آين راند وفضيلة الأنانية

إذا بحثت على الإنترنت عن مقالات تُعنى بفلسفة آين راند Ayn Rand باللغة العربية لن تجد الكثير، وإن وجدت، سيبدو الإنحياز واضحاً في اختيار مقالات ناقدة فقط دون العناية بالبحث عن المصادر الأصلية، فضلاً عن الترجمة الضعيفة للمصطلحات الفلسفية وتفسيريها السطحي أو اللجوء الى فيديوهات مترجمة على يوتيوب، بجودة أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها لا تعطي العبارات حقها.

قد تبدو لغة آين راند مبهمة بعض الشيء، حيث تستخدم ألفاظاً كثيراً ما تُربط في الفكر الأخلاقي الشائع أو التقليدي بأنها خاطئة أو “شريرة”  (توضح راند أنها تستخدم هذه الألفاظ عن قصد وليس إثارة للجدل، بل خصيصياً لأن هذه الكلمات تخيف من لا يعطيها حقها من التفكير العقلاني، كما سنرى في ترجمة المقدمة لهذا الكتاب.) ولكن كأي نص فلسفي، علينا أن نقرأ بتمعن وأن نفكر في المعنى الحقيقي لكُلِّ كلمة 1.

سنقوم في هايبرستيج خلال الفترة القادمة بترجمة بعض من مقالات آين راند التي تم جمعها في كتب مختلفة أو من ما تم نشره في دورية الـ “الموضوعي” أو Objectivist 2.

عن كتاب فضيلة الأنانية

متابعة قراءة آين راند وفضيلة الأنانية

عن تعامل الدماغ الجيد مع الأخبار السيئة تحت الضغط

مقال لـلباحثة  تالي شاروت Tali Sharot، مديرة مختبر Affective Brain Lab لأبحاث الدماغ وأستاذة مشاركة لعلم الأعصاب الإدