها أساساً؟ بداية غريبة نوعاً ما أليس كذلك.
تحدثنا أيضاً عن مستقبل الواجهات والتصميم مع إعلانات Google Now الأخيرة، وبالطبع آبل وتوقعات تحديث Apple TV الجديد ومايمكن أن يؤثر به الموضوع على صناعة التلفزيون.
كل هذه المواضيع بالتفصيل في الحلقة 115 من هايبرلينك لهذا الأسبوع. نرجو أن تنال إعجابكم.
لتحميل الحلقة

هايبرلينك من تقديم بشر وصالح كيالي
 

مواضيع الحلقة

لمتابعة هايبرلينك على آي تونز

الألعاب: الدافع الحقيقي لتقنيات الواقع الافتراضي

مع ظهور أجهزة Morpheus، Gear، Rift ، Vive بدأت لائحة أجهزة الواقع الافتراضي تكبر أكثر وأكثر. وعلى الرغم من الانطلاقة المتواضعة لهذه الفكرة في كراج مؤسس شركة أوكيولوس Palmer Luckey قبل بضع سنوات، الآن بدأت قدرات التكنولوجيا وألعاب الفديو تكبر وتطور وتتحكم بأبواب دخولنا إلى العالم الافتراضي. عن تطور الواقع الافتراضي يكتب جايسون دوريير Jason Dorrier من singularityhub.
لم تعلن شركة Oculus الآن والتي تملكها فيس بوك تاريخاً لنشر خوذتها للواقع الافتراضي Rift تجارياً، لكن التوقعات والآمال تفترض إطلاقها في وقت لاحقاً في نهاية هذا العام أو أوائل العام القادم. أطلقت سامسونغ بالتعاون مع Oculus خوذة الواقع الافتراضي خاصتها باسم Gear التي تعتمد على الهاتف الذكي في تشغيلها في شهر كانون الأول الماضي. كما يتوقع أن تطلق سوني خوذتها للواقع الافتراضي Morpheus في النصف الأول من عام 2016.
تعتمد كل من هذه الأجهزة على المخططات الأولى لجهاز Rift الأساسي: جهاز عرض يتوضع على الرأس يقسم المشهد إلى شاشتين (وفق تقنية Stereoscopic 3D) ليعطي المشاهد وهماً بعمق المشهد. تتعقب الخوذة مجموعة من الحساسات حركة الرأس، وتوجد حزمة من البرامج تؤمن العرض الثلاثي الأبعاد بسلاسة. تتضمن الاختلافات الجديدة تعديل دقة العرض بين الأعين، درجات إنعاش العرض، متحكمات، وتعقب حركة الجسم بالكامل.
فيما توجد عدة بدائل لنموذج الواقع الافتراضي هذا، الواقع المعزز أو المحسن وأنظمته كجهاز مايكروسوفت HoloLens وMagicLeap، يبدو أن شركات التكنولوجيا عقدت العزم على فتح باب التجربة الرقمية الافتراضية. ويمكن هنا أن نسأل بدلاً عن تخمين شكل أجهزة الواقع الافتراضي ، مالذي سيكون ناقصاً فيها.

المزيد من مواضيع الواقع الافتراضي على هايبرستيج

  1. عن أجهزة ألعاب الواقع الإفتراضي هذه الأيام
  2. الصوت: العنصر المفقود من الواقع الإفتراضي
  3. استخدام تقنيات الواقع الافتراضي لبناء تجربة جديدة لمتابعة الأخبار

لايختلف أحد عن أن تجربة الواقع الإفتراضي الجديدة في كل الأجهزة مثل Oculus Rift، لكن…

إلى أين نحن ذاهبون وهل يستحق الأمر هذا العناء؟

اليوم، ومهما كان جهاز الواقع الافتراضي الذي نتعامل معه فإن التجربة التي تقدمها محدودة بشكل ملحوظ. لكن يمكننا أن نقول أنها مذهلة بعض الشيء ويعود هذا إلى حداثة فكرة العوالم الافتراضية. وفيما نعتاد على هذه الحداثة، فمن المرجح أن سيكون هناك مجموعة من ألعاب الفيديو المبنية على أساس الواقع الافتراضي. ناهيك عن الذكر أن أفلام الواقع الافتراضي في الطريق الآن. لكن القدرة على الاستكشاف تبدو أكبر من ذلك.
هناك لعبة من تطوير شركة Hello Games باسم No Man’s Sky تتميز باتساع عالمها بشكل كبير جداً.

إن لعبة مثل No Man’s Sky هي ما يحدث عندما يخطط مصممو الألعاب المعايير العامة لألعابهم، ومن ثم يقومون بتحويل تطويرها إلى الحاسوب ليحجمها بطريقة لا يقدر على فعلها البشر.
ماهي آلية اللعبة؟ قام المصممون بتصميم عينات لكواكب، سفن، مخلوقات، وما إلى ذلك، ومن ثم قاموا بكتابة خوارزميات للتعديل على تصاميمهم. ومن ثم تقوم البرمجيات بتصميم أعضاء متعددة للجسم ، الأشكال، الألوان، والمزيد. بطريقة مشابهة لطريقة عمل الكون الذي نعيش فيه. محكومة بقوانين الفيزياء الأساسية، حدود الأبنية، والقوى الطبيعية، يقوم الكون في اللعبة بتجميع نفسه ليأخذ الشكل الذي نراه في اللعبة.
ليست الفكرة في لعبة No Man’s Sky في تعقيدها. لكن روعتها تكمن في المقياس الذي بني عليه عالمها. يقال أن اللعبة تحوي 18 كوانتليون كوكب. وهو عدد كبير إلى درجة تفقده معناه. وللحفاظ على حس بمراعاة جودة اللعبة، قام الفريق بتصميم مسبار فضائي باستخدام الخوارزميات لزيارة كل عالم وتصنيع صور متحركة له.

لا نتحدث هنا عن لعبة No Man’s Sky بالتحديد الذي نتحدث به عن محدودية طبيعة العوالم الرقمية وبناء العالم الرقمي. يعدنا الواقع الافتراضي بشكل جديد من أشكال الفن، حيث تكون العملية التي يستخدمها المصمم لبناء العالم الافتراضي بأهمية تصميم كل شخصية فيه.
يقول مطورو اللعبة “سواء كان ما تراه في اللعبة جبلاً بعيداً أو نجماً في السماء، يمكنك أن تذهب إليه، كل نجم في سماء اللعبة عبارة عن شمس يمكن زيارتها. ويبقى المكان الذي ستذهب إليه أو السرعة التي ستذهب بها رهناً بك. إنه خيارك.”

حلم الهندسة الجينية للطفل "الأمثل": مابين الأمل والخطر الشديد

كان الموضوع حلماً لعقود من الزمان، خيال علمي جريئ لبعض ونقطة حمراء لكثيرين. بداية الاكتشاف كانت مع السَبَق العلمي لكل من فريدريك ميتشر Friedrich Mischer بتحديد الـ DNA ثم الاكتشاف الحقيقي لبنية اللولب المزدوج وتمثيلها بشكل واضح من قبل كل من جيمس واتسون James Watson و فرانسس كريك Francis Crick باستخدام بيانات تجريبية علمت عليها روزاليند فرانكلن Rosalind Franklin و موريس ويلكنز Maurice Wilkins…
هنا كانت البداية، بداية عهد الـحمض الريبي النووي منقوص الأكسجين DNA والاكتشافات والاستنتاجات التي بنيت عليه لتحديد مستقبل البشرية.
الآن، ماذا لو استطعنا تغيير بنية هذا الحمض النووي قبل نمو الخلايا وتشكل الكائن الحي؟ يقوم العلماء حالياً بتطوير طرق للتعديل على الحمض النووي لأطفال الغد وهناك بعض التقدم الأساسي في الموضوع. هل يجب عليهم أن يتوقفوا قبل فوات الأوان؟
يكتب لنا أنتونيو ريجالدو Antonio Regalado من MIT Technology Review  عن طرق جديدة للتعديل على الحمض النووي تتيح إجراء تعديلات دقيقة ومحددة على هذا الحمض العجيب. إليكم أهم الأفكار في الموضوع.

قام العلماء في كلية الطب في جامعة هارفارد بتعديل الحمض النووي لبكتريا E. Coli كلياً لدرجة استبداله بحمض نووي لم يره أحد من قبل في الطبيعة. وفي نفس السياق يخطط علماء آخرون لاستخدام الحمض النووي وهندسته لإعادة خلق الماموث الصوفي. تحمل الطريقة الجديدة للتعديل على الحمض النووي اسم CRISPR-Cas9 وتم إنشاء شركة صغيرة لهندسة جينومات الخنازير والماشية، لانتقاء الجينات الجيدة والتعديل على الجينات السيئة. وكان السؤال عند معرفة كل ذلك: هل يمكن إجراء أي من هذه التعديلات على الحمض النووي البشري؟ هل يمكننا أن نحسن الجينوم البشري؟ يقول بعض العلماء أن هذه المحاولات قد لا تكون آمنة، ربما غير مسؤولة، أو حتى مستحيلة. لكن لم ير البعض الآخر مانعاً ولم يتردد في المحاولة.

تقوم فكرة العلماء الجديدة بالتعديل على الخليتين الأساسيتين في تشكيل الجنس البشري وهما النطفة والبويضة، اللتان تندمجان طبعاً لتشكيل الجنين البشري. بالتعديل على الحمض النووي لهاتين الخليتين أو الجنين نفسه، من الممكن أن نستبعد الجينات التي تؤدي إلى الأمراض المختلفة ويمكن تمرير هذه الإصلاحات في الجينوم البشري إلى الأجيال اللاحقة. قد تتيح التقنية الجديدة أيضاً إدخال جينات تفيد في الحصول على مناعة ضد الأورام والالتهابات، مرض الزهايمر، أو حتى الشيخوخة. ستكون هذه إنجازات تاريخية في عالم الطب الحديث وستكون على نفس القدر من الأهمية من اللقاحات بالنسبة للأجيال الماضية.
لاشك أن الموضوع مثير للحيرة، هناك خوف يشير له أنتونيو حول استخدام هذه الهندسة الجينية في خلق جنس مثالي وفقاً للأهواء. ذكاء، لون، شكل.. كل مايمكن أن نتخيل.
بعد ثلاثة سنوات على إطلاقه يستخدم العلماء حالياً مشروع CRISPR على نطاق واسع كأداة للبحث عن واستبدال الحمض النووي، على مستوى حرف واحد (يحتاج الحمض النووي لأربع أساسات وهي A,C,G و T “الأدونين- السيتوزين- الغوانين- الثيمين” لإنتاج كامل التنوع الموجود في الحياة.) تتميز هذه التقنية بالدقة البالغة حيث أنها تعد بالتحول إلى تقنية وطريقة جديدة وثورية للعلاج الجيني على الأفراد الذين يعانون أمراضاً شديدة. يمكن تلخيص فكرة مشروع CRISPR بأنه سيتيح للعلماء باستبدال الجين المعيب فوراً أو تعديله حتى. كحالة مريض يعاني من فقر الدم مثلاً، لكن التغييرات في الجينات لن تنتقل إلى الأجيال اللاحقة وسيبقى الأمر مرحلياً.

من ناحية أخرى فإن التعديلات الهندسية على الحمض النووي في سلالات الجراثيم سيتم تمريرها إلى الأجيال الأخرى، وهذا ما كان دائماً العائق الوحيد الذي جعل فكرة الهندسة الجينية معرض رفض شديد. وحتى الآن لا تزال الكلمة الأخيرة بيد الروادع الأخلاقية والحذر الشديد. حيث منعت بعض البلدان وليست الولايات المتحدة من بينها التعديل على سلالات الجراثيم، كما استنتجت مجتمعات العلماء بالإجماع أن التعديل على السلالات الجرثومية سيكون خطيراً جداً. تشير اتفاقية الاتحاد الأوروبي حول حقوق الإنسان والطب الحيوي أن التعديل على الجينات سيكون جريمة ضد الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان.

أتت كل هذه التصريحات والآراء قبل أن يتمكن أحد من التعديل بدقة على سلالات الجراثيم. لكن الآن أصبح ذلك ممكناً باستخدام مشروع CRISPR.

ويبدو أنه يمكن باستخدام CRISPR التعديل على الجنين البشري بكل سهولة.

تقول جينيفر دودنا Jennifer Doudna العالمة في علم الأحياء “يمكن لأي عالم بمعرفة وخبرة صغيرة في بيولوجيا الجزيئات والعمل مع الأجنة استخدام CRISPR” فمثلاً يتم في مخبر غوبينغ فينج Guoping Fenge وهو عالم أعصاب في معهد مكغوفيرن McGovern Institute لأبحاث الدماغ العمل على إنشاء مستعمرة من قردة مارموسيت Marmoset Monkeys بهدف استخدام CRISPR لإنشاء نماذج دقيقة من أمراض الدماغ لدى الإنسان. لإنشاء هذه النماذج، سيقوم فينج بتعديل الحمض النووي للأجنة ومن ثم ينقلها إلى الإناث للحصول على قردة معدلة. يأمل فينج باستبدال جين واحد وهو المعروف باسم SHANK3. يشترك الجين في عملية اتصال العصبونات واختفاؤه في الأطفال يولد التوحد.

لم يتمكن أحد قبل ظهور CRISPR من التعديل على الحمض النووي للرئيسات بالدقة المطلوبة. يحتوي نظام CRISPR على أنزيم التقاط للجينات وجزيء يمكن برمجته لاستهداف تركيبات فريدة من أحرف الحمض النووي A،G،C وT وبحقن هذه المكونات في الخلية الحية وستقوم باقتطاع وتعديل الأحرف المستهدفة.
ومع ذلك فلا يمكن أن نقول عن CRISPR أنه كامل، فليعمل يجب حقن المكونات التي سيتم بها تعديل الخلية في البويضة الملقحة قبل أن تبدأ بالانقسام في مرحلة تسمى فيها البويضة المخصبة Zygote ويقول فينج أن نسبة نجاح CRISPR في حذف أو استبدال أو التعديل على جين في بويضة ما تبلغ 40 بالمئة فقط.
وبشكل مشابه للبشر تملك القرود نسختين من أغلب الجينات، نسخة من كل من الأبوين. وأحياناً يتم التعديل على النسختين وأحياناً يتم التعديل على واحدة فقط ومن المحتمل أيضاً أن لا يحصل التعديل على أي من النسختين. وفي حالة تجربة قردة المارموسيت لم يصل سوى نصف الأجنة المعدلة إلى ولادات ناجحة، ومن بين الأجنة التي نجحت في تحقيق الولادة لم يجد فينج التعديل سوى في بعض الأجنة التي احتوت على مزيج من الخلايا المعدلة والغير المعدلة. وبعد المقارنة ودراسة حالات النجاح يجب التعديل على 20 جنيناً لنحصل على جنين واحد ناجح يؤدي إلى ولادة بخلايا معدلة كلياً.

قد لا تكون هذه مشكلة للعلماء أثناء العمل على القردة لكنها تطرح مشاكل جمة في حال وجود النية في استخدام هذه العمليات للتعديل على البويضات البشرية. هذا ما يدفع الكثير من العلماء للوقوف في وجه محاولات التعديل على الأجنة البشرية، ومع ذلك يظن أغلب العلماء أننا لانبعد سوى 10 إلى 20 عاماً عن التعديل على الأجنة البشرية بنجاح على اعتبار أن هدف العلم الأسمى هو تخفيف الألم والمعاناة على البشرية وتخليصها من الأمرضا والأوبئة. من بين المشاكل التي قد تحصل أثناء استخدام CRISPR هو الآثار الجانبية الغير متوقعة أبداً أو تغيير أجزاء من الجينوم بعيداً عما خطط له العلماء، فأي جنين بشري يتم تعديله باستخدام CRISPR اليوم يحمل خطر تعديل جينومه بطرق غير متوقعة. يتوقع فينج أنه وعلى المدى البعيد سنتمكن من تحسين الصحة، وتخفيض تكاليف المعالجة لكنه يقول أيضاً أنه من الصعب توقع المستقبل، لكن تصحيح أخطار الأوبئة قد يكون احتمالاً أيضاً ويجب الحذر من ذلك.

التعديل على البويضات

يتم في مخابر أخرى العمل على احتمالات أخرى باستخدام CRISPR تجعل منه ابتكاراً أقوى ففي بوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية يتم استخدام استراتيجية تجمع CRISPR بالاكتشافات المتتابعة المتعلقة بالخلايا الجذعية. يظن العلماء في العديد من المختبرات أنهم سيتمكنون قريباً من استخدام الخلايا الجذعية لإنتاج بويضات ونطاف في المختبر. وعلى عكس الأجنة، يمكن للخلايا الجذعية أن تنمو وتتكاثر. وبذلك قد تكون الخلايا الجذعية طريقة أفضل بكثير للحصول على حمض نووي معدل باستخدام CRISPR.
يمكن لهذه الطريقة أن تحصل وفق التالي: أولاً، يتم تعديل الجينات في الخلايا الجذعية. ثانياً، يتم تحويل الخلايا الجذعية إلى بويضات أو نطاف. ثالثاً، يتم إنتاج جنين. تعد هذه القدرات والتطورات قوة قادرة على تغيير العالم حرفياً وبدأ بعض المستثمرين ينظرون إليها تجارياً.

هناك شركة باسم OvaScience تجمع وتدرس ما تعتقد أنها خلايا جذعية لتشكيل البويضات من الطبقة الخارجية للمبيض عند الإناث. لم تطور الشركة تقنياتها في الخلايا الجذعية بالشكل المطلوب بعد – حيث لم تثبت حتى الآن أن البويضات التي تنتجها في المختبر صالحة – لكن هناك من يتوقع أن البويضات الفعالة تحتاج إلى الوقت ولاشك في وجودها والحصول عليها من الخلايا الجذعية فحال عمل التقنية بشكل جيد، ستتمكن النساء المعانيات من العقم من إنتاج مئات البويضات، وربما مئات الأجنة أيضاً. باستخدام تحليل سلاسل الحمض النووي لتحليل جيناتها سيتمكن العلماء من اختيار الجينات الأفضل واستبعاد الجينات السيئة.

قد تكون الأجنة المحسنة وراثياً ممكنة التحقيق. يقول العلماء للمستثمرين أنهم يحاولون استبدل الحمض النووي للخلايا الجذعية للبويضات باستخدام التعديل الجيني، قد تكون التقنيات الجديدة في تعديل الجينوم قابلة للتطبيق على الأفراد الذين لا يرغبون باستخدام التلقيح الصناعي للإنجاب بل للحصول على أجنة أفضل صحة أيضاً إن كان هناك أي مرض متوارث في العائلة.
سيستخدم التعديل الجيني مستقبلاً لعلاج الأمراض المتوارثة في العائلة الواحدة وتعد شركة OvaScience من الشركات التي تعمل على ذلك وهناك لغزان يتعامل معهما العلماء الآن في هذا الهدف الأول هو الخلايا الجذعية والآخر هو التعديل على الجينات. هناك ضرورة لإنتاج أعداد كبيرة من بويضات الخلايا الجذعية للحصول على نتائج مستقرة باستخدام CRISPR والتأكد من خلو البويضات من الأخطاء قبل إنتاجها. لكن هناك الكثير من الأسئلة التي تمنع العلماء من العمل على ذلك حالياً والكثير من هذه الأسئلة أخلاقية واجتماعية.

تحسين البشر

إن أصبح تطبيق الهندسة الجينية جزءاً من العلوم الطبية، سيؤدي هذا إلى تغييرات جذرية في صحة البشر بنتائج قد تتضمن مدى عمر أطول، وتأثيرات اقتصادية عدة. لكنه سيخلق أيضاً معضلات أخلاقية وتحديات اجتماعية. ماذا لو كانت هذه التغييرات متوفرة فقط لدى الأغنياء فقط؟ عملية الإخصاب تكلف حالياً حوالي 20 ألف دولاراً أمريكياً في الولايات المتحدة. إن أضفنا إليها تكاليف التحاليل والاختبارات الجينية والتبرع بالبويضات، سيصل السعر إلى 100 ألف دولاراً.
يظن آخرون أنه لايوجد أسباب كافية لاستمرار العمل على هذه الطرق. حيث لا يرى خبراء القانون الفائدة من هذه الطرق للتعديل على الأجنة البشرية أو حاجة لذلك. يقول هانك غريلي Hank Greely البروفسور في القانون أن المشكلة حالياَ أنه بالإمكان الآن اختبار الحمض النووي في عمليات الإخصاب والتلقيح الصناعي واختيار الجينات الصالحة، وهي عملية تضيف حوالي 4000 دولار على تكاليف عملية الإخصاب. يمكن لرجل مصاب بداء هنتينغتون Huntington أن يستخدم نطافه لتخصيب عدة بويضات لدى شريكته. وسيخلو نصف الأجنة المنتجة من داء هنتغتون ويمكن استخدام هذه الأجنة الصالحة في عملية الحمل الصناعي.

يضع النقاد التعديلات الجينية معرض الكثير من المخاوف. إذ يقولون أن الأطفال سيكونون موضوعاً للتجارب، وسيتأثر الأهل بالعروض من شركات التلقيح الصناعي. ستقود عمليات التعديل الوراثي إلى نتائج إيجابية بالتأكيد. وستشجع على انتشار جينات متفوقة. لكنها ستؤثر على الأجيال القادمة بطرق قد لا تكون متوقعة ولا يمكن عكسها. توقع آخرون أن الاستخدامات التي يصعب معارضتها ستكون واضحة. قد يكون لدى ثنائي مثلاً العديد من الأمراض الجينية، ولا يتمكنان من إنجاب طفل سليم. معالجة العقم نقطة إيجابية أخرى، لا يتمكن بعض الرجال من إنتاج النطاف في حالة تعرف باسم azoospermia وأحد أسبابها هو عيب جيني يكون فيه حوالى 6 مليون حرفاً من أحرف الحمض النووي ناقصة في كروموزوم Y لدى الرجل. يقول العلماء أن من المحتمل أخذ خلية من الجلد مثلاً وتحويلها إلى خلية جذعية، يتم إصلاح حمضها النووي ومن ثم إنتاج نطاف لهذا الرجل ستغير عملية كهذه تاريخ الطب إلى الأبد.

تعد دقة CRISPR هي ما يقود كل هذه الأحلام والعمل في تعديل الجينات على الرغم من عدم اكتماله كتقنية ناجحة مئة بالمئة. ومع العمل على تطوير هذه التقنية يعتقد العلماء أن بإمكانا استبدال الحمض النووي دون ظهور أي آثار جانبية وهو ما يجعل هذه التقنية مغرية جداً بالنسبة للعلماء.
يظن العلماء أن تحسين البشر باستخدام كريسبر قد لا يقتصر على استبدال الجينات. قد يكون كريسبر مفتاح تعزيز قدرات البشر أيضاً. يقول العلماء أن هناك حوالي عشر جينات إن ولد البشر بوجودها فإنها قادرة على منحهم قدرات خارقة أو مناعة ضد الأمراض والأوبئة. بعض هذه الجينات قد يجعل العظام قاسية إلى درجة يمكنها كسر منشار جراحي. ويمكن لجين آخر أن يقضي على أي احتمال بالتعرض للنوبات القلبية. حتى أن هناك جيناً يعطي مناعة ضد الزهايمر. يبقي على القدرات العقلية حادة حتى مع تقدم العمر.
يظن العلماء أن بالإمكان استخدام CRISPR لتوفير الجينات الأكثر رغبة لدى البشر، مايجعل التعديل على الجينات يعمل عمل اللقاح. ليس ضد الفيروسات فقط بل ضد أكثر الأمراض شيوعاً اليوم.
يقول بعض المفكرين أننا لا يجب أن نعمل على تحسين الجنس البشري. قد لا يكون الجينوم البشري مثالياً ولم توافق سوى نسبة 46 بالمئة من البالغين على التعديلات الوراثية لخفض احتمال الإصابة بالأمراض الوراثية أو غيرها. ويقول البعض أننا يجب أن نسعى في التعديلات إن كانت ممكنة للحصول على نسب ذكاء أعلى على الرغم من عدم فهم الطرق التي تتدخل بها الجينات في الذكاء بشكل جيد بعد.

ماذا لو أمكننا الحصول على بشر أذكى بقليل؟ ولو عدد قليل من هؤلاء؟ أو عدد قليل من الأشخاص خارقي الذكاء. قد يغير هذا العالم عن طريق اكتشافات هؤلاء وإبداعهم، وعن طريق الابتكارات التي قد يأتون بها. يعني التقدم في العلوم الجينية والتقنيات الحيوية بالنسبة لبعض العلماء أن الهندسة الجينية لا تملك حدوداً. ستظهر بعض الأسئلة عن أمان هذه التقنية بالطبع. فقبل بدء التعديل على الأجنة البشرية يجب أن نجري الاختبارات على الحيوانات، لنتأكد أنها طبيعية. لكن وفي النهاية إذا تغلبت الفوائد على الأخطار في النسبة فإن الطب لن يوفر فرصة في التجربة.

يعترف العلماء بمدى قوة CRISPR ويدركون أبعاد قدراته. لكن قوته ذات حدين شأنه شأن أي ابتكار أتت به البشرية يجب أن نتأكد من تطبيقه بحذر حيث سيصبح متوافراً في أيدي الجميع. ماهي القوانين الناظمة لاستخدام CRISPR أو محدودياته؟ يظن العلماء أنه من الواجب تواجد روادع لاستخدامه وسيكون ذلك صعباً. انتشرت أبحاث التقنية الحيوية Biotechnology حول العالم وأصبح هناك ملايين الموظفين الذين يعملون في مجالها. لايوجد سلطة واحدة تتكلم باسم العلم وليس هناك طريقة سهلة لإعادة هذا الجني إلى مصباحه. يصر بعض العلماء على وجود اتفاقية يوقع عليها جميع العلماء بوقف أبحاث التعديل الوراثي على البشر مؤقتاً ريثما يتم اكتشاف طرق للتحكم به.

يقول العلماء أن النوع الوحيد من الأبحاث التي يجب أن تجري اليوم هي الأبحاث التي تهدف لفهم سلامة وأمان وكفاءة CRISPR وتطبيقاته في أوساط غير بشرية طبعاً. بدأت بعض الشركات التي تدرك مدى الأخطار التي قد يجلبها CRISPR باتخاذ مواقف ثابتة ضد الأبحاث التي تجري باستخدامه. لم يظن أحد يوماً أن العلم سيصل إلى هذه المرحلة في التعديل على الأجنة البشرية إذ لطالما كان الحديث عن هذه الإمكانيات نظرياً فقط.
فجأة أصبح الحلم حقيقة. لكن ألم يكن الهدف دائماً فهم والتحكم بنظامنا الحيوي أن نصبح أسياد العمليات التي تؤدي إلى خلقنا؟

السمع عبر الفم

طور باحثون من الولايات المتحدة جهازاً فموياً يستطيع أن يساعد في نقل الأصوات لذوي الاحتياجات الخاصة في السمع  عن طريق اهتزازات على ألسنتهم. ويعد الباحثون أنه سيكون زهيد الثمن، أكثر سلاسة وفعالاً أكثر من الأذن الصناعية. بمعنى آخر، نحن أمام نظرة جديدة للسمع. السمع عبر الفم
يستخدم الجهاز قطعة تعمل بتقنية بلوتوث لالتقاط الأصوات، ومن ثم تقوم بتحويل هذه الأصوات إلى نبضات كهربائية يتم تحويلها إلى اهتزازات بنمط معين إلى مستقبل يوضع في أعلى الفم ليضغط عليه المستخدم بلسانه “فيسمع”.
تماثل طريقة عمل الجهاز طريقة عمل الأذن الصناعية أوعمليات الزرع في الأذن، لكنه لا يتطلب إجراء جراحة. في حالة زراعة الحلزون يجب ربط الإلكترودات على الحلزون في جسم المريض، وتقوم هذه الإلكترودات بتحريض العصب السمعي بنبضات كهربائية. أما القطعة الفموية الجديدة لا تطلب عمل العصب السمعي، لذلك من المتوقع أن تساعد طيفاً أوسع من ذوي الاحتياجات الخاصة في السمع.
يقول جون ويليامز John Williams وهو مهندس ميكانيكي من جامعة ولاية كولورادو Colorado State University، والذي ساهم في قيادة فريق البحث “هذا الحل أسهل بكثير من الخضوع لعملية جراحية ونظن أنه سيكون أرخص بكثير من عمليات الزراعة في الأذن. عمليات زراعة الحلزون فعالة للغاية وساهمت في تغيير حياة الكثير من الناس، لكن لا يستطيع الجميع أن يجري هذه العملية. نظن أن جهازنا سيكون بنفس الفاعلية وسيعمل مع الجميع بتكلفة أقل.”
مع التمرين، يستطيع الأشخاص الذين خضعوا لعمليات الزراعة أن يتعلموا تحويل النبضات الكهربائية التي يتلقاها عصبهم السمعي إلى معلومات صوتية. ويظن فريق وليامز أننا قادرون على فعل المثل بألسنتنا.
تحوي ألسنتنا آلاف الأعصاب، وأثبتت المنطقة من الدماغ التي تتلقى المعلومات من هذه الأعصاب سلفاً قدرتها على تحليل بيانات بالغة التعقيد. يعني هذا أن بمقدور الأشخاص نظرياً أن يتعلموا ترجمة الاهتزازات على ألسنتهم إلى كلمات، ما سيسمح لهم باسترجاع حاسة السمع.
ما سيشعر به المستخدم عندما يدفع بلسانه إلى أعلى الفم هو دغدغة بسيطة. لكن أدمغتهم تستطيع أن تتعلم التعامل مع وتحلل النمط المعين من النبضات الكهربائية وتترجمه إلى كلمات.
وكما يشرح لنا مايك هوكر Mike Hooker مدير العلاقات العامة والاتصالات في جامعة ولاية كولورادو، في الفيديو الموجود في الأسفل، فهذا مختلف عن تعليم لغة بريل للإشارات وقرائتها. لن يشعر المرضى بالاهتزازات ويفكروا بعد ذلك بالكلمة التي سيترجمون الإشارة إليها – ستتعلم أدمغتهم القيام بذلك أوتوماتيكياً. يمكن لأفواههم أن تتعلم الاستماع بالمعنى الحرفي.
يعتقد وليامز أننا سنحتاج لاستخدام القطعة الفموية، التي لن تكون ظاهرة للخارج، لمدة أسبوعين أو ثلاثة لنعلم الدماغ ترجمة الإشارات التي يتلقاها منها أوتوماتيكياً.
يعمل الفريق حالياً مع علماء أعصاب لوضع خريطة للمتلقيات الموجودة على اللسان وإيجاد أفضل الأنماط للالكترودات لاستخدامها في الجهاز. سيعطي هذا الباحثين معلومات هامة عن مدى الاتساق الموجود في اللسان. وفي حال كانت جميع الألسنة قادرة على الإحساس بالنبضات الكهربائية في المناطق نفسها، فهذا يعني أن بإمكانهم تصنيع جهاز معياري واحد. وإلا، قد يضطرون لتفصيل كل جهاز لمستخدمه، ما سيزيد من التكاليف.
لسوء الحظ، سيتطلب هذه التكنولوجيا بعض الوقت قبل أن يتسنى للعامة أن تستخدمها، لكن الفريق بدأ ومنذ الآن ببناء واختبار النماذج، وأطلق شركة ناشئة لتصنيع الجهاز حال اكتمال العمل على التقنية المستخدمة فيه.
إذا جرى كل شيء حسب المخطط، يأمل الفريق أن يفتح عالم الأصوات لجمهور كامل. فبعد كل شيء، لم يجب على الأذن أن تحظى بكل المتعة؟

من ScienceAlert

المشروع على موقع جامعة ولاية كولورادو

ما الذي يجعل متطابقة أويلر بهذا الجمال؟

تمثل متطابقة أويلر Euler’s Identity سحراً لعشاق الرياضيات في جمالها، حتى أنها تشير إلى تواصل غامض في الكون. إنها في كل مكان. أوصلهم الهوس بها ليبدو وكأن الكائنات الفضائية تحفرها في الأراضي الزراعية أو ما يعرف بدوائر المحاصيل crop circles لتوصل لنا رسائل معينة. 

ماهي قصة هذه المتطابقة الآن؟ هي معادلة رقمية بشكل أساسي، مرتبطة بتلك الثوابت الرياضية الصعبة الفهم كـ  π و e. كلاهما يعبر عن مقدار منهما عن مابعد فهمنا وتخيلنا، بشكل رقمي عشري، تسعى أرقامه بعد الفاصلة إلى اللانهاية. 

كلاهما منتشر في القوانين والمعادلات العلمية، لكنهما يأتيان من مكان مختلف: يحكم الرمز π أو ….3.14159 التناظر الكامل للدائرة، وهو في مجال الفضاء العامل الرئيسي في رياضيات الأمواج الضوئية. العدد النبري e أو …..2.71828 هو أساس التكبير الأسي أو النمو الأسي، وهو الطريق الأسرع الذي تسير وفقه عمليات مثل مضاعفة الربح، الانشطار النووي، قانون مور. يستخدم العدد النبري لنمذجة أي شيء ينمو رياضياً. 

هنا يأتي ليونارد أويلر، العالم العبقري السويسري الذي قدم لنا معادلة جديدة من نوع مختلف كلياً. 

عرض أويلر في كتابه مقدمة في تحليل اللانهائي Introduction to Analysis of the Infinite العلاقة القريبة بين كل من باي [pmath] pi [/pmath] والعدد النيبري [pmath] e [/pmath]، لكن طريقته كانت غريبة جداً. يرتبط المقداران في بعد عمودي على عالم الأشياء المادية – عالم يتم فيه القياس بواحدة يرمز لها بـ i وهي الجذر التربيعي للرقم 1- والذي لا يوجد بالطبع في العالم الحقيقي، ويطلق عليه العلماء عدداً تخيلياً.

فلنتخيل مخططاً بأعداد حقيقية على المحور الأفقي، في هذه الحالة تقع الأرقام التخيلية على المحور العمودي عليه. إذا تذكرنا التابع الأسي [pmath] f(x) = e^x [/pmath] فإن المخطط البياني له يماثل منحنياً يتجه نحو الأعلى وهو نموذج من نماذج التقدم. لكن إذا وضعنا i في المعادلة كما أوضح أويلر فإن المعادلة [pmath] e^ix [/pmath] ترسم دائرة حول مركز الإحداثيات بدلاً من المنحني – وهي دائرة لا نهائية تعترض الواقع في النقطتين 1- و 1+. أما إذا ما أضفنا محوراً إضافياً للزمن فسنحصل على حلزون يمتد نحو المستقبل (الاتجاه الموجب على محور الزمن) ويرسم هذا الحلزون موجة جيبية متذبذبة.

ما تبقى يسهل فهمه. إذا أخذنا التابع [pmath] f(x) = e^ix [/pmath] وكانت القيم بالتعويض x = π فنحصل على النتيجة [pmath] e ^ (i pi) = -1 [/pmath]. إذا أصلحنا المعادلة بطرفيها نحصل على التعبير الرياضي الشهير [pmath] e ^ ( i pi ) + 1 = 0 [/pmath].

الصورة من Wired.com
الصورة من Wired.com

وهذا هو جوهر نظرية أويلر: بالمخاطرة بمحور الأرقام الحقيقية للدخول إلى هذا البعد السماوي (بعد الزمن)، أظهر لنا أويلر أن التغير الأسي المتخلخل (في المقدار النيبري) ينخفض مع تكرار الرمز باي. قد نظن أننا نتقدم في الزمن، لكن ومن منظور آخر فإننا ندور في حلقات فقط.

قد لا تبدو المعادلات الرياضية جميلة، لكن إذا نظرنا إلى النتائج السابقة: نجد أنها تجمع الأرقام الخمسة الأساسية في الرياضيات ( 0, 1, e, i و π) على الرغم من عدم ارتباطهما بشكل واضح ومثبت يبقى كلا الرمزين متشابهين إلى حد بعيد، فكلاهما يرمز لأرقام عشرية لانهائية.

يمكننا أن نمضي بالمقدارين أبعد من ذلك أيضاً. فإذا كتبنا التابع السابق بشكل أكثر عموماً كالشكل[pmath] f(x) = e(zx) [/pmath] حيث [pmath] z=(a+bi) [/pmath] فإننا لا نحصل على دائرة بل على حلزون لوغاريتمي يجمع بين الدوران والامتداد، ويمكننا أن نجد هذه الحلزونات في كل مكان في الطبيعة من قوقعة حيوان النوتيلوس البحري إلى الأذرع الدوارة للمجرات. كما أنهما يرتبطان بالنسبة الذهبية (وهي رقم عشري لا نهائي أيضاً  …..1.61803 وسلسلة فيبوناتشي أيضاً (…..0,1,1,2,3,5,8,13,21,34,55,89) والتي تصف توضع وترتيب البتلات والأوراق في النباتات بشكل جميل.

لكن الجزء الأغرب في صيغة أويلر – نظراً لاعتمادها على الأعداد التخيلية – هو أنها مفيدة للغاية في العالم الحقيقي. بترجمة أحد أنماط الحركة لآخر، تسمح للمهندسين بتحويل المسائل المثلثية إلى جبرية أكثر بساطة. لنشبه الأمر بثقب دودي بين فرعين مستقلين من الرياضيات. إنها الخدعة السحرية التي استخدمت في صيغة فورير Fourier لتحويل الموسيقى إلى شكل رقمي، كما أنها تحول كل الأشكال الموجية في الميكانيك الكمي، الإلكترونيات، ومعالجة الإشارات، ومن دونها لما وجدت الحواسيب.

