الحب في زمن الخوارزميات (3): هل أنت واثق من أنك تريد حذف هذه العلاقة؟

the-formula-book-reviewالجزء الثالث من سلسلة مقالات: الحب في زمن الخوارزميات. تقوم السلسلة على بعض المقتطفات من كتاب لوك دورميل المميز: المعادلة، كيف تحل الخوارزميات كل مشاكلنا وتخلق المزيد Luke Dormehl:  The Formula, How Algorithms Solve All Our Problems- And Create More حول عالمنا المعاصر والمستقبل الذي يبدو أن الخوارزميات ستسيطر عليه بشكل أو بآخر، إن لم يكن هذا قد حدث بالفعل. يعد الكتاب من القراءات المميزة والواجبة على كل المهتمين في مجال التكنولوجيا عموماً نظراً لكم المعلومات والمراجع التاريخية التي تظهر صعود الخوارزميات ومحاولة الشركات استخدامها للسيطرة على كل نواحي الحياة تقريباً.
ومن غير الغريب ربما أن نبدأ اختيارنا بالعلاقات العاطفية في العالم المعاصر ودور الخوارزميات الجديد والمؤثر فيها.

هل أنت واثق من أنك تريد حذف هذه العلاقة؟

يعرف عالم الاجتماع البولندي زيغمنت بومان Zygmunt Bauman ” العلاقة الافتراضية” في كتابه “الحب السائل: ضعف العلاقات البشرية Liquid Love: On the Frailty of Human Bonds” واضعاً الحب بسياق علمي يتماشى مع السهولة والبساطة، منظور يخلو فيه الحب من المخاطر وبضمانات. يصف بومان الغرض الأساس من العلاقة الافتراضية “إن كنت ترغب به فليس هناك حاجة للانتظار Take The Waiting Out Of Waiting” لست بحاجة للفناء وأنت تسعى ولست بحاجة لتتعب لتحصل على النتائج.
على عكس العلاقات الحقيقية، يمكن خوض العلاقات الافتراضية بسهولة كما يمكن التنصل منها بسهولة. تبدو العلاقات الافتراضية ذكية ونظيفة، بالمقارنة مع العلاقات الحقيقية الثقيلة، التي تتحرك ببطء ويتطلب الخروج منها الكثير من الجهد كما أنها لا تخمد بسهولة.
لقد كبرت العلاقات على الانترنت عبر مواقع المواعدة على حساب الأشخاص، الأماكن التي قد تجمعهم بشريكهم والأعمدة التي تتحدث عن الحب في المجلات والصحف، لكن تبقى ميزة العلاقات الافتراضية كما وصفها أحدهم: “يمكنك دائماً أن تضغط زر Delete.”
يقول مؤسس موقع FreeDating دان وينتشيستر Dan Winchester أن المستقبل سيحوي “المزيد من العلاقات لكن نسب الطلاق ستكون أكثر.” قد يبدو هذا كلاماً غامضاً، لكنه سيكون نتيجة خوارزميات أفضل وأفضل مما هو موجود حسبما يقول وينتشيستر. يتابع: ” غالباً ما أتساءل، إن كانت عملية مطابقة الناس بأناس جيدين عملاً يزداد فاعلية ومتعة مع الوقت فقد يصبح الزواج في النهاية غير ضروري.”
فيما يبدو كلام وينتشيستر ظاهرة جديدة. يناقش الأخصائي النفسي الأمريكي باري شوارتز Barry Schwartz في أحد كتبه والذي نشر في عام 2004، لغز الخيار Paradox Of Choice: Why More Is Less ويقول أن كمية الخيارات المتوافرة في المواعدة أضحت مصدر قلق. في سياق العلاقات قرر التعامل مع لغز الخيار هذا بتقسيم العشاق ودراستهم.
أي كيف نحصل على الكفاءة عن طريق تقسيم وعزل سبل الإنتاج. في عصر التخصيص السهل، تصبح العلاقات عرضة للتخصيص أيضاً، وتشكلها الخيارات والتفضيلات إضافة للرغبات والتقلبات النفسية.
يتعارض هذا المنطلق الجديد مع ما تعلمناه منذ الصغر بفعل الثقافة التي نشأنا في كنفها. يجب على العاشق أن يكون فريداً، لا مجرد مجموعة من الإجابات التي تجيب عن مجموعة من الأسئلة، تكون الإجابة عن كل سؤال إما صحيحة أو خاطئة. سيجد كل من يتصفح الانترنت الآن بحثاً عن المواعدة نفسه بعد فترة من الزمن مجموعة إجابات.
ستصبح ملفات التعريف ترداداً لا نهائياً لكلمات وصفات من مثل ظريف، مرح، محب، منفتح، رومنسي ومحب للمغامرة : سيحاول الجميع أن يحطم هذا القالب السائد ليجذب انتباهاً أكثر، لكن سيتابع الجميع استقاء الصفات والمواصفات الشخصية من نفس الثقافة. يمكن لهذه المعايير أن تأتي ضمن الأسئلة التي توضع في تسلسل إعداد الملف الشخصي على مواقع المواعدة. هل يثيرك المال أكثر من العواصف الرعدية أم لا؟ هل تحب زينة الجسد Body Piercing أكثر من الإثارة الجنسية أم العكس؟ هل تريد من شريكك أن يمتلك القوة أو شعراً طويلاً فقط؟ “مع تواجد كل هذه المعادلات متساوية في واجهة الموقع وآلاف الخوارزميات التي تعمل تحتها، فليس هناك طريقة لنعرف ما سيؤثر على نتيجتنا النهائية.
سلط مقال من عام 2013 في صحيفة الغارديان الضوء على هذه المسألة، تقول الصحفية إيمي ويب Amy Webb التي تعتمد على خبرتها في خوارزميات المطابقة “عندما بدأت بالمواعدة على الانترنت، واجهت فيضاً من الأسئلة. وكنت صادقة ومباشرة في الإجابة. ثم بدأ صبري يبنفذ، لذلك بدأت بالنقر على ما بدا خياراً جيداً.”
لم يطل الوقت قبل أن تبدأ ويب بإعادة التفكير بالإجابات التي طلب منها إدخالها. أحبت ويب الرجال الأقوياء ممن يعملون بأيديهم، لكنها تساءلت ما إذا كانت هذه محاولة مبطنة ليعرف الموقع ما إذا كانت تحب أن تواعد حطاباً؟ فهم من يتميز “بالقوة والعمل بالأيدي،” كما قالت، وتابعت” لكنني لا أريد أن أتزوج من حطاب. حتى أنني لا أحب الأشجار إلى تلك الدرجة.”
بالطبع تعدد النتائج التي تأتي بها خوارزميات المطابقة ولعل أسوأها خوارزمية ركزت على الأزمة الوجودية باحتمال عدم وجود من يمكن أن يكون شريكك في العالم، يقول نيل كلارك وارن Neil Clark Warren “نرفض حوالي 16 بالمئة من طلبات المستخدمين الذين يتقدمون بطلبات عضوية على موقعنا،  لدينا سبع أسباب مختلفة لاستثناء الناس. إن كانوا مكتئبين، لأن الاكتئاب يرتبط بسلوكيات أخرى كثيرة. فلا نسمح للمكتئبين بالانضمام. وإن كان المشتركون ممن تزوج أكثر من ثلاث مرات، ما يستثني نسبة 15.5 بالمئة من الزيجات في الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، لدينا ما يسمى “Obstreperousness” وهم الناس الذين لا يمكن إرضاؤهم أبداً. تطرح عليهم الخيارات وينتقدونها بشدة. تعطيهم خيارات أخرى وسيقولون أنهم خجولون. ولدينا طرقنا في قياس واستكشاف ذلك، ونطلب من هؤلاء الناس عدم الانتساب إلى موقعنا بكل بساطة.”

المقال الثالث من سلسلة “الحب في زمن الخوارزميات”

المقال السابق: صنف/ي رغباتك/ي

الحب في زمن الخوارزميات (2): صنف/ي رغباتك/ي

the-formula-book-reviewالجزء الثاني من سلسلة مقالات: الحب في زمن الخوارزميات. تقوم السلسلة على بعض المقتطفات من كتاب لوك دورميل المميز: المعادلة، كيف تحل الخوارزميات كل مشاكلنا وتخلق المزيد Luke Dormehl:  The Formula, How Algorithms Solve All Our Problems- And Create More حول عالمنا المعاصر والمستقبل الذي يبدو أن الخوارزميات ستسيطر عليه بشكل أو بآخر، إن لم يكن هذا قد حدث بالفعل. يعد الكتاب من القراءات المميزة والواجبة على كل المهتمين في مجال التكنولوجيا عموماً نظراً لكم المعلومات والمراجع التاريخية التي تظهر صعود الخوارزميات ومحاولة الشركات استخدامها للسيطرة على كل نواحي الحياة تقريباً.
ومن غير الغريب ربما أن نبدأ اختيارنا بالعلاقات العاطفية في العالم المعاصر ودور الخوارزميات الجديد والمؤثر فيها.

 صنف/ي رغباتك/ي

لا يصنف موقع eHarmony نفسه كبقية المواقع التي تقدم خدمات مماثلة، أو أي مكان قد نرى فيه احتمال لقاء شريك محتمل. فوفق كلمات صاحب الموقع هو مصمم ” ليقدم أكثر من مجرد خدمة مواعدة” تعد المستخدم الأعزب والمؤهل بالتواصل بنجاح وصولاً إلى علاقة ناجحة مبنية على التوقع العلمي.” ولنقولها بطريقة أخرى، فإن الشخص الذي يستخدم خوارزميات eHarmony ليحصل على المواعدة Dates لا يحظى بعرض الحصول على المزيد منها بل الحصول على أفضلها أيضاً.
من المؤكد أن خدمات المواعد على الانترنت توفر فرصً أفضل من حيث الكم في إيجاد شريك لنا. يملك حوالي 30 بالمئة من سكان الأرض البالغ تعدادهم حالياً حوالي الـ 7 بليون شخصاً وصولاً إلى الانترنت، ويتصاعد هذا الرقم ليصل إلى أكثر من 80 بالمئة في بعض البلدان كالمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية حيث يبلغ استخدام الانترنت أعلى نسبه، وحيث كان “حقل المؤهلات العاطفية” متوافراً لنا (كما قال آلان كيركوف Alan Kerckhoff عالم الاجتماع) ومحدوداً بنفس الوقت لهؤلاء الذين كان من المحتمل أن نكون على اتصال معهم كجزء من شبكتنا الاجتماعية التي نخوضها كل يوم، يوفر لنا الانترنت الآن وصولاً إلى أعداد لا تقدر من الناس قد يصل إلى 2 بليون ومن هذا العدد هناك نسبة مئوية متزايدة ممن أظهروا اهتمامهم باستخدام الانترنت للعثور على الحب. في الشهر العادي، يدخل حوالي 25 مليون مستخدماً من جميع أنحاء العالم مواقع المواعدة.
لكن هل تقدم هذه المواقع تجربة أفضل؟ على الرغم من كل شيء هذه هي المهمة الرئيسية لموقع كـ eHarmony – والذي لا يحمي قاعدة بياناته من المستخدمين بحذر فحسب، بل والأكثر أهمية من ذلك الخوارزميات التي تعتمد على الخصائص والمستخدمة لمطابقة هؤلاء الزبائن.
إذا أردنا أن نتحدث على نطاق أوسع، تميل المواقع التي تقدم خدمات المطابقة بين الجنسين إلى الاعتماد على خوارزميات التشابه (مع قدر معين من مكملات التطابق الإضافية). تتم مطابقة الأزواج اعتماداً على عدة ميزات شخصية بالإضافة إلى مجموعة من القيم. قيم لا تنعكس فقط على ما يظنه مصممو الخوارزمية مهماً فقط، بل أيضاً على ما يثمنه زبائنهم. سمح هذا بدوره لطيف واسع من مواقع المطابقة بالظهور إلى جانب eHarmony، مقدمة خدمات المطابقة إلى زبائنها المختلفين الذين ينظرون إلى مختلف المعايير التي يرونها مهمة في التجربة العاطفية.
أما للمهتمين بالأرقام، هناك موقع OkCupid، والذي يأتي بعنوانه من المنطلق العلمي الذي يتبعه eHarmony قائلاً لمستخدميه “نحن نستخدم الرياضيات لنأتيك بالحب.”
بالنسبة لمن يقدس العلم ( أو أخصائيي تحسين النسل Eugenist ربما) هناك موقع GenePartner.com، وهو موقع يدعي أنه طور”معادلة لمطابقة الرجال والنساء في علاقات عاطفية بناءً على جيناتهم.” ويمكن للمستخدمين بمبلغ 249 دولاراً فقط أن يطلبوا مجموعة أدوات تجمع عينات من اللعاب يتم إرسالها فيما بعد إلى مختبر GenePartner حيث يتم تحليلها، ويتم إرسال النتائج إلى المستخدم. ويمكن للموقع لقاء رسوم إضافية  أن يجد شريكاً بمطابقة الجينات. يقول المتحدث الصحفي باسم الشركة “نشعر أنه من خلال تطابق الناس على أساس جينيّ بتلك الكيمياء النادرة التي نحلم بها، إن هذه رغبة الجسد واستجابته المتقبلة عندما تتناغم الأنظمة المناعية وتتطابق بشكل جيد مع بعضها البعض.” يؤدي التطابق الجيني إلى احتمال أكبر بالحصول على علاقة ناجحة، حياة جنسية أفضل، ومعدلات خصوبة أعلى.”
للأشخاص النرجسيين هناك موقع FindYourFaceMate.com، والذي يقول عن نفسه أنه “موقع مواعدة جديد ثوري يوظف برمجيات معقدة للتعرف على الوجوه وخوارزمية خاصة للتعرف على الشركاء الأكثر قدرة على إشعال الشغف الحقيقي والتوافق.” بناء على النظرية التي تقول أننا ننجذب جميعاً إلى الأشخاص الذين يملكون مميزات تمثل ما نملكه من مثيلاتها، يحمل مستخدمو FindYourFaceMate صورهم، والتي تم تحليلها بناءً على 9 بارامترات مختلفة للتعرف على الوجه ( العيون، الآذان، الأنف، الذقن وأجزاء متعددة من الفم) للبحث عن شركاء مناسبين في الوجه.
هناك أيضاً موقع BeautifulPeople.com – والذي يصفه مؤسسه ” بوابة على مجتمع يلائم الموهوبين بالجمال ” – حيث يمزج بين سطحية بالغة وأيديولوجية السوق الحرة، ملخصاً كل ذلك بقوله أن ” الجمال يكمن في أعين من يصوت.”
للأشخاص من الأحجام الكبيرة، هناك موقع LargeAndLovely.com حيث يلتقي ” الأعزب من الحجم الكبير بمن يحب ذلك.” وعلى نقيضه هناك موقع FitnessSingles.com حيث يمارس من هم في العلاقة التمارين الرياضية.
هناك مواقع من مثل SeaCaptainDate.com حيث يمكنك أن تجد شريكك الذي يحب المياه والإبحار أيضاً وموقع TrekPassions.com للمواعدة مابين محبي الخيار العلمي. حتى أنه هناك تلك المواقع التي تطابق بناءً على الخيار النباتي في الطعام مثل VeggieDate.org وتلك التي تطابق بناءً على الأذواق في الكتب مثل AlikeWise.com. حتى أن هناك مواقع تقوم بالمطابقة بين من يحبون البدلات الرسمية UniformDating.com
الفكرة هنا، هي أن نستمر في البحث حتى نجد تلك العقدة التي تلائم رغبتنا بالشكل الأمثل. بالنسبة للبعض، قد تكون النباتية في الطعام ميزة أساسية ولهذا السبب فهي شرط أساسي لشريكهم. وبالنسبة للبعض الآخر قد لا تكون هذه الميزة أساسية. ليس الانترنت خيار الجميع فحسب، كما ذكرنا في المقال السابق، بل هناك ما يلبي رغبات الجميع في هذا الفضاء الرحب.

المقال الثاني من سلسلة “الحب في زمن الخوارزميات”

المقال السابق: الحب في زمن الخوارزميات: خدمة eHarmony مثالاً

الحب في زمن الخوارزميات (1): خدمة eHarmony مثالاً

the-formula-book-reviewسنسرد في سلسلة المقالات القادمة “الحب في زمن الخوارزميات” بعض المقتطفات من كتاب لوك دورميل المميز: المعادلة، كيف تحل الخوارزميات كل مشاكلنا وتخلق المزيد Luke Dormehl:  The Formula, How Algorithms Solve All Our Problems- And Create More حول عالمنا المعاصر والمستقبل الذي يبدو أن الخوارزميات ستسيطر عليه بشكل أو بآخر، إن لم يكن هذا قد حدث بالفعل. يعد الكتاب من القراءات المميزة والواجبة على كل المهتمين في مجال التكنولوجيا عموماً نظراً لكم المعلومات والمراجع التاريخية التي تظهر صعود الخوارزميات ومحاولة الشركات استخدامها للسيطرة على كل نواحي الحياة تقريباً.
ومن غير الغريب ربما أن نبدأ اختيارنا بالعلاقات العاطفية في العالم المعاصر ودور الخوارزميات الجديد والمؤثر فيها.

السعي وراء التناغم الإلكتروني

إذا ما نظرنا إلى كلارك وارن Clark Warren سنراه بناءً على الانطباعات الأولية أكثر أصحاب الأعمال الناشئة فشلاً في عصر الانترنت. ولد وارن في الثامن عشر من شهر أيلول/ سبتمبر في عام 1934 كان وارن يبلغ من العمر 65 عاماً عندما أطلق شركته للمواعدة على الانترنت (موقع eHarmony)، لم يكن وارن مهووساً بالحواسيب. لم يكن يعرف كيف يرسل أو يتلقى رسالة إلكترونية حتى أقلعت شركته. يقول وارن” أقرّ أمامكم أنني لا أعرف الكثير عن الخوارزميات.”
لكن وإن كان وارن كبيراً بالعمر بحيث لم يكن جزءاً من التطور الحاسوبي الكبير الذي مررنا به، فقد كان في العمر المناسب ليعاصر ثورة تقنية أخرى مرت بها الولايات المتحدة. في عام 1935 وعندما كان وران يشارف على بلوغ السنة من العمر، نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالاً قالت فيه أن معدلات الطلاق ازدادت بنسبة تفوق الـ 2000 بالمئة. والأسوأ، هو أن الإحصائيات لم تقل القصة كاملة: وفقاً للمقال، كان نصف الأزواج الأمريكيين غير سعيدين. يعيشون وكما قال أحد الخبراء “ليسوا متزوجين لكنهم غير مطلقين..”
وكما هي الحالة في حالات التغيرات الأساسية في المجتمع، لم تقتصر الأسباب التي أدت إلى هذه الكارثة الاجتماعية على سبب واحد فقط بل كانت نتيجة عدد من العوامل المختلفة مجتمعة. أولي الحب أهمية أكبر من المسؤولية في الزواج باعتباره ووفق الاعتقاد السائد ينبوعاً للسعادة في الحياة. وللمرة الأولى، كان الطلاق أيضاً خياراً حقيقياً للناس في المجتمع. كانت المدن الأمريكية تنمو أكبر وأكبر كل يوم، فيما ابتعد الناس عن تجمعاتهم الصغيرة واختبروا مجموعة من الاحتمالات المختلفة التي لم تكن متوقعة في السابق. بدأت الولايات المتحدة تأخذ منحاً علمانياً، فيما تراجع دور الدين وتطورت المعادلات.
رافقت هذه الموجة ظهور علماء الاجتماع: والذين طرحوا تشبيه الزواج بالآلة، يجب الحفاظ عليها سلسة الحركة بالزيت وعلى عملها في جميع الأوقات. وكما لاحظ بول بوبينو Paul Popenoe، وهو أحد المشاركين في تأسيس الاستشارات في العلاقات الزوجية في الولايات المتحدة:

ليس هناك ما هو غامض في العلاقات الزوجية، أكثر من الغموض حول سيارة لا تعمل بشكل صحيح. يتفحص الميكانيكي الاحتمالات واحداً تلو الآخر: المقلع، المكربن، ناقل الحركة، الصمامات، وهكذا دواليك، ويجد موضع المشكلة، ويعالج المسبب إن كان ذلك ممكناً. ونحن نفعل ما هو مماثل بالزواج.

عانى وارن من المشاكل الزوجية بين والديه، وعلى الرغم من أنهما بقيا متزوجين على مدى 70 عاماً، لم يشعر وارن يوماً بأنهما ملائمان لبعضهما البعض.
يتذكر وارن: “كان والدي ناجحاً إلى درجة كبيرة، وكانت أمي لطيفة، ولكنها كان أضعف منه في الذكاء”. كان والد وارن يملك مركزاً لبيع سيارات شيفروليه، كما كان مالكاً لمتجر يبيع أزياء جون ديير John Dear ، ومتجر لبيع الأطعمة ــ وكان مهتماً بالسياسة العالمية، ويشكك دائماً بقضايا كالصراع الدائر بين اليهود والعرب. ويقول وارن عن أمه” لم تكن تعرف حتى بوجود الشرق الأوسط.”
dr-warrenيقول وارن: “كنت أخطط لدخول الوزارة لكنني اكتشفت أنني أشبه رجل شركة صغيرة بدلاً من منصب الوزارة”. بدأ وارن بعد حصوله على شهادة PhD من جامعة شيكاغو في طب النفس في عام 1967 العمل كمستشار علاقات زوجية. وفي عام 1992 أصبح من المشاهير بعد أن نشر كتاباً بعنوان “اعثر على حب حياتك Find The Love of Your Life” بيعت حوالي المليون نسخة من الكتاب لكن وارن وجد نفسه خائفاً. فقد قال بعد أن تضمن حديثه الاستشارات قبل الزواج أنه يترك الأمور متأخرة جداً بالنسبة إلى الأزواج. يقول وارن: ” يميل الناس لتكوين علاقات اجتماعية في وقت مبكر من علاقاتهم، ومهما كان ما يجدونه في تلك النقطة عما إذا كان يجدر بهم الزواج أم لا، فسيكون احتمال انفصالهم صغيراً جداً، أدركت أن الطريقة الوحيدة لجمع شخصين مع بعضهما هي قبل أن يلتقيا ويرتبطا بأي علاقة.”
على عكس الكثير من الأخصائيين النفسيين، اكتشف وارن في وقت مبكر وخلال مزاولته لعمله أنه كان مهتماً بالأجزاء الكمية من مجال دراسته والتي تخيف الناس غالباً. قرر أن يدرس هذا بدراسة جودة العلاقات الزوجية. بدأ وارن بعد بيع كتابه الأول بالعمل على مشروع بحثي ضخم، أجرى فيه مقابلات عديدة مع 800 زوجاً. وعندما انتهى من بحثه، قام بمقارنة النتائج التي حصل عليها من أكثر 200 ثنائي سعيد وأقلهم سعادة بعلاقتهم واستخدم هذه المقارنة لاستنتاج مجموعة من العوامل النفسية التي وجدها توقعية بشكل مذهل فيما يخص التوافق في الزواج. يقول وارن: “تقاطعت النتائج إلى درجة كبيرة مع ما وجدته من حوالي 40 عاماً من العلاج إلى درجة أصبحت فيها متأكداً مما أقوله.” وليحصل على نتائج منطقية من البيانات التي جمعها تواصل وارن طالباً خدمات شاب يعمل في الإحصاء واسمه Steve Carter، والذي يشغل منصب مساعد رئيس موقع eHarmony حالياً. وخلال إحدى المناسبات في بدايات عملهما مع بعضهما البعض رمى وارن بفكرة.
قال وارن” لم لا نعمل على موقع إلكتروني؟”
أجاب كارتر ” أتقصد، لاختبار جودة العلاقات الزوجية؟”
قاطعه وارن حينها قائلاً” ليس تماماً” ” كنت أفكر بموقع للمواعدة. يمكننا أن نستخدم نماذجنا في المطابقة كبداية وننطلق منها.”
على الرغم من بعض المعطيات الخاطئة، بدأ كارتر العمل على الموقع: حيث أعاد ترتيب البيانات بعناية وصاغه على شكل 436 سؤالاً لتوصيف الشخصية. تتم مطابقة الثنائيات تبعاً لقائمة أطلق عليها اسم ” 29 بعداً للمطابقة.” وضعت هذه الأبعاد بناءً على متغيرين أساسيين: الصفات الأساسية ” معرفة الجوانب المتعددة لشخصيتك والتي لا تتغير” والسمات الحيوية” بناءً على الخبرات والتي تتغير جراء أحداث نتعرض لها في حياتنا وقرارات نتخذها كبالغين”.
على الرغم من أن الخوارزميات لا تزال سرية لتجنب فحصها بدقة، ظهرت بعض التفاصيل .فالنساء على سبيل المثال لا تتطابق النساء أبداً مع رجال أقصر منهم، ما يعني أن الرجال لا يرتبطون بنساء أطول منهم. وهناك بارامترات عمرية أيضا، حيث تميل النساء بعمر 30 عاماً إلى الارتباط برجال بين الـ 27 والـ40 فيما يميل الرجال بعمر 30 إلى الارتباط بنساء بين الـ23 والـ33.
وفي النهاية كان ظهور eHarmony أكثر من مجرد إضافة جديدة إلى عالم مزدحم بمواقع المواعدة على الانترنت – لقد أحدث هذا الموقع تغييراً جذريا في الطريقة التي يفكر فيها الانترنت على صعيد المواعدة ومطابقة الأزواج يقول كارتر “كان وارن عنيداً إذ أراد لهذا الموقع أن يكون مبنياً على أسس علمية”
قبل ظهور eHarmony، أخذت معظم مواقع المواعدة شكلاً عادياً يعج بالإعلانات وقائمة على البحث، وبعد ظهور eHarmony استبدل نموذج محرك البحث بنظام مساعد للاقتراح والتوصية مبنياً على معايير وارن العلمية الدقيقة. فبدلاً من السماح للمستخدمين بالتصفح بين صفحات من الملفات الشخصية، يطلب منهم eHarmony ببساطة الإجابة على سلسلة من الأسئلة ــ ويقوم بالاختيار الصحيح نيابة عنهم.
أقلع الموقع في الثاني والعشرين من آب من عام 2000. وكان هناك بعض المشاكل الصغيرة بالطبع يقول وارن “استاءت إحدى النساء والتي كانت تعمل في شركة علاقات عامة عندما اكتشفت أن نتيجة مطابقتها كانت مع سائق شاحنة وتكرر هذا معها عندما حاولت ثانية. ما أريد قوله هنا، يمكن لسائق الشاحنة أن يكون ذكياً، لكن وبظنها كان هناك فارق مجتمعي ظنته مزعجاً، وظنت أننا لا نقوم بعملنا على الإطلاق.”
كانت النقطة المهمة كما قال كارتر عندما ساء الوضع أكثر حيث وضع جاي لينو Jay Leno (مقدم برنامج The Tonight Show الترفيهي الشهير في الولايات المتحدة) شعراً مستعاراً وبدأ يستهزء من وارن في برنامجه التلفزيوني، يقول وارن “لقد أدهشته قدرة هذا العجوز بشعره الأشيب على مطابقة الثنائيات للزواج. وعلى الرغم من أنه كان محرجاً إلا أنه عرف حينها أن موقعه أحدث الضجة المطلوبة. وفي نهاية 2001 كان هناك أكثر من 100 ألف شخص مسجل في الموقع ووصل العدد في آب من العام الذي تلاه إلى 415 ألف مسجل، بعد أن وصل العدد إلى 6 مليون في 2004، 8 مليون في 2006 و14 مليون في 2007. اليوم ساهمت خوارزميات eHarmony في نجاح 600 ألف زواجاً في الولايات المتحدة وبدأت الأعداد تتزايد خارج الولايات المتحدة. وكما تبين لاحقاً فقد كان هناك ضرورة لأساليب علمية للمطابقة والزواج، يقول كارتر” من وجهة نظري، لم أكن قادراً على تخيل ما يمكنني فعله بالإحصائيات إلى درجة تكون بتأثير ما فعلناه”

المقال الأول من سلسلة “الحب في زمن الخوارزميات”

ماشعور آخر جيل يتذكر الحياة قبل الإنترنت؟

TheEndofAbsence_300نشر الكاتب مايكل هاريس Michael Harris مؤخراً كتاباً جديداً مميزاً بعنوان The End of Absence: Reclaiming What We’ve Lost in a World of Constant Connection يحاول تذكر مظاهر الحياة قبل وجود الإنترنت بالتركيز على الأشخاص الذين لايزالوا يتذكروا هذا الأمر من مواليد 1985 وماقبل.
كان هذا الجيل يعيش حياة مختلفة مع خيارات تواصل وتسلية أقل. لم يكن أفضل أو أسوء من المجتمع الحالي حقيقة لنكون دقيقين. كانت مثل وجود التكنولوجيا، فقط موجودة!
ويعرض الكتاب أفكاراً مميزة جداً في هذا المجال فيقول مثلاً أن هذا الجيل هو حقيقة في موقع أفضل بشكل عام، كمعرفة أكثر من لغة فضلاً عن كونهم مترجمين متمكنين قبل وبعد الإنترنت.
من الأفكار المميزة أيضاً هي مشكلة التصرفات التي تصيب المجتمع الحالي مثل القلق الدائم، نتابع تحديث فيس بوك أو البريد الإلكتروني هذه الأيام بشكل دائماً وهو تغيير أساسي في التصرفات مقارنة بالجيل السابق الذي لم يعرف هذه الأمور. لايوجد في ذلك العصر قلق من هذا النوع ولم تكن الحاجة لمعلومات آنية ملحة بهذا الشكل. الأمر شخصي بالكامل وأتى نتيجة استخدام الإنترنت الدائم ودخولها لكل شيء في الحياة، ليس بسبب الإنترنت نفسها.
ويأخذ الكاتب في نهاية الكتاب عطلة من الإنترنت لمدة شهر. يقول الكاتب أن هذه التجربة كانت جيدة جداً وأقنعته بأن الإنترنت أقرب لأن يكون “تعويذة.” يقول أيضاً أن بعض الأشخاص غير قادرين على أن يكونوا بدون إنترنت لـ 8 ساعات حتى.
مع كل هذا، يقول الكاتب أيضاً بأن الإنترنت يمكن أن تكون مفيدة. الأمر أشبه بأن يحصل الإنسان على دليل أفضل في الحياة ولمعرفة الأمور بشكل أفضل.

كيف بدأ الكون؟ إلى أين يتجه؟ ومن ماذا أتى؟ كتاب A Universe from Nothing

ساهم إعلان آينشتاين عن نظرية النسبية في بدايات القرن الماضي في تطوير الفيزياء بشكل جوهري منذ عهد نيوتن. ليس فقط لأنها استطاعت تفسير مفاهيم متعلقة بالطاقة والكتلة وسرعة الضوء بل لأن شكلت أساساً لكثير من علماء الفيزياء والفضاء والفيزياء الجزيئية لتطوير فهمنا عن الكون ونشأته بشكل جوهري. باختصار، كانت الثورة التي قدمها آينشتاين في ربط الزمن Time بالفضاء Space عبر مفهوم “الزمكان Spacetime” الناتج عن ارتباطهما، كما قدمت النظرية أيضاً تأثير الأجسام ذات الكتل العالية جداً عليها.  علماء كثيرون عملوا في هذا لعل أشهرهم ستيفن هوكينغ أو لورنس كراوس الذي سأسرد أفكاره اليوم بالتفصيل.  

laurence_krauss
لورنس كراوس، ويكيبيديا

لورنس كراوس Lawrence M. Krauss هو عالم فضاء وعالم فيزياء نظرية قدم العديد من أفضل الكتب مبيعاً حول العلوم. أكثر مايعرف عنه هو التزامه في نشر العلوم للعموم وتبسيطها. مشاركاته متخصصة في الأفكار حول المادة المظمة والطاقة المظمة، ماسأتحدث عنه لاحقاً.

سأحاول الآن تلخيص أهم الأفكار المطروحة في الكتاب مستعيناً بموقع Blinkist المميز لتلخيص الكتب ومالفت انتباهي شخصياً مدعماً الأفكار بصور وفيديو من مصادر مختلفة. يساهم الكتاب في سرد التطور التاريخي لفهم الكون وعرض الدلائل العلمية التجريبية واحداً تلو الآخر التي أوصلت العلماء للتأكد من نشأة الكون ومستقبله وطبعاً، مفهوم كراوس حول “اللاشيء.” المثير للجدل. 

من المهم حول هذا المفهوم بالتحديد، تبيان أن محاولة كراوس (وإن تصاحبت ببعض الملاحظات والاستنتاجات الدينية) لاتعبر عن شيء بقدر تعبيرها عن محاولة لفهم علمي لمفهوم اللاشيء. اللاشيء الملموس المعروف بالنسبة لنا، والذي سينتنج عدم وجوده أصلاً. 

يذكر لورنس أن الكتاب أتى أساساً بعد أحد محاضراته التي تحمل نفس العنوان، والتي أثر انتشارها الكبير عليه في أن أراد نشر كتاب مفصل حول الموضوع. إليكم المحاضرة أولاً لمحبي التوسع.

من المهم أن أذكر هنا أن كتاب كراوس يبدأ بسرد تاريخي وفيزيائي وفضائي للتقدم في فهم البشر للكون على مدى العصور وكيف استقر كل مفهوم على أمور مثبتة ومؤكدة فيزيائياً، ثم ينتقل بعد ذلك إلى طرح مفهومه حول “اللاشيء” وكيف من الممكن أن ينتج “شيئاً.” لايخفي كراوس طبعاً في مقدمة الكتاب عدم إيمانه “كتدين” ولكنه لايتعرض للموضوع الديني المتعلق بجدله حول الخلق بشكل صريح إلا في الفصل الأخير من الكتاب.

أولاً: أهمية النظرية النسبية لآينشتاين وربط الفضاء بالزمن وتأثير الأجسام ذات الكتل العالية جداً عليها

بقيت نظرية نيوتن للجاذبية كافية لتفسير حركة كل عناصر الكون لكثيرين لقرون عدة. لكن في بدايات القرن العشرين، ولتفسير نشاط الجاذبية الغريب للأجسام الكبيرة جداً والبعيدة، نشر العالم ألبرت آينشتاين نظريته النسبية بعد سنين مع العمل. النظرية هذه (التي تتألف من مكونين نظرية خاصة ونظرية عامة)، طورت الفيزياء وسمحت لعلماء الكواكب والكون لدراسة وفهم عالمنا وكوننا بطريقة جديدة كلياً. طريقة ثورية. 

النظرية النسبية الخاصة هي الجزء المتخصص في بنية مايسمى بالزمكان Spacetime. تطرح هذه النظرية فكرة أن الفضاء والزمن ليسا منفصلين لكن مرتبطين بشكل جوهري بحيث أن السرعة التي يمر بها الوقت هي نسبية للسرعة التي تتحرك بها الأجسام. أظهرت النظرية أيضاً أنه لايمكن لشيء أن يتحرك بسرعة أكبر من سرعة الضوء. 

تتحدث النسبية الخاصة أيضاً أن المادة والطاقة محكومان بعلاقة. يمكن للمادة أن تتحول إلى طاقة والعكس صحيح. شرح هذا رياضياً عبر المعادلة الشهيرة E= mc2 (الطاقة = حاصل جداء الكتلة في مربع سرعة الضوء.)

من جهة أخرى تأتي النظرية النسبية العامة حول الجاذبية وتناقش تأثير الأجسام ذات الكتل العالية جداً على الزمكان. يشبه هذا التأثير مايحصل عندما نضع كرة زجاجية على شريحة مطاطية نحيفة جداً حيث تلتوي الشريحة. الشريحة المطاطية هنا هي الزمكان. كلما كانت كتلة الجسم أكبر يكون الإلتواء أكبر، هذا الإلتواء هو مايسبب سحب هذا الجسم للأجسام الأخرى الموجودة حوله. 

وتم تأكيد هذا الإلتواء عبر ظاهرة تدعى العدسة الجاذبية Gravitational Lensing: عندما يتحرك الضوء باتجاه جسم ذو كتلة عالية جداً مثل الثقب الأسود، يمكن لهذا الغور الناتج عن الإلتواء في الزمكان أن يثني الضوء حول الجسم. يستخدم علماء الفضاء هذه الظاهرة لدراسة النجوم والمجرات وراء الأجسام ذات الكتلة العالية جداً. 

هذا الشرح المميز والذي طبعاً شرحه كراوس في الكتاب بشكل تاريخي مميز جداً يبين أهمية نظرية آينشتاين النسبية في ربط الفضاء والزمن بمفهوم الزمكان ووضح تأثير الأجسام ذات الكتل العالية جداً عليها عبر لويها. 

ثانياً: تأكيد الدليل العلمي على أن الكون الممكن إدراكه في حالة توسع، وأن هذا التوسع في استمرار متسارع

ظل الإعتقاد السائد بين العلماء أن الكون ثابت وأبدي لفترة قريبة. بدأ هذا المفهوم بالتغير عندما أتى عالم فيزياء بلجيكي اسمه جورج ليميتر George Lemaitre (وهو قس مسيحي أيضاً بالمناسبة) ووضح أن نظرية آينشتاين للنسبية العام تتنبأ بكون غير ثابت أو أبدي، وأنه حقيقة في حالة من التوسع. طبعاً كانت الفكرة ثورية جداً  وقتها لدرجة أن آينشتاين نفسه وقتها قال: “رياضياتك صحيحة، لكن فيزيائك مقيتة.” وكما حالة العلوم بشكل عام، بقيت نظرية ليميتر نظرية لحين التأكد منها عبر الملاحظة التجريبية. 

أتى دليل هذه النظرية من عالم الفضاء الأمريكي فيستو سليفر Vesto Slipher ومراقباته للنجوم ذات السطوع العالي جداً في المجرات البعيدة. لدقة أكبر المقصود هنا هو الألوان التي تسطع بها. وجد سليفر أن الأمواج الضوئية الناتجة من مصدر يتحرك بعيداً عن المراقب تتوسع باستمرار (وهو ماعرف بتأثير دوبلر في الفيزياء) ولهذا ستبدو محمرّة (ذات لون أحمر) بازدياد. سبب هذا أن اللون الأحمر هو من الألوان ذات الموجة الطويلة في نهاية الطيف الضوئي. تأثير دوبلر هذا معروف أكثر في عالم الصوت ونلاحظه مثلاً  عندما تتحرك سيارة الإسعاف بعيداً عنا. تتمدد الموجات الصوتية الصادرة عن سيارة الإسعاف بحيث تكون ذات اهتزازات أقل lower pitch ويختلف الصوت بالنسبة لنا كـ “مراقب.”

الآن وعبر ملاحظة وقياس شدة الإحمرار ( أو مايعرف في عالم فيزياء الفضاء بـ red shift) للنجوم البعيدة، استنتج سليفر أن أغلب الأجسام في المجرة تتحرك بعيداً عنا. مؤكداً بذلك أن الكون هو فعلاً  في حالة توسع مستمر كما تنبأ ليميتر سابقاً. 

تقدم مهم آخر في دراسة توسع الكون حصل في عام 1929 عندما وضح عالم الفلك إدوين هابل Edwin Hubble بأنه كلما بعدت مجرة ما عنا، كلما كانت سرعتها في الإبتعاد أكبر. هذا الكشف المهم والمعروف باسم “قانون هابل Hubble’s Law” يبين فكرة مهمة جداً وهي أن التوسع في الكون لايحصل بوتيرة ثابتة بل هو متسارع! هذا التسارع يتطلب وجود قوة ما تسببه. يشرح كراوس بعض الأمور التاريخية المهمة خلال حديثه عن هابل وعن دور المرأة تحديداً في التمهيد لإكتشافات هابل والتي لم يقم العلم وقتها إعطائها حقها كمايجب. 

إذاً، هناك دليل علمي مثبت بالملاحظة التجريبية يؤكد توسع الكون وأن هذا التوسع متسارع. 

ثالثاً: تأكيد الدليل العلمي بأن الكون نشأ من حادثة الإنفجار العظيم Big Bang من 14 مليار سنة 

اكتشاف توسع الكون وأن حالته ليست ثابتة أبداً يأخذنا إلى البحث في سبب هذه الظاهرة، والتي استدل العلماء منها أن هناك لحظة معينة نشأ فيها الكون في الماضي وأوصلتنا لهذه الحالة من التوسع المستمر. تعرف هذه الحالة بالإنفجار العظيم Big Bang. وصلنا حالياً إلى مرحلة أكد فيها الدليل العلمي (وهو التوافق مابين التنبؤ النظري القائم على الرياضيات والفيزياء النظرية والملاحظة التجريبية empirical observation) حصول الإنفجار العظيم.  أحد مصادر هذا الدليل هو حركة المجرات. وجد العلماء أن جميع المجرات كانت في نفس الموضع في لحظة ما من الماضي عبر تتبع مسارها وسرعتها الحاليان. يعني هذا أنها كانت جميعاً في نفس المكان والزمان وبالتحديد منذ 13.72 مليار سنة. كل الكون الممكن إدراكه كان مركزاً في نقطة واحدة. 

مصدر آخر لهذه الحادثة هو الذرات التي تكون كوننا. كانت كل المادة الكونية مركزة في بلازما مهولة التركيز ومهولة الحرارة بناء على المفهوم النظري للإنفجار العظيم. عندما بدأ الكون بالتبرد، بدأت البروتونات والنترونات في هذه البلازما بتشكيل نوى الذرات. يمكننا اليوم عبر محاكاة هذه الظروف أن نتنبأ بالذرات الأولى التي تشكلت في هذه العملية. ويظهر من الوفرة الكونية لأخف العناصر (الهيدروجين والهيليوم والليثيوم) أن تنبؤات العلماء توافق تماماً مع كمياتها الملاحظة في الكون. مايزيد من قوة الدليل الخاص بفهمنها للإنفجار العظيم. 

تستطيع الفيزياء الكونية المعاصرة إنتاج صورة واضحة عن نشأة الكون من حركة النجوم إلى الوفرة الكونية للعناصر الخفيفة، رسم صورة واضحة لكون بدأ من نقطة واحدة ساخنة جداً منذ 14 مليار سنة تتوسع منها إلى الآن وستستمر.  

رابعاً: تأكيد الدليل العلمي على أن الكون مسطح وأن توسعه سيتباطئ تدريجياً

لاشك أن الكون في توسع، لكن في نفس الوقت هناك عامل مؤثر في ثنيه عن هذا التوسع وهو الجاذبية التي تقاوم ذلك. هنا، يأتي السؤال الذي يحير علماء الفضاء عن كون قوة الجاذبية كافية للوقوف ضد هذا التوسع على المدى الطويل.

جواب هذا السؤال يملي حقيقة شكل وقدر الكون الذي نعرفه، فإن كانت هذه الجاذبية كافية، سيعني هذا أننا سنصل لنقطة في النهاية إلى التحطم العظيم Big Crunch وهي المفهوم المعاكس تماماً للإنفجار العظيم. يوحي هذا ضمنياً بمايسمى مفهوم الكون “المغلق.”

 أما إذا كانت قوة التوسع أعظم سيوحي هذا بالكون “المفتوح” الذي سيستمر بالتوسع إلى اللانهاية.  هناك طبعاً مفهوم أخير وهو تساوي قوى التوسع مع الجاذبية، سيؤدي هذا إلى نوع من التوزان يبطئ توسع الكون تدريجياً. هنا يكون الكون متوازناً أو منبسطاً أو Flat.   وجد العلماء أن المفهوم الثالث الخاص بالكون المتوازن هو الصحيح، بمعنى طاقة الكون تصل إلى الصفر نتيجة التضاد بين سحب الجاذبية وقوة التوسع الذي يلغي كل منهما. طبعاً تنبأ علماء الفيزياء النظرية هذا الأمر عبر الرياضيات بفترة طويلة لكن وكما هي حال العلوم التجريبية كالفيزياء يتطلب الأمر دليلاً  تجريبياً لتأكيد المفهوم النظري. تجدر الإشارة هنا إلى أن الرياضيات مع قوتها غير كافية، الرياضيات هي اللغة القوية الوحيدة القادرة على تفسير العلم لكنها غير كافية لتأكيده. 

من المهم الإنتباه هنا إلى أن موضوع “تسطح” الكون هو موضوع إلى حد ما إشكالي (وهو مايحاول كراوس تأكيد أنه ليس كذلك) لذلك سأحاول تفصيل الموضوع قليلاً هنا. توسع الكون محكوم نهاية بالنزاع إن صح التعبير بين توسع الكون وسحب الجاذبية. نسبة هذا التوسع معبر عنها بما يسمى ثابت هابل Hubble Constant أو H0، بينما تعتمد قوة الجاذبية على الكثافة Density و الضغط Pressure الخاص بالمادة في الكون. ففي حال كان الضغط منخفضاً، كما هي حالة معظم أشكال المادة التي نعرفها، سيكون قدر الكون محكوماً بالكثافة. وإذا كانت الكثافة أقل من “نسبة الكثافة الحرجة” (والتي هي بدورها متناسبة مع مربع قيمة ثابت هابل) سيتوسع الكون إلى اللامالانهاية. أما إذا كانت الكثافة الخاصة بالكون أكبر من الحرجة فستفوز الجاذبية نهاية ونصل للتحطم العظيم. 

end_of_universe
وفقاً لنتائج مسبار ويلكنسون لتسجيل الأشعة الراديوية المتبقية من الإنفجار العظيم هناك شبه تأكد بأن الكون مسطح أو منبسط (بنسبة خطأ 0.4 بالمئة فقط) وهي مطابقة لمفهوم رياضاتي يمثله مترية فريدمان-لاميتر-روبرتسون-ووكر) يرمز لكثافة الكون بـ أوميغا Ω وتم التأكد بأنها 1 مايعني أن الكون مسطح (ويكيبيديا)

وصل العلماء لأفضل دليل على هذا عام 2003 من دراسة إشعاع الخلفية الكونية الميكروي Cosmic Microwave Background Radiation أو CMBR. الـ CMBR هو الإشعاع الطيفي الناتج عن الإنفجار العظيم. يساهم انتشار هذا الإشعاع في عرض صورة عن كوننا في بداياته حينما ظهرت المجرات. تمت مقارنة القياسات الخاصة بهذا الإشعاع مع التنبؤات الرياضياتية لمايجب أن تبدو عليه تجمعات المجرات أو Galaxy Clusters فيما إذا كان الكون “مفتوحاً أو مغلقاً أو متوازناً.” أكدت القياسات بالضبط مفهوم توازن أو انبساط الكون بحيث أن عملية التوسع هذه ستتباطئ شيئاً فشيئاً بدون أن تتوقف كلياً (علينا أن نتذكر هنا أنه وقياساً لسعة الكون العظيمة لايمكن أبداً ملاحظة هذا أو الإحساس به إلا عبر ملايين من السنين.)

الآن كيف نؤكد هذا؟ أطلقت ناسا مسبار خاص لدراسة هذا الأمر في 2001 باسم مسبار ويلكنسون لقياس اختلاف الموجات الراديوية Wilkinson Microwave Anisotropy Probe أو WMAP. تقول ناسا بأن نتائج WMAP وملاحظات سوبرنوفا  بعيدة تقترح أن توسع الكون هو حقيقية في تسار، والذي يلمح لوجود نوع جديد من المادة (سنتحدث عنه لاحقاً) يؤثر بضغط سلبي. الآن ومن 2013 آخر القياسات التي نتجت بعد تجارب مسبار WMAP وتجارب أخرى مثل MAT/TOCO و Boomerang و Maxima و DASI تثبت دقة مفهوم تسطح الكون بشكل دقيق جداً جداً وأن نسبة الخطأ هي 0.4 بالمئة فقط بعد فترة طويلة كانت نسبة الدقة فيها 15 بالمئة ونسبة الخطأ 2 بالمئة.

البروفيسور نيل دوغراس يشرح هذا

إليكم أيضاً فيديو يشرح سبب تسطح الكون، تجدر الإشارة هنا إلى أن الفيديو قبل 2013 وبالتالي يتحدث عن نسبة الدقة 15 بالمئة وليس ما أكدته ناسا بعد التجارب وكماسنرى بعد قليل في تأكد نموذج التضخم للإنفجار العظيم Inflation Model

خامساً: الفضاء الخالي ليس خالياً: الفضاء الخارجي محكوم بطاقة ومادة مظلمتان غير مرئيتان 

وصلنا إلى أحد أهم أفكار الكتاب أهمية وإثارة للجل. يعرض كراوس هنا المفهوم العلمي للاشيء وتفسيره الخاص له. لنتابع…

اعتقد العلماء ولفترة طويلة أن الكون مؤلف من مادة مرئية مثل النجوم والكواكب. لكن كشفت ملاحظات علمية مؤخراً أن غالبية المادة في الكون هي غير مرئية حقيقة متواجدة في الفضاء الفارغ ( “اللاشيء Nothing”) أعطى الفيزيائيون لهذه الظاهرة اسم المادة المظلمة dark matter. 

إضافة للمادة المظلمة وجد الفيزيائيون أيضاً أن الكون يخفي طاقة مظلمة Dark Energy. هذا الاكتشاف قائم على حقيقة أن توسع الكون متسارع، ولهذا لابد من وجود شيء يسببه. التفسير المنطقي الوحيد لهذه الظاهرة وجود طاقة غير معروفة من نوع ما في الفضاء تسبب هذه قوة التوسع هذه. لايزال أصل الطاقة المظلمة هذه غير معروفاً. 

وكما أن أغلب الطاقة في الكون غير مرئية، يبدو أيضاً أن المادة كذلك. وجد علماء الفضاء أن الطريقة الوحيدة لتفسير دوران مجرتنا وجود كتلة عالية جداً غير مرئية مقابل المادة المرئية. 

أراد العلماء بعد هذا التأكد من وجود المادة المظلمة هذه في الفضاء السحيق بين المجرات. تم دراسة هذا عبر تفحص التواء الضوء خلال انتقاله في هذه المسافات. استنتج العلماء أن هناك شيء ما يطبق جاذبية عليه: إنها المادة المظلمة. حقيقة الأمر أن العلماء وجدوا أن المادة المظلمة تشكل نسبة أكثر من 90% من كتلة الكون. 

يبدو أن كوننا محكوم ومسيطر عليه من قبل كتلة وطاقة من لاشيء!

مفاجأة أخرى هنا، يبدو أنه لايوجد مايكفي من البروتونات والنترونات في الكون لتشكيل هذه المادة المظلمة، مايعني أن هناك جسيم أولي Elementary Particle من نوع جديد في كوننا!

مشكلة المادة المظلمة أن العلماء متأكدين من وجودها لكن لم يستطيعوا تحديد ماهيتها ومصدرها بالضبط. أمر كهذا معروف في عالم الفيزياء والأمر بحاجة لبعض الوقت لبحثه، هناك الكثير من التفاسير والمحاولات والتجارب. إليكم أهمها

سادساً:  الجسيمات الإفتراضية وسر كتلة الكون

اللاشيء ليس لاشيئاً بعد الآن. التطورات في الفيزياء الجزيئية برهنت، وعلى مستوى دون ذري صغير جداً جداً، أن مانلاحظه كفضاء فارغ مليء حقيقة بجسيمات افتراضية Virtual Particles: تلك الجسيمات التي تظهر وتختفي في الكون بشكل أسرع بكثير ممايمكن قياسه. 

ما الذي يجعل الجسيمات الافتراضية هذه بعيدة المنال؟ لماذا لايمكننا ملاحظتها أو قياسها؟ 

سبب هذا وجود مايسمى بـ الجسيمات المضادة antiparticles. 

قدم العالم الفذ بول ديراك Paul Dirac عام 1928 نظرية تتطلب وجود جسيمات جديدة مطابقة للإلكترونات لكن بشحنات كهربائية معاكسة. أثبت هذا بعد عامين، عندما ساهمت تجارب العلماء على الإشعاعات الكونية Cosmic Rays في تأكيد وجود دليل على جسيمات كهذه سميت بالبوزيترونات Positrons. هذه البوزيترونات هي مضادات للإلكترونات. اكتشف العلماء وجود مضادات إلكترونات لكل لجسيم جزيئي تقريباً في الطبيعة. هناك أنتي (مضاد) بروتونات للبروتونات و أنتي (مضاد) نيترونات للنترونات. 

لهذه الجسميات خاصية مميزة بحيث تلغي كل منهما الأخرى في أي لحظة تلاقي ويتحولان لإشعاع. يجري الأمر بسرعة كبيرة جداً بحيث لايمكن للعلماء قياس مايجري مباشرة وبهذا يظهر الأمر كـ “لاشيء.” 

هذه هي الجسيمات المضادة، تلك الأزواج التي تظهر مع بعضها وتلغي بعضها مباشرة. 

اللاشيء ضمن البروتون. نمذجة للـ ديناميكا اللونية الكمومية (ويكيبيديا)

تولد هذه الجسيمات وإفنائها لبعضها هو مايولد 90% من كتلة الكون (مجمل الطاقة المظلمة والمادة المظلمة.) المادة مكونة من الذرات، الذرات مكونة من البروتونات والنترونات، البروتونات مكونة من كوراكات quarks تتحرك في الفضاء. المشكلة هنا هو أنه عندما نقيس كتلة البروتون، نجد أن كتلتها ليست في الكوراكات نفسها بل في المساحات “الفارغة” فيها. 

نحن كبشر مؤلفين من بروتونات ونترونات، لكن وبناء على السابق فإن الفراغ بين كوراكات البروتون هي ماتشكل 90% من كتلتنا. ينطبق الأمر نفسه على كتلة الكون. 

يشير كراوس إلى أحد أعمال العالم ديريك لاينويبر Derek Leinweber حيث أنه ومع العلم أن ملاحظة الجسيمات الإفتراضية شبه مستحيل لكن تأثيرها موجود.

سابعاً: الغالب أن الكون ظهر كمنطقة صغيرة من الفضاء الفارغ وتضخم بشكل سريع جداً

يعتقد العلماء اليوم بأن الكون توسع عبر التضخم inflation: وهي مرحلة من التوسع السريع جداً والعشوائي حصلت بعد ثوان من الإنفجار العظيم. السبب الأساسي وراء التضخم هذا غير معروف بعد لكن وبشكل مبسط، توسعت قطعة صغيرة جداً منه أضعافاً مضاعفة لتحتوي كوننا اليوم. 

مع توسع الكون ازدادت كمية الفراغ فيه، بمعنى أن الطاقة المظلمة الموجودة في هذا الفراغ نمت أيضاً. عندما انتهى التضخم هذا تحول بعض من هذه الطاقة إلى مادة. يقوم هذا على علاقة آينشتاين بين المادة والكتلة E=mc2. 

مفهوم الـ Inflation مهم لدرجة أكبر ممانتصور وسأحاول توضيح المفهوم هنا بشكل أكبر كون الكتاب ظهر في 2002 وجرى الكثير عليه حتى الآن في 2014. الأهم فيه أنه أتى في الثمانينات كحل لمجموعة من المشاكل الفيزيائية النظرية للإنفجار العظيم Big Bang. هذه المشاكل هي 1) مشكلة التسطح Flatness Problem ثم 2) مشكلة الأفق The Horizon Problem ثم 3) مشكلة القطب The Monopole Problem. كانت هذه مشاكل كبيرة وجوهرية في الإنفجار العظيم حقيقة. لهذه المشاكل نظريات واقتراحات عديدة، أكثرها للإثارة كان نظرية التضخم Inflation Theory.

الآن في آذار/ مارس 2014 هذا العام تأكد وجود دليل جديد من جامعة ستانفورد على أن مفهوم الـ تضخم Inflation هذا هو مفهوم دقيق وليس اقتراح علمي أو نظرية. كانت هذه أحد أجمل لحظات العلم بداية العالم عندما أخبر أحد الأساتذة المساعدين في جامعة ستانفورد. نقل الطالب تأكيدات عبر تجربة BICEP2 في القطب الجنوبي.

ولأجل جمال مصادفة المقال هذا، فقد نشر نفس الفريق العامل على التجربة في حزيران/ يونيو 2014 ورقة بحثية يطرح الكثير من الأسئلة الشائكة حول المفهوم نفسه لكن يُبقي تأكيده على رؤيته عن الموضوع. بمعنى آخر ارتفع معدل الأسئلة والشكوك بعد التأكيد الشبه حاسم. وكما حال العلم، لابد من تأكيد أي نظرية أو تشكيك من عدة مصادر مستقلة تصل لنفس النتائج. أجد أن هذا مهم في سياق حديثنا عن الكون وأصله. لنلاحظ هنا أن الأمر مرتبط بالتضخم Inflation وليس بالإنفجار العظيم نفسه. كما أن هذا لايعني أبداً أن التضخم خاطئ بمفهوم النفي، لأن هناك تأكيدات أخرى تأتي من تأكيد اكتشاف جسيم هيغز بوزون Higgs Boson وتأثيره على مفهوم تضخم الكون إلا أنها أحد التجارب التي تحاول تأكيده فيزيائياً بشكل آخر والتي لم تصل لنتائج مرضية كلياً بالمفهوم الفيزيائي.

عودة للكتاب الآن. هل خرجت المادة من الفضاء الفارغ إذاً؟ تفضي قوانين الفيزياء الكوانتية أنه وعلى مقاييس صغيرة جداً جداً، فضاؤنا يغلي بجسيمات افتراضية. أزواج من الجسيمات ومضاداتها تظهر وتختفي من الوجود. في بعض الأحيان تحدث ظاهرة تدعى الاهتزازات الكمومية Quantum fluctuations بحيث وبشكل لحظي يصدف أن يحدث عدم توازن في أعدادها.

كانت هذه الاهتزازات الكمومية في بداية الكون لصالح الجسيمات مقابل مضاداتها. هذه الحالة المؤقتة، والتي كانت فترتها الزمنية كفيلة بنتائج، تجمدت وتوسعت عندما بدأ التضخم. ولهذا وفي بعض الأماكن، تحولت الطاقة من الفضاء “الفارغ” وعلقت بهيئة جسيمات تحولت لاحقاً إلى مادة. 

هذه المادة – التي تنتشر الآن في كوننا الواسع- بدأت في التأثير على بعضها بقوى جاذبة مكونة كتلاً وصلت في النهاية لتشكيل مجرات وكتل مجرات نراها اليوم.

لهذا، نحن وكل شيء في هذا الكون نتيجة لاهتزازات كمومية كانت حقيقية “لاشيء” في بداية الكون والوقت. 

ثامناً: سيصل الكون يوماً ما لمرحلة توسع شديدة جداً، لايمكن أن نرصد فيها شيئاً إلا مجرتنا

يضع العلماء عندما يدرسون أصل وقدر الكون كل نظرياتهم على النجوم والمجرات الممكن رؤيتها، أو “الكون الممكن إدراكه Observable Universe.”

لكن الحقيقة أن هناك عدد لانهائي من المجرات الأخرى التي لايمكن ملاحظتها بسبب أن ضوئها لم يصل إلينا، ولن يصل.

حتى أن المجرات التي يمكن أن نلاحظها اليوم لن تكون ملاحظة دائماً بسبب توسع الكون. لتفسير هذه الفكرة، لنتخيل أن المجرات نقاط على بالون يتم نفخه وأن الطاقة المظلمة هي الهواء داخلة. كلما نفخنا في البالون، ابتعدت النقاط أكثر وأكثر وأكثر. 

كوننا الملاحظ الآن على عتبة التوسع بشكل سريع جداً لدرجة أن الضوء نفسه لن يستطيع مجاراته. المسافة بين المجرات ستتوسع إلى حد أكبر من قدرة سرعة الضوء على الانتقال بينها. يعني هذا أن المجرات التي يمكن أن نراه اليوم، ستتحرك بسرعة أكبر من قدرة الضوء الصادر منها على الوصول إلينا. وبالتالي لن نكون قادرين على ملاحظتها.

عندما يحصل هذا، لن يستطيع العلماء على الأرض من ملاحظة النجوم البعيدة التي أمنت لنا دليلنا لفهم الكون وطبيعته المتوازنة (المسطحة) والمتوسعة. كل الدلائل الممكن ملاحظتها ستختفي. لن نستطيع ملاحظة أي دليل على الإنفجار العظيم في الحقيقة، أو دليل وجود المادة والطاقة المظلمة أو حتى أن الكون نفسه يتوسع.

سيلاحظ الفيزيائيون الذين يدرسون الكون بعد ترليونات السنين في المستقبل الكون كما لاحظته البشرية قبل عهد آينشتاين: سيكون الكون ثابتاً وأبدياً على حالته ومع وجود مجرتنا كأهم عنصر فيه. سيكونون مخطئين، لكن لن يكون أمامهم أي دليل لمعرفة هذا. 

تاسعاً: الإختلاف الأساسي بين العلم والإلهيات (الإعتقادات الدينية) هي أن العلم يقوم على الملاحظة، بينما تحاول الإلهيات تفسير الكون وفقاً للمعتقد نفسه

هنا يطرح كراوس الفكرة المثيرة للجدل الأساسية في كتابه حول الإختلاف بين العلم والإلهيات. حيث يرى أنه ولآلاف السنين نظر البشر للعلم والدين لفهم الكون من حولهم وأصوله.  وبينما يجبر العلم معتقداته على أن تكون قائمة على دليل الحقيقة، تطلب الديانات من متبعيها تفسير الأمور وفقاً لماتراه هي حقيقة. مثال هذا تأكيد الكنسية الكاثوليكية على أن الأرض هي مركز الكون لفترة طويلة جداً بعد ملاحظة كوبرنيكوس أن هذا غير ممكن وأن الكثير من معتنقي المسيحية اليوم يرون أن عمر الكون 6000 عام فقط وبتجاهل الدليل الواضح على أنه ليس كذلك. 

وفيما يتعلق بنشأة الكون، لايوجد أي دليل يدعم الأفكار الدينية: لاوجود لقوة إلهية أو لكون أنشئ عبرها. جمال العلوم وفقاً لكراوس أنها لاتدعي معرفة الإجابات قبل التأكد وطرح الأسئلة. هنا يسأل العلماء خلافاً لعالمي الدين عن “كيف” وليس “لماذا.”

سؤال “لماذا؟” يفترض وجود السبب أو النية بينما “كيف؟” يحاول تحليل الأسباب التي أوصلت لظاهرة أو حدث معين. مثال هذا سؤال علماء الإلهيات عن “لماذا ظهر الكون؟” ومحاولاتهم للتفسير بناء على كل اعتقاد أو ديانة. بينما عندما يسأل العلم “كيف ظهر الكون؟” هو محاولة لمراقبة وفهم مايجري والبحث فيه.  وخلافاً لسؤال “لماذا؟” يأتي سؤال “كيف؟” كسؤال يؤدي إلى المزيد من المعرفة والفهم لكوننا. الإجابة الأخيرة على سؤال “كيف؟” لن تكون عبر التخمين أو الرؤيا أو الإعتقاد فقط. ستأتي – إن أتت – عبر الملاحظة والاستكشاف.

خلاصات

أثار الكتاب في طرحه هذا الكثير من الجدل، وهناك بعض الاعتراضات عليه خصوصاً أن كراوس يقر به كدليل لعدم وجود منشئ أو خالق للكون وبالتالي العنوان نفسه جدلي إلى حد كبير. حقيقة الأمر أن جميع النقاشات والمقالات التي قرأتها مع أو ضد الكتاب تغفل أمراً مهماً هو أن طريقة عمل العلم قائمة على الخطأ والصواب الملموس والإقرار به،  وبالتالي لايمكن نقد ماطرحه كراوس إلا بالفيزياء نفسها.

تقوم فكرة كراوس (ولهوكينغ رأي مشابه أيضاً في نشأة الكون) أن الفيزياء لايمكن أن تقبل أن بداية الكون جاءت من قوة عظيمة متمثلة بالإله. وحتى لو لم يملك الفيزيائي إجابة على “كيف” فهو سيبقى باحثاً عن الموضوع ويربط دائماً رياضياته بالملاحظة والتجربة (أحد أهم الأمور التي تميز العلم كالفيزياء عن لغة العلم كالرياضيات مثلاً، كون الرياضيات تعطي نتائج لايمكن تأكيدها بشكل قطعي إلا بعد التأكد منها فيزيائياً حتى لو كانت صحيحة بالكامل بالرموز.)

هناك اختلاف كبير عندما نقول أن هناك فيزيائي مؤمن وناجح وبالتالي نلغي كلام كراوس. الأمر ببساطة محكوم بأن الفيزياء إذا نظرنا بتجريد للموضوع لايهمها إن كان العامل بها مؤمناً أو لا لأن المعايير جوهرية ومختلفة. لايمكن أن يفسر الفيزيائي أي أمر إلا بمايمكن أن يلاحظ وبالتالي سيضع معتقداته جانباً ويفكر بالدليل الملاحظ حتى لو اعتقد ضمنياً أن هناك قوة إلهية وراء كل شيء ولن يتأثر بهذا. 

يعني هذا ببساطة أن فكرة التحدي التقليدي بين الفهم العلمي والديني للكون غير واردة أصلاً  لأن لكل منهما طريقة في التفسير والأمر يعود للإنسان في النهاية. من المهم هنا أيضاً وضع سياق الكتاب في السياق السياسي الأمريكي حول نظرة كثيرين في الولايات المتحدة للعلوم حقيقة وهو بحد ذاته مفاجئ لكثيرين من دول أخرى على الأرض. هناك علاقة شائكة بين التدين والعلوم في الولايات المتحدة. نجد كثير لهذه الدلالات في الكتاب وفي محاضرة كراوس. 

حتى أن مفهوم العدم الفلسفي لايمكن أن يوافق عليه العلم (والفيزياء تحديداً) لأن هذا هو هدف الفيزياء في الحياة أصلاً. قد يكون كراوس بالغ في المقارنة العلمية/ الفلسفية لتبيان فكرته كونها برأيي غير ناجحة أساساً، لكن لنضع أخيراً فكرة مهمة يقر بها كرواس هي أنه لايمانع وجود خطأ (قائم على الدليل الفيزيائي المثبت بالقياس وليس الرياضياتي النظري أو حتى الفيزياء النظرية الغير مثبتة) ووقتها قد يتغير المفهوم كلياً. أفكار علمية كثيرة بقيت صحيحة لقرون مثل جاذبية نيوتن إلى أن أتى آينشتاين وغير كل شيء ودُعم هذا لاحقاً بالبرهان التجريبي.

الفكرة التي يحق بها كراوس في النقاش الديني/ العلمي هي أنه (وخلافاً للمفهوم التقليدي للدين) لايدعي اليقين وغير مهتم أساساً بالإجابة على سؤال “لماذا؟”، ليس اليقين الفيزيائي القائم على الملاحظة ثم التجربة ثم التأكد (والتي بدورها لايمكن إلا أن تحمل نسبة خطأ ولو ضعيفة جداً جداً جداً)  بل اليقين الديني الذي لايقبل الجدل والنقاش، وهذا هو السبب بالذات التي أرى فيه أن الأمر لن يعود إلا للإنسان ومايعتقده في النهاية. 

لعل أشهر نقد لكتاب كراوس هو ماكتبه فيلسوف العلوم ديفيد ألبرت David Albert في مقال له كرد في صحيفة The New York Times. أكبر انتقاد لكرواس من قبل ديفيد هو أن هناك فرق كبير بين “اللاشيء” الذي يشير إليه كراوس، وهو لاشيء مستوحى من فيزياء الكوانتكم باسم Quantum Vacuum وبين مايشير إليه الفيلسوف أو عالم الديانات باللاشيء نفسه.

الإستنتاجات الأخرى غير مهمة وغير ضرورية وللأمانة يطرح كراوس نفسه الفكرة في كثير من نقاشاته، وغالباً ماتؤخذ تحديات العلم والدين أساساً بشكل بعيد عن الهدف الأساسي منها. حيث تتوجه لنقاشات جانبية لاتساهم في شيء وحقيقتها أنها ليست تحديات أصلاً كون كل منها يبحث في شيء ويختلف كلياً في الدليل وعلى ماذا يعتمد. 

الجميل في كل هذا أن العلم لن يتوقف، وسيبقى يبحث في براهين أدق.

نهاية أضع لكم أحد أهم المناقشات التي جرت مؤخراً والني توضح نقاشاً مميزاً وموسعاً من مجموعة من علماء الفيزياء والرياضيات حول الموضوع

لماذا نحب البحر؟ محاولة العلم معرفة سبب حبنا للمياه وعلاقتنا معها

لطالما أسرت المياه البشر. منذ الأزل والسبب في ذلك يتعدى التطور. عما كشفه العلم بهذا الخصوص يخبرنا والاس نيكولا WALLACE J. NICHOLS في مقال مطول على موقع Salon مقتبساً من كتابه: Blue Mind: The Surprising Science That Shows How Being Near, In, On, or Under Water Can Make You Happier, Healthier, More Connected and Better at What You Do، إليكم أهم أفكاره التي ننقلها لكم هنا في هايبرستيج. 

يستخدم العالم ستيفن سانداس Stephen Sands خوذة من ابتكاره تلعب دور مركز عصبيّ  لوحدة رسم كهربائي للدماغ EEG نقّالة – ستيفن ساندس خبير في طب الأحياء وهو رئيس مركز ساندس للأبحاث في كاليفورنيا، أمضى سنوات كبروفسور،ويستخدم صور الدماغ لدراسة داء ألزهايمر. أنشأ في 1998 شركة Neuroscan والتي أصبحت فيما بعد أكبر مزوّد لأجهزة المسح الكهربائي للدماغ EEG والبرامج المستخدمة في الأبحاث العصبيّة. أنشأ ستيفن أيضاً مركزاً للأبحاث باسمه في 2008 وهو عبارة عن شركة تعنى بمجال جديد يدعى التسويق العصبيّ  Neuromarketing، يعتمد هذا المجال على البيانات السلوكيّة والعصبيّة الحركيّة لتعقّب استجابة الدماغ للإعلانات. يقول ستيفن أن الناس تستجيب لأي نوع من المحفّزات ومن بينها الإعلانات، وينتج عن ذلك نشاط حركيّ  ظاهر، ونشاط غير ظاهر عصبيّ  لا يمكن تعقّبه بالوسائل المتعارف عليها والتقليديّة في مجال الأبحاث حاليّاً، فعندما تنشط مجموعات من العصبونات في الدماغ استجابةً لأي نوع من التحريض، ينتج عن ذلك شحنة كهربائيّة صغيرة ويتبعها تشكّل ردة الفعل للتحريض في قشرة المخّ. ويمكن للآلة التي ابتكرها ستيف بالفحص الدقيق لمكان صدور هذه الشحنات في الدماغ أن تقيس كل شيء من التفاعل وحتى ردات الفعل أو الانتباه، درجة التحريض البصري أو السمعي، والخ. وعند الجمع بين صور الرسم التخطيطي الكهربائي للدماغ وحركة العين لدى الإنسان نحصل على بيانات فريدة من نوعها عن كيفيّة معالجة الإنسان للإعلام أو البيئة المحيطة، لحظة بلحظة.

استخدم الجهاز الخاص من ابتكار مركز ساندس للأبحاث وهو على شكل غطاء سباحة للرأس وتحوي عددا كبيراً من المجسّات 68 يتمّ  جمع البيانات منها 256 مرة في الثانية في محاولة لتعقّب النشاط العصبيّ الذي ينتج عن الاقتراب من المحيط.

لم توفّر لنا التكنولوجيا إمكانيّة الغوص في أعماق الدماغ البشري والمحيط إلا مؤخراً ومع التطور الكبير الذي أحدثه مختبر ستيفن للأبحاث بات من الممكن أن نوسع دراستنا وفهمنا للدماغ البشري لنشمل أفكاراً جديدة عن العواطف، التعاطف، الإبداع، الصحة والشفاء وعلاقتنا بالماء. تم إطلاق مصطلح العقل الأزرق أو Blue Mind على الصلة بين الماء والبشر، وهو مصطلح يشير إلى الهدوء، السلام، الوحدة، والإحساس العام بالساعادة والرضا عند الالتقاء بالبحر أو المحيط.

إذاً، ما الذي يحصل عندما يقابل أكثر أعضائنا تعقيداً : الدماغ، أكبر وأضخم ميّزات الكوكب الأزرق: المحيط؟

يظن العلماء أن كل ماله علاقة بالماء من محيطات، بحيرات، أنهار، برك/ وحتى الشلالات تملك تأثيراً على دماغنا.

عندما نقف على حافة المحيط ونفكّر بكل مايؤثر به المنظر، الصوت، ورائحة الماء على دماغنا. نبدأ بالالتفات لحظة لندرك ما نشعر به.يشكل المحيط لدى البعض خوفاً وتوتراً، لكنه يشكل بالنسبة للبعض الآخر شعوراً غامراً بالسعادة والسلام.

علاقتنا المتطورة مع الماء

“عاش ملايين الناس دون حب، لكنهم لم يعيشوا دون ماء.”— W. H. Auden

هناك في الماء ما يجذبنا ويذهلنا. ولاعجب في ذلك: فهو أكثر المواد الحاضرة على وجه الأرض وهو بالإشتراك مع الهواء العنصر الوحيد الذي يؤمن العيش للبشر والاستمرارية . يوفّر البلانكتون الموجود في المحيطات أكثر من نصف حاجتنا للأكسجين. هناك حوالي 332.5 متر مكعب من الماء على الأرض و96 بالمئة منه مالح. يغطي الماء أكثر من 70 بالمئة من اليابسة.

تبدو الأرض من مسافة بعيدة في الفضاء نقطة زرقاء باهتة أمام خلفية سوداء ومن الغريب أننا ندعو كوكبنا كوكب الأرض وهو في معظمه ماء.

إن أطلقنا لقب الماسة الزرقاء على كوكب الأرض فسيكون هذا وصفاً قوياً يدل على الطبيعة المائيّة لكوكب الأرض ككل. والماء هو أكثر العناصر أهميّة في الكون وتستخدمه ناسا كخيط للبحث عن الحياة في عوالم أخر بشعار”Follow The Water”

سواء كان دليلاً  لوجود حياة أخرى في الكون أم لا كان الماء ولايزال مسعى البشر على كوكبنا. تقدّر نسبة السكان في العالم الذين يعيشون قرب البحر، بحيرة أو نهر هي 80 بالمئة من سكان الكوكب. يؤمّن المحيط لقمة العيش لما يفوق النصف بليون شخص حول العالم، بالإضافة إلى تشكيل الماء نسبة الثلثين من الاقتصاد العالمي الذي يقوم بشكل أو بآخر على الماء. وهناك بليون شخص تقريباً حول العالم ممن يعتمدون على البروتين من مصدر مائيّ. ولعلّ الاستهلاك المتزايد لزيوت الأوميغا 3 من أكل الأسماك والمحار لعب دوراً كبيراً في تطور الدماغ البشريّ. نستخدم الماء في كل أشغالنا تقريباً، ويقدّر استخدام الفرد من الماء في الولايات المتحدة حوالي 80 إلى 100 غالون يوميّاً لتلبية الحاجات الأساسيّة فقط. وأعلنت منظّمة حقوق الإنسان في 2010 أن توافر المياه النظيفة والآمنة حق لكل إنسان.

ومع ذلك فإن ارتباطنا بالماء يفوق الأسباب الاقتصاديّة بكثير، حيث تقول بعض النظريات أن أجدادنا من الأحياء كانو مائيين في الأصل وأنهم خرجوا إلى اليابسة من الماء وتطوّروا من السباحة إلى الزحف إلى السير على الأقدام. يمضي الجنين أول تسع أشهر من حياته في وسط مائيّ في رحم الأم. وبعد الولادة يشكّل الماء نسبة 78 بالمئة من تركيب الجسم البشريّ. وفيما نتقدّم في العمر تنقص النسبة إلى 60 بالمئة لكن الدماغ يبقى دائماً مركّباً من الماء بنسبة 80 بالمئة. والتركيب المعدنيّ للماء في خلايانا البشريّة مماثل لذلك الموجود في البحر.

لطالما كان الماء مصدر إلهامنا ــ بالاستماع إليه، بتنشق رائحة البحر، بالمشي على شاطئ البحر، الخ… نرى في التاريخ البشريّ صلتنا العميقة بالماء من خلال الأعمال الفنيّة، الأدبية، والشعريّة. يعطينا الماء الطاقة بعدّة أشكال وحتى الشعور المنعش الذي يبادرنا عند رشق وجهنا بالماء البارد، أو من الشعور المهدئ الذي نشعر به عند سماع صوت الأمواج ترتطم بالشاطئ. استخدم الماء الساخن في علاج الوهن منذ القدم. وأثبتت الأبحاث أن التواجد بالقرب من البحر يشعرنا بالراحة، الهدوء، السعادة، والسلام.

لقد عاش الإنسان زهاء ثلاث ملايين عام ومايقارب الـ 100 ألف جيل أو ماحولها في الطبيعة قبل أن يبدأ بتشكيل المجتمعات والمدن لذلك فإن حب الطبيعة متأصل في الذات البشريّة كحاجة الطفل إلى أمه، اعتمد البشر منذ القدم على الطبيعة ليستمروا على قيد الحياة. وكما يحب كل منا أمه فإننا مرتبطون بالطبيعة جسدياً ، عاطفياً، وروحيّأً.

يقول آلان واتس Alan Watts: ” أنت لم تأت إلى هذا العالم. أنت أتيت منه، كما الموجة من المحيط. أنت لست غريباً هنا.”

إن لارتباطنا بأمنا الطبيعة أثر عميق في أنفسنا. إن ما نعتبره “جميلاً” من حولنا هو نتيجة لارتباطنا المتأصل بالمنظور الطبيعيّ  الذي أمن استمرار جنسنا عبر العصور. ففي إحدى التجارب وعندما طلب من مجموعة متطوّعين أن يصفوا منظراً طبيعيّاً جميلاً، لوحظ أن عناصر هذا المشهد كانت موحدة تقريباً تضم جميعها، مساحة مفتوحة مغطاة بالعشب، مع أشجار متناثرة هنا وهناك، بالإضافة إلى الماء بشكل أو بآخر ــ إما مباشرة في المشهد أو خارج إطار المشهد مع اجتذاب عين الناظر ــ رأى الباحثون أن هذا المشهد يحوي جميع العناصر التي تضمن بقاء الجنس البشريّ: الأعشاب والأشجار للطعام ولاجتذاب الحيوانات، أشجار يمكن تسلقها في حال طرأت حاجة للهروب من الضواري، ووجود مصدر للماء متوافر بالقرب.

ساهمت المتطلبات البيئية في تشكيل طبيعة الدماغ البشري منذ القدم. حيث تطوّر الدماغ البشريّ بدافع حل المشاكل التي تهدد وجوده في بيئة خارجيّة غير ملائمة لعيشه، طوّر الدماغ قدراته في أجدادنا ليبحث عن الغذاء وليتنبّه لمصادر التهديد مبكّراً مع تغيّر الظروف المحيطة يوماً بعد يوم وعند نفاد كمية الطعام المحيطة بأجدادنا كان عليهم الانطلاق للبحث عن مصادر جديدة للغذاء ما أسهم في التطور المستمر لحس الاستكشاف ليتعلم المزيد عن مكان تواجده ومصادر المياه والطعام المتوافرة حوله. تعلم الإنسان من أخطاءه مايلزمه وماعليه أن يتجنبه. إن ماوصل إليه الجنس البشريّ اليوم هو نتيجة لتراكم الخبرات على مدى أجيال وأجيال من التأقلم والتطور مع البيئة المحيط والطبيعة الأم.

يقوم الجهاز العصبي بتنظيم النشاطات التي يقوم بها الجسم بنقل الإشارات عما يحصل في كل من الوسطين الداخلي والخارجي للجسم. وهو مكون من أنواع خاصة من الخلايا التي تسمى العصبونات، وتتراوح بالحجم والتعقيد من فائة اللصغر إلى خلايا بالغة الضخامة. وعلى الرغم من تطور الدماغ البشري على مر العصور ككل إلى أنه يجدر بنا أن نقول أن دماغنا الخاص يبدأ بالتطور من لحظة ولادتنا وحتى الوفاة. وهذا التطور مستمرــ نمو العصبونات، وارتباطها، ومن ثم موتها. إن الدماغ قابل للتكيف وظيفياً وشكلياً تبعاً للحاجة، الانتباه، المدخلات الحسيّة، وعوامل أخرى. وإن المرونة العصبيّة للدماغ ( قدرته على تكوين شبكات عصبيّة جديدة، وإعادة تشكيل الشبكات الموجودة أصلاً، بالإضافة إلى إقصاء الشبكات الغير مستخدمة تبعاً لتغير في السلوك، البيئة، والعمليّات العصبيّة) هي السبب في قدرتنا على التعلّم، وتشكيل الذكريات خلال حياتنا، استعادة قدراتنا الوظيفيّة بعد التعرض لحادث وقدرتنا على التكيف عند الإصابة بالصمم أو العمى، وحتى في التغلب على عادات لم نعد نريدها لنحصل على نسخ أفضل من أنفسنا.

يمثّل مصطلح المرونة العصبيّة جانباً من جوانب حالة العقل الأزرق التي تحدثنا عنها سابقاً، الحقيقة التي تقول أن أدمغتنا ( المركبة بنسبة 80 بالمئة من الماء) شكلت ووصلت إلى ماهي عليه اليوم وفقاً لعدة عوامل تضم، وعينا وإدراكنا للمحيط، عواطفنا، تركيبنا الحيويّ، وثقافتنا بالإضافة إلى بيئتنا.

الماء وأحاسيسنا

“يحب البعض المحيط، ويخشاه البعض الآخر. أنا أحبه، أكرهه، أخشاه، أحترمه، أقدره، وألعنه. إنه قادر على استخلاص أفضل مافيّ ، وأحياناً أسوأ مافيّ” روز سافاج Roz Savage

بعيداً عن صلتنا التطوريّة بالماء، يمتلك البشر روابط عاطفيّة عميقة بحاضره. وكان الماء على الدوام مصدراً لإلهامنا، يقول بابلو نيرودا :” أحتاج البحر لأنه يعلمني.” يدفعنا الماء إلى التأمل والتوحّد مع أنفسنا ويعطينا شعوراً بالعزاء ( يقول فينسنت فان غوخ:” يعرف الصيادون أن البحر خطير وأن عواصفه عاتية، لكنهم لم يجدو هذه المخاطر سبباً ليبقوا على الشاطئ مطلقاً.”) يخلق لدينا حساً بالساعدة والفرح والسلام ( تغني فرقة بيتش بويز” اركب موجة، وستكون على قمة العالم.”)

المريخي The Martian: رواية تظهر بطولة رائد فضاء وحيدعلى المريخ

تعتبر رواية The Martian المريخي من روايات الخيال العلمي الحديثة والمميزة حقيقة، كاتب الرواية هو آندي وير Andy Weir المتخصص في كتابات العلوم والخيال العلمي.
تتحدث الرواية عن رائد الفضاء مارك واتني Mark Watney الذي ترك وحيداً بالخطأ على المريخ أثناء أحد رحالات الإستكشاف المستقبلية وصراعه للبقاء أمام الكثير من التحديات. الأسلوب التشويقي والإكتشافات التي تعرضها الرواية بشكل تدريجي محمسة لدرجة عالية. يعتمد الأسلوب السردي للرواية على التبديل بين مذكرات مارك ووصفه للأحداث التي يمر بها وحلوله بطريقة علمية ومايجري على الأرض في ناسا حيث يعمل مارك.
إضافة للتفاصيل العلمية التي تعلمنا الكثير حول هذه المهنة الصعبة حقيقة وحلول مارك الإبداعية للمشاكل أمامه، تتميز الرواية بأسلوب طرح فكاهي يعكس شخصية مارك نفسه والتجارب النفسية التي يمر بها.
تجدر الإشارة أيضاً أن شركة Twentieth Century Fox اشترت الحقوق الخاصة لتحويل الرواية لفيلم. يتردد في أوساط هوليوود أيضاً أن المخرج قد يكون ريدلي سكوت Ridley Scott وستكون البطولة (دور مارك) للمثل مات دامون Matt Damon.
قراءة ممتعة. يمكن شراء الرواية من أمازون. 
الفيديو التالي هو محاضرة لآندي خلال حدث Talks at Google

مقتطفات من كتاب: مختصر تاريخ الرموز الرياضية وقواها الكامنة

للرموز الرياضية التي نستخدمها كل يوم أصول رائعة ومفاجئة، هذا ما يوضحه المؤلف جوزيف مازور Joseph Mazur في كتابه الجديد: مختصر تاريخ الرموز الرياضية وقواها الكامنة  والتي تراجعها صحيفة الغارديان The Guardian. اخترنا لكم منها مايلي

قبل بضع سنوات كنت انا وأحد الأصدقاء نتحدث عن أصول الموسيقى المكتوبة. عندما تطرق الحديث إلى أصول رموز الرياضيات، وفوجئت بأن قلة من الناس يعرفون أن كل ما كتب من الرياضيات كان قبل القرن السادس عشر، وغالباً بشكل شعر موزون. يعتقد معظم الناس بأن رموز الجمع والطرح أو المساواة كانت موجودة قبل فترة طويلة من كتابة إقليدس Euclid  لكتابه Elements  في القرن الأول قبل الميلاد. هذا ليس صحيحاً! كتاب Elements  الأصلي هو كتاب بلاغي. لا توجد رموز في أعمال إقليدس Euclid ، ما عدا الأحرف في نهايات الأسطر وزوايا الأشكال الهندسية. لا توجد رموز في أي كتاب جبر عربي. كما أننا لا نجد أي منها في أوائل الكتب الأوروبية المطبوعة للجبر.

حتى رمز (يساوي) الرائع وهو عبارة عن خطين متوازيين لم يستخدم في الطباعة قبل 1575، عندما كتب عالم الرياضيات والطبيب روبرت ريكوردي Robert Recorde  كتابه  للجبر والذي سماه Whetstone of Witte. كتب روبرت  في كتابه ” يساوي is equal to ” ما يقرب من مائة مرة في أول مائتي صفحة قبل أن يعلن أخيرا انه يمكن بسهولة “تجنب التكرار الممل” للكلمات الثلاث من خلال تصميم رمز ” ===== ” لتمثيلهم.

في هذا الكتاب نجد إشارة + و – مطبوعة باللغة الإنجليزية لأول مرة.

كان لدى المصريين رموز هيروغليفية  للجمع والطرح بشكل رجال يركضون نحو أو بعيداً عن الكمية التي تضاف أو تطرح على التوالي.

واستخدمت من وقت لآخر، من قبل كتاب القرن السادس عشر للنصوص الرياضية الذين غامروا في التعبير الرمزي. لذلك كانت هناك امثلة لتجربة الكتاب للرسومات لتمثيل الكلمات أو العبارات. لا شك أن لبعض الرياضيين علامات خاصة. يخبرنا ريكوردي ما فعله. لكنني بحثت عبثاً لإيجاد أي مخطوطات يرد فيها رموزاً خاصة.

يختلف فن الكاتب عن فن عالم الرياضيات. لدى الكتاب حرية أكثر في الأساطير والثقافة. يمكن أن يستخدموا الرموز لإظهار العواطف أو لخلق حالة معينة ولكن علماء الرياضيات يصنعون الرموز لحزم المعلومات المعقدة ولفهم أفضل.

قد تبدو رموزهم مختلفة عن تلك الرموز العاطفية المرنة ثقافياً الموجودة في الموسيقى أو الرموز المجازية الموجودة في القصائد. ولكن لديهم أيضاً وسائل تعبير وربط تخلق مقاربات عقلية من خلال التشابه والقياس والتمثيل.

في قراءة التعابير الجبرية، يقفز العقل الرياضي ذو الخبرة عبر عدد هائل من الروابط في وقت قصير نسبياًذلك، على سبيل المثال ، يوحي رمز π الحديث نسبياً بشيء دائري لعالم الرياضيات وهو على دراية بالعديد من الرموز.

بالطبع هناك رموز جيدة وأخرى السيئة. ما الذي يمكن أن يكون أفضل من رمز الجوزاء الخاص بـ ريكوردي من أجل التساوي؟ لكن لا يمكن لرموز الرياضيات أن تكون مختارة بلا عناية.

عندما تم قبول الأرقام السالبة كأرقام، جرى نقاش حول كيفية كتابتها. في أواخر القرن التاسع عشر اقترح بعض الكتاب أنه يجب كتابة الأرقام السالبة كالأرقام الموجبة لكن أفقياً. تخيل التشويش حول الأرقام التي تحتوي على 0 أو 8 أو الحروف مثل b ، d ، p ، q  أو w . لفترة قصيرة كتبت الأرقام السالبة بخط قصير فوقها ، ولفترة قصيرة أخرى كتبت الأرقام السالبة برمز محدب، والأرقام الموجبة برمز مقعر .

لدينا في هذه الأيام معادلات ماكسويل Maxwell : أربعة معادلات مترابطة تخبرنا عن علاقة المجالات الكهربائية والمغناطيسية بكثافة الشحنة وكثافة التيار. أنها تشكل قصيدة رياضية ، مكتوبة بالحروف بشكل كامل . تحمل تلك القصيدة مفتاح قدر كبير من التفكير الإبداعي حول ديناميكة الكهربائية ، أي الشيء الأكثر فائدة في حياتنا الحديثة . يمكن أن تخبرنا عن كيفية عمل هواتفنا النقالة . حاول أن تكتب تلك القصيدة باللغة الإنجليزية . يمكن القيام بهذا ، ولكن من سيفهمها؟

كتاب "الحياة بسرعة الضوء: من اللولب المزدوج إلى فجر الحياة الرقمية

venter_life_speed_light_book
في عام 2010، نجح علماء بقيادة  كريغ فنتر Craig Venter بخلق أول  حياة اصطناعية” بنجاح – واضعين بذلك البشرية على عتبة المرحلة الأكثر أهمية وإثارة في البحوث البيولوجية، مرحلة من شأنها أن تمكننا من كتابة الشيفرة الوراثية لتصميم أنواع جديدة لمساعدتنا على التكيف والتطور من أجل البقاء أطول. سيكون لعلم الجينوم الاصطناعي تأثيرعميق على وجود الإنسان، بما في ذلك المواد الكيميائية وتوليد الطاقة والصحة والمياه النظيفة وإنتاج الأغذية ومراقبة البيئة وربما حتى تطورنا.
في Life at the Speed of Light، يقدم Venter  دراسة رائعة وموثوقة لهذا المجال الناشئ من الداخل – مفصلاً أصوله والتحديات والخلافات الحالية، والآثار المتوقعة على حياتنا. يوفر هذا الحد العلمي فرصة للتفكير من جديد بالسؤال القديم “ما هي الحياة؟” واختبار  ما نعنيه فعلاً بـ “لعب دور الله”.
عمل مهم، كتب من قبل أحد رواد العصر الجديد للهندسة البيولوجية.
لشراء الكتاب من أمازون
من KurzweilAI

كتاب "الفن كعلاج": الوظائف النفسية للفن

كالعادة، تقدم ماريا بوبوفا Maria Popova من مدونة Brain Pickings أحد أفضل مراجعات الكتب العميقة والمفيدة فعلاً في كل مجالات استثارة العقل وتوسيع الأفق. وهنا تتحدث ماريا عن كتاب يدرس الأثر النفسي للفن بأبعاد أعمق مما نتصور. 

هيمن السؤال عن ماهيّة الفنّ على البشريّة منذ فجر التاريخ المسجّل. كان الغرض من الفن بالنسبة لتولستوي توفير جسر من التعاطف بيننا وبين الآخرين، وبالنسبة لأنيس نين Anaïs Nin ، طريقة للتعبير عن فيض مشاعرنا. لكن من الممكن أن يكون الإنجاز الأكبر للفنّ شيئاً يشتمل على الغرضين السابقين: قناة للتواصل مع ذاتنا الداخليّة تتيح لنا ممارسةً وفهماً أفضل لمشاعرنا ـــ بكلمات أخرى نوعاً من أنواع العلاج.

ينضمّ الفيلسوف Alain de Botton ـــ والذي بحث سابقاً مواضيع مختلفة ومثيرة مماثلة من مثل “ لم لا يعمل العمل Why Work Doesn’t Work ، مايمكن للفنّ والتعليم أن يتعلّما من الدين  What Education and the arts can learn from Religion ، وكيف تفكّر أكثر بالجنس  How to think more about sexـ ــ في كتاب “الفنّ كعلاج Art As Therapy”   مع المؤرّخ في مجال الفنون John Armstrong لبحث الغرض الأكثر حميميّة من الفنّ: قدرته على التعويض عن النقص النفسيّ لدينا وإسكات هاجس النقص أو عدم الكمال. يكمن طرحهما الأساسيّ بكون الفن أداة أكثر من كونه مرتبطاً بقيمة جماليّة ـــ أداة معقّدة لكن تلعب دوراً كبيراً ومهمّاً في وجودنا:

كغيره من الأدوات، يملك الفنّ القدرة على توسيع قدراتنا إلى ما يتجاوز تلك التي زوّدتنا بها الطبيعة. يعوّضنا الفنّ عن الضّعف الذي يرافقنا منذ الولادة، في هذه الحالة وفي العقل عوضاً عن الجسم، يمكننا أن نرجع الضعف إلى انتكاسات نفسيّة.

يمضي كلّ من De Botton و Armstrong لوصف الوظائف السبع الأساسيّة للفنّ:

1. التذكّر 

نظراً إلى العيوب التي تعانيها ذاكرتنا وعدم قدرتها على التدقيق، فليس من المفاجئ أن الخوف من النسيان ـــ نسيان تفاصيل محددة تنصهر مع بعضها البعض في مجمل الذات التي تشكّلنا ـــ سيكون مصدراً كبيراً للإزعاج. وبما أنّ كلا من الفن والذاكرة يتمحوران عمّا يتمّ إهماله أكثر مما يتمّ التركيز عليه، يناقش كلّ من de Botton و Armstrong فكرة توفير الفنّ ترياقاً لهذه الحالة:

يميل ما نخشى نسيانه … إلى كونه محدداً نوعاً ما. ليس هناك ماهو على المحكّ كشخص أو مكان ما، بل نحن نريد أن نتذكّر ما يهمّ بالفعل، ويمثّل الأشخاص الذين نسميهم فنانين جيّدين،جزئيّاً، أشخاصاً قاموا بالاختيار الصحيح فيما يتعلّق بما يجب نقله للآخر ين ومايجب تركه … قد نقول أنّ الفنّ الجيّد يركّز على قلب المغزى، فيما يذكّرنا معاكسها ودون شكّ  بشيء ما، يجعل الجوهر يفلت بعيداً.  إنّها ذكرى فارغة.

إذاً ، ليس الفنّ ما يقبع ضمن الإطار فقط، لكنّه يشكّل بحدّ ذاته إطاراً للتجارب:

يمكننا أن نعدّ الفنّ طريقة لحفظ التجارب، والتي تحوي العديد من الأمثلة الجميلة والمؤقّتة، ونحتاج إلى المساعدة في احتوائها.

2. الأمل

تقدّم علاقتنا المضطربة بالجمال ظاهراً متناقضاً مميّزاً: أكثر الفنون المحبوبة تنتنمي للصنف “الجميل” ـــ  تصوير المشاهد ، الوجوه، والمواقف الحماسيّة والمشجّعة ـــ لكنّ النقّاد “الجديين” والذواقين يرونه فشلاً في الذوق والذكاء. ( تعريف Per Susan Sontag الشهير، يتداخل الاثنان بشكل معقّد على أي حال:” الذكاء … هو أحد أنواع الذوق: الذوق في الأفكار.”) يدرس كلّ من De Botton و Armstrong نتائج هذا:

يعتبر حبّ الجمال غالباً استجابةً متدنية وحتّى “سيّئة” ، لكن وبما أنّه غالبٌ ومنتشر على نطاق واسع فهو يستحقّ الانتباه، وقد يحتوي على دلالات مهمّة عن وظيفة رئيسيّة للفنّ …. وينقسم القلق من الجمال في صنفين. أوّلاً، يُزعم  أنّ الصور الجميلة تغذّي العواطف. العاطفيّة أحد أعراض عدم الانخراط الكافي في التعقيد، الذي يعني المشاكل بالفعل. يبدو أنّ الصورة الجيّدة تقول انّه وفي سبيل تشكيل حياة جميلة، يجب على الفرد أن يجمّل شقّته بشيء من الأزهار الاصطناعيّة. إن صحّ لنا أن نسأل الصورة عن الخطب الذي يعانيه العالم، فمن الممكن أن تقول” ليس لديك مايكفي من حدائق المياه اليابانيّة” ـــ استجابة يبدو واضحاً أنّها تتجاهل المشاكل الجديّة التي تجابه الإنسانيّة … ويبدو أنّ البراءة والبساطة في الصورة  تكافح ضدّ أيّ محاولة  لتحسين الحياة ككلّ. ثانياً، هناك الخوف المتعلّق بتخدير الجمال لنا وتركه إيانا جافلين عن الظلم الذي يحيط  بنا.

لكنّهما يقولان أنّ هذه الهواجس تمّ تضليلها. التفاؤل عبارة عن شريك هام كمهارة نفسيّة في سعينا لعيش أفضل فضلاً عن كونها فشلاً للذكاء ـــ أمرُ أشار إليه علم الأعصاب أيضاً ـــ ونأمل أن تكون شيئاً نقدّره ولا نسعى لإدانته:

الحماسة تمثّل إنجازاً، ونأمل أن  تكون شيئاً نحتفل به. إن كان التفاؤل مهمّاً، فهذا بسبب تحديد العديد من النتائج بمقدار التفاؤل الذي نوليه لما نريد. فهو مكوّن هام من مكوّنات النجاح. تعتبر الموهبة من أهم متطلّبات الحياة الجيّدة، لكن في عدّة حالات  يتمّ تحديد الفارق بين النجاح والفشل بتصوّرنا للممكن فقط  والطاقة التي يمكننا أن نسعى لإقناع الآخرين باكتفائنا. قد لا تلحق بنا لعنة نقص المهارة، بل لعنة انعدام الأمل.

يعرضان مثالاً: 

لا  يبدو أنّ الراقصين في لوحة ماتيس يرفضون التعامل مع مشاكل كوكبنا، لكن وانطلاقاً من علاقتنا الناقصة والمتنازعة ــ لكن الاعتياديّة ـــ مع الواقع، يمكننا أن ننتبه قليلاً إلى تصرّفهم التحفيزيّ. يجمعاننا مع جزء مبهج من ذاتنا يمكن أن يساعدنا في التأقلم مع  الرفض والإذلال. لا تقترح اللصورة أن كل شيء على ما يرام بقدر ما ترينا أنّ النساء يتألّقن دوماً في حضرتهنّ  ويعززن علاقاتهن ببعض في شبكات دعم مشتركة.

– قائم القول

وبهذا يمكننا أن نعود إلى سبب إشارة الجمال لنا:

اكلّما زادت صعوبة حياتنا، كلما زادت قدرة تصوير زهرة ما على تحريك مشاعرنا. الدموع ـــ إن وجدت ـــ تكون استجابة لجمال الصور وليس للحزن فيها ، ويالجمال هذا.

[…]

يجب علينا أن نكون قادرين على الاستمتاع بصورة مثالية دون النظر إليها كصورة خاطئة للطريقة التي تبدو عليها الأمور عادة. يمكن لرؤية جميلة على الرغم من جزئيتها أن تكون ذات قيمة أكبر بالنسبة لنا لأننا على دراية بندرة تلبية الحياة لرغباتنا.

3. الأسى

يمكن للفنّ وبما أننا مخلوقات ذات تناقض داخليّ لا متناهي أن يساعدنا لنكون أكثر كليّة ليس فقط بتوسيع قدرتنا على استيعاب المشاعر الإيجابيّة بل بمساعدتنا أيضاً على تقبّل وتحويل السلبيّ ـــ وبفعل هذا بكرامة وبتذكيرنا ” بالمكان الطبيعيّ للأسف في الحياة الجيّدة”:

أحد أهمّ الأمور التي يستطيع الفنّ أن يقوم بها هي بتعليمنا كيف نعاني بنجاح أكبر … يمكننا أن نرى الكثير من الإنجازات الفنيّة العظيمة مثل الأسف المتزايد على الفنان، وتقبّله بدوره للجمهور. يأتي مصطلح التصعّد من الكيمياء. يسمّي العمليّة التي يتمّ من خلالها  تحويل المادة الصلبة مباشرةً إلى غاز، دون التحول إلى سائل كمرحلة أولى. في الفن، يشير التصعد إلى العمليّات النفسيّة للتحوّل،  والتي يتمّ فيها تحويل التجارب العاديّة  والأساسيّة إلى  أمر نبيل وجميل ـــ  وهو تماماً نفس الأمر الذي قد يحصل حين يلتقي الأسى بالفن.

فوق كلّ هذا، يناقش De Botton و أرمسترونغ Armstrong أن الفنّ يساعدنا بالشعور بوحدة أقلّ في معاناتنا، الأمر الذي يوليه التعبير الاجتماعيّ عن عذاباتنا الداخليّة نوعاً من الطوع التلقائيّ. نرى مثالاً لذلك في أعمال امصوّر Nan Goldin، الذي استعرض حياة مجتمع المثلية الجنسية بأجزاء متساوية من الفضول والاحترام قبل أن يقوم أبطال مثل Andrew Sullivan بوضع سياسات المثليّة الجنسيّة تحت ضوء الحاضر الثقافيّ بوقت طويل:

لا تزال المثليّة الجنسيّة تقبع بعيدةً عن متناول الفنّ. لكنّه وفي أعمال Nan Goldin يمثّل موضوعاً رئيسيّاً. نرى في الأعمال الفنيّة لغولدن اهتماماً سخيّاً بحياة موضيعه التي يصوّرها. قد لا ننتبه مباشرةً لذلك، ففي تصويرها لفتاة شابّة مثليّة تعاين نفسها في المرآة نرى قدر الاهتمام والعناية المطلقة بتركيب الصورة. تلعب الأداة التي تعكس الضوء دور المفتاح. ليست الفتاة محطّ التركيز في الصورة حيث لا نراها مباشرةً وكلّ ما نراه جانب واحد من وجهها وضباباً يغطي يدها. مانراه هو المرآة التي نراها ترغب بالظهور بقوّة وبأسلوب خاص. يعمل الفنّ كصوت رقيق يقول،” أراك كما تأمل أن تكون ، أراك جديراً بالحبّ.” يتفهّم الفنّ توق الإنسان ليكون نسخة أجمل وأرقى عن نفسه. من الواضح أنّ هذه أمنية واضحة وبديهيّة لكن لم يكن هذا ممكناً لقرون لعدم وجود أمثال غولدن.

يناقش العالمان وجود إحدى أعظم هبات الفنّ :

يمكن للفنّ أن يوفّر نقطة فائدة كبيرة ومهمّة نستطيع انطلاقاً منها أن نعاين آلامنا.

4. إعادة التوازن

لاعجب أننا نجد أنفسنا بحاجة لإعادة التمركز، بأنفسنا السلسة، تكتلات التناقضات المؤلمة لدينا، وثقافة وضع الإنتاجيّة كأولويّة أمام وجودنا:

يعني التاريخ النفسي لكلّ منا بالإضافة إلى العلاقات وروتين العمل أنه يمكن لعواطفنا أن تنحدر نحو الأسوأ باتجاه أو بآخر. يمكن لنا مثلاً أن نكون ميّالين للرضا عن أنفسنا، أو نشعر بانعدام الأمان، الثقة الزائدة بغيرنا، أو الريبة الزائدة. يمكن للفنّ أن يوصلنا إلى جرعات مركّزة من رغباتنا المفقودة، واستعادة أحد معايير التوازن  لذاتنا الداخليّة.

تساعد هذه الخاصيّة في الفنّ في شرح التنوّع الكبير لتفضيلاتنا الجماليّة ـــ بسبب اختلاف الاضطرابات التي نعانيها، وتعمل الأعمال الفنيّة التي نسعى لمجاملتها بنفس الطريقة: 

لم يميل بعض الناس  للتقليل من شأن العمارة ويميل البعض الآخر للتقليل من الفن الباروكي؟ لم ينجذب البعض لجدران الاسمنت العارية والبعض الآخر إلى أنماط الأزهار التي يقوم بها ويليام موريس؟ تعتمد أذواقنا الفنيّة على نوع العواطف التي تختبئ في الظلّ وبذلك تكون عواطفنا بحاجة للتحفيز. يرتبط كلّ عمل فنيّ بنوع ومناخ نفسي معيّن: يمكن للوحة ما أن تكون هادئة أو مضطربة، شجاعة أو حنونة، معتدلة أو قويّة، ذكوريّة أو أنثوية، ويعكس اختيارنا لواحدة على أخرى الثغرات النفسيّة المتعددة لدينا. إننا نتوق لأعمال فنيّة تعوّضنا عن ضعفنا الداخليّ وتساعدنا على العودة إلى حالة مستقرة. نرى عملاً ما جميلاً حين يظهر المحاسن التي تنقصنا، ونكره الأعمال التي تفرض علينا مزاجاً أو دوافعاً تجعلنا نشعر بالتهديد أو بأننا محكومون. وبذلك يحمل الفنّ الوعد بالكمال الداخليّ.

باستعراض الفنّ من هذا المنظور، يرى كلّ من العالمين أن الفنّ يوفّر لنا الوعي الذاتي اللازم لفهم سبب استجابتنا سلبيّاً لعمل فنيّ ما ـــ وهي رؤيا قد تمنعنا من ردّ فعل انتقاصيّ. تسمح لنا معرفة ما ينقص شخصاً ما ليرى عملاً فنيّا عملاً جميلاً بجمع التمرين الضروريّ لتفضيل الاستيعاب والفهم على كوننا على حقّ. وبهذا يكون الفنّ آليّةً لتعديل ــ والتعويض ــ قيمنا الأخلاقيّة. في الواقع، تتناول أشهر الأعمال الفنيّة عبر التاريخ مهماً أخلاقيّة ـــ  يطلق كل من دي بوتون وأرمسترونغ على هذا “محاولةً لتشجيع ذاتنا عبر رسائل مشفّرة من النصح والتوبيخ” ـــ ولكننا غالباً ما نستجيب لهذا بمقاومة وسخط فتفوّت هذه الانفعالات النقطة الأكبر:

اقد نرى الأعمال الفنيّة التي تحمل العظة متسلّطة وغير ضروريّة، لكنّ هذا يعني أن أي دفع للذات سيكون ضدّ رغباتنا. على أيّ حال وفي الحياة الواقعيّة، فحين نكون مرتاحين، فإنّ كثيراً منا يتوقون كونهم بحالة جيّدة ولا يمانعون تذكرةً خفيفةً بضرورة ذلك، لا مكننا أن نجد حافزاً ببساطة كلّ يوم. نعاني ربط  طموحاتنا بالحالة الجيّدة ما يسميه أرسطو  Akrasia، أو ضعف الإرادة. نريد أن نتصرّف بشكل جيّد في علاقاتنا، لكنّنا نفقد تلك الإرادة تحت الضغوط. نريد أن نطوّر أنفسنا بشكل أكبر لكننا نفقد الدافع في مرحلة حرجة. في هذه الظروف، يمكننا أن نحقق فائدة كبيرة من الأعمال الفنية التي تشجّعنا لنكون نسخاً أفضل عن أنفسنا، أمر سيغيظنا فقط  لو كان لدينا خوف من التدخلات الخارجيّة.

 […]

يتفهّم أفضل أنواع الفنّ التحذيريّ ـــ الفنّ الأخلاقي دون أن يكون “أخلاقيّا” ـــ  سهولة الانجذاب وراء الأمور الخاطئة.

ولذلك تكون مهمّة الفنانين إيجاد طرق جديدة  لفتح عيوننا وبفضول تجاه  الأفكار المتشابهة، ولكن المهمّة حول كيفيّة  إدارة حياة جيّدة ومتوازنة.

ويلخّصون هذه الوظيفة الفنيّة بشكل جميل:

يمكن للفنّ أن يوفّر علينا الوقت ـــ وأن ينقذ حياتنا ـــ  عبر مذكّرات ملائمة عن التوازن الذي لا يجب علينا أن نفترض معرفته كفايةً .

5. فهم الذات

على الرغم من سعينا وجهودنا لفهم ذاتنا، فغالباً ما تكون الذات غامضة بالنسبة لصاحبها. يقترح العالمان النفسيان أنّ الفنّ يستطيع المساعدة في تسليط الضوء على زوايا العزلة للنفس وجعل الحدس البديهيّ واضحاً بحيث نحس به لكن لا نستطيع التعبير عنه بوضوح:

لسنا واضحين لأنفسنا. لدينا الحدس، الشك، الأفكار الغامضة، والمشاعر المختلطة بشكل غريب. لدينا المزاج، لكننا لا نعرفه بشكل صحيح. وعندها، ومن وقت لآخر نواجه أعمالاً فنيّة يبدو أنّها تلتصق بأمر أحسسنا به لكن لم نتعرّف عليه بوضوح في وقت سابق. عرّف ألكسندر بوب وظيفةً أساسيّة من وظائف الشعر بأخذه الأفكار التي نختبرها بشكل غير واضح وإضفاء التعبير عليها: ” ما فكّرنا به غالباً، لكن لم نعبّر عنه  بشكل جيّد مطلقاً.” بكلمات أخرى وبكونها جزءاً هارباً من تفكيرنا، يتم أخذ تجاربنا وتحريرها وإعادتها إلينا أفضل مما كانت عليه، فنحس أخيراً أننا نعرف أنفسنا بشكل أفضل.

أكثر من ذلك، يقول العالمان أن فن معرفة الذات يعطينا لغة للاتصال مع الآخرين ـــ أمر يشرح سبب كوننا محددين حول أنواع الفنّ التي نحيط أنفسنا بها أمام الناس، وهو نوع من احتواء الذات نمارسه على جدران منازلنا وعلى صفحات الفيسبوك الخاصة بنا أيضاً. فيما تترجم السخرية هذا كاستعراض خفيف، على أيّ حال ، يكشف العالمان عن هذه الترجمة السطحيّة لإظهار الدافع النفسي الأعمق ــ رغبتنا في إيصال ماهيتنا وما نؤمن به بطريقة لا تستطيع الكلمات أن تقوم بها وحدها.

6. النموّ

يسمح لنا الفن بتوسيع حدودنا بمساعدتنا على التغلّب على مخاوفنا مما هو غير مألوف :

يفيدنا الانخراط في الفنّ بأنه يزوّدنا بأمثلة أقوى عن المواد الغريبة التي تستجرّ الضجر والخوف، ويوفّر لنا الوقت والخصوصيّة لتعلّم التعامل معها بطريقة أكثر استراتيجيّة.  وهي خطوة أوليّة  للتغلّب على الدفاعيّة حول الفنّ لنصبح أكثر انفتاحاً على الغرابة التي نحس بها في بعض الحاالات.

يقترح العالمان ثلاث خطوات ضروريّة للتغلّب على الدفاعيّة في الفنّ: أولاً، الاعتراف بالغرابة التي نشعر بها والشعور بالراحة عند الإحساس بها، والاعتراف بكون ذلك طبيعيّاً جداً ـــ فبعد كلّ شيء، يأتي الكثير من الفنّ من أناس بوجهات نظر مختلفة عن تلك التي لدينا عن العالم، ثانياً، الاعتياد على الأناس الذين أنتجوا هذه الأعمال الغريبة، أخيراً البحث عن نقاط الاتصال مع الفنان ” مهما كان هشاً وشفافاً،” بحيث نستطيع أن نرتبط بالعمل الذي انبثق من سياق حياتهم مع الواقع الشخصيّ من واقع سياق حياتنا.

7. التقدير

انتباهنا كما نعلم:” ميّزة اعتذاريّة متعمّدة” تحجب بصرنا عن معظم ما حولنا وعن السحر الموجود في المحيط المألوف حولنا. يستطيع الفنّ أن يتغلّب عن هذه الأسباب التي تحجب بصيرتنا بحيث نستطيع امتصاص ما نستطيع أن نراه ومالا نستطيع أن نراه:

إحدى أكبر عيوبنا وأكبر أسباب تعاستنا هي أننا نجد صعوبة في ملاحظة ما حولنا. نعاني لأننا نفقد البصيرة تجاه قيمة ماهو أمامنا ونتوق للجاذبيّة التي نتخيلها في مكان آخر.

فيما يمكن للعادة أن تكون قوّة مذهلة تعمل على تركيز الحياة ، إلى أنّها سلاح ذو حدين يستطيع أن يقضي على سلسلة كاملة من التجارب إذا ما وقعنا تحت تأثير روتين الحياة. 

يمثّل الفنّ مصدراً يستطيع أن يقودنا إلى تقدير أكثر دقة لما هو قيّم بالعمل ضد العادة  وإعادة معايرة ما نحبّه.

يأتي أحد الأمثلة مباشرة من عبوات الجعة البرونزيّة الشهيرة لجاسبر جونز، ما يدفعنا للنظر إلى غرض عاديّ جداً بأعين مختلفة:

تجعلنا المادّة  الثقيلة والمكلفة على دراية بغرابتها وانفصالها: نراها وكأن أعيننا لم تقع على عبوات الجعة  من قبل.

يعلمنا جونز درساً: كيف ننظر بأعين طفولية وأكثر فضولاً للعالم من حولنا. 

هكذا هي طاقة الفنّ: هي شاهد ومحتفل بقيمة الأمور العاديّة، نسعى دوماً للوصول إليها في طلبنا للعظمة ، الفن نوع من الأدوات التي تلفت انتباهنا لحياتنا اليوميّة:

يمكن للفنّ أن يعلمنا أن نكون أكثر عطاءً تجاه أنفسنا فيما نسعى  لاستغلال ظروفنا إلى أبعد الحدود: وهي وظيفة لا نحبّها على الدوام،  عيوب العصور الوسطى، طموحاتنا المنهكة ومحاولاتنا للحفاظ على ولائنا لقرائننا صعبة الطباع. يمكن للفن أن يفعل ماهو عكس بهرجة المكتسب، يمكنه أن يعيدنا إلى الميزة الأساسيّة  للحياة على اعتبار أننا مجبرون على خوضها.