نهاية الأمر؟ قد يكون الأمر منطقياً أن الكائنات الفضائية تحاول إخبارنا شيئاً ما! 

Dream-Team2

من Wired و Science4All

البيانات الضخمة وصناعة الموسيقى

عن العلاقة التي تربط البيانات الضخمة بصناعة الموسيقى والتي يمكن أن تعد بمستقبل أفضل ربما لصناعة عانت الكثير من التخبط في عالم الإعلام الرقمي والإنترنت، يخبرنا جيرمي سيلفر Jeremy Silver في مدونته M E D I A C L A R I T Y
لطالما أثارت البيانات صناعة الموسيقى ورواد أعمالها، يعود ذلك منذ أن أصبحت قائمة Top 40 أفضل مصدر لعرض الموسيقى على الراديو. يضمن المركز الأول في قوائم أفضل المقاطع الموسيقية سمعة الفنان ومدير أعماله وكل ما يتعلق بأرباحهم وأرباح المؤسسات بينهما لزمن طويل.
ما المقصود بالبيانات الضخمة في مجال الموسيقى؟ تشير البيانات الضخمة في الغالب مجموعات البيانات هائلة الحجم والبالغة التعقيد التي يتم الحصول عليها من نشاط المستخدمين على الانترنت، خصوصاً في وسائط التواصل الاجتماعي كتويتر، فيس بوك، يوتيوب، أو من استعراض الصفحات على مواقع مثل ويكيبديا. يمكن لبيانات الموسيقى أن تحوي أيضاً على معلومات إضافية مثل معلومات تشغيل المقاطع الصوتية والمصورة، المحطات المدفوعة أو تنزيلات الموسيقى، أو حتى مشاركة المحتوى الموسيقي بطرق غير شرعية.
يمكن بجمع مجموعات البيانات التي تغطي كل هذه المجالات عن سلوك المستخدم الموسيقي الحصول على صورة أوضح مما يمكن أن نحصل عليه من قائمة أو سجل مبيعات فحسب. من الممكن بناء منصات بيانات كبيرة وأنظمة للتحليل اليوم لأننا وصلنا إلى مراحل متقدمة من المقدرات الحاسوبية للقيام بذلك. وبطبيعة الاستخدام اليومي، فهناك آلاف الجيغابايت من البيانات التي يتم توليدها نتيجة هذا النشاط، وهذا يتطلب أنظمة بالغة التعقيد والتطور لمعالجة هذه البيانات.
ومع ذلك فهناك فرق كبير بين بناء أنظمة ومنصات قادرة على طرح الأسئلة التي يمكن للبيانات أن تجيب عليها. وبين معرفة نوع الأسئلة التي يجب طرحها، ومن ثم توظيف الإجابات في أماكن مفيدة. هناك عدد قليل من الشركات التي تتعامل مع هذا النوع من النشاط مع التركيز على الموسيقى، وهناك عدد كبير من المستخدمين المهتمين بذلك. الفارق الأساسي هو أن الشركات المتخصصة بالموسيقى غالباً ماتجمع البيانات المتعلقة بالنشاط على شبكة الانترنت، دون الحاجة لتحليل بيانات المستخدمين بناء على مايريدون.

من المهم أيضاً أن نضيف أن جزءاً كبيراً من الأبحاث التي تجري عن هذه الأنواع من البيانات الكيرة مبنية على البيانات مجهولة الهوية. بكلمات أخرى، تبحث التحاليل عن الصيحات الأكثر شيوعاً بدلاً من اهتمامات مستخدم واحد أو نشاطه في عالم الموسيقى. وصلت متاجر كبرى مثل سلسلة Target في الولايات المتحدة الأمريكية إلى مراكز الريادة في مجال الأبحاث والتسويق المخصص المبني على تحاليل فردية لنشاطات المستخدمين.

غالباً ما تستخدم البيانات الضخمة للمساعدة على فهم ما حصل في الماضي القريب: حسب الجنس Gender، الديموغرافيا، الجغرافيا والمنصات على الانترنت. كما تملك البيانات الضخمة القدرة ليتم استخدامها لتوقع هيئة المستقبل لكن هذا يبقى مجالاً متناقضاً وأقل اعتماداً. يمكن للتحاليل أن تتعرف على الفنانين والمقطوعات الموسيقية، ومن ثم معاينة الصيحات المنتشرة في الأنماط الموسيقية أو المدن المختلفة أو البلدان.
لا تزال البيانات الضخمة في أول أيامها في مجال الموسيقى. ولا نزال نسير على حواف ما يمكن فعله. سواء كان في رصد المواهب أوتسويق المبيعات. يمكن للبيانات الضخمة أن تساهم في الكثير في مجال الموسيقى. سيكشف التعاون بين التحاليل الحاسوبية والعلوم الاجتماعية في المستقبل عن طرق أكثر فعالية لتوجيه الموسيقى نحو الجمهور. من المحتمل أن يزداد تدفق البيانات الضخمة عبر البوابات الرقمية قبل أن تملأ صناعة الموسيقى فجوة المهارات، التي تمنعها حالياً من رؤية المنافع الحقيقية لعلم البيانات في صناعة الموسيقى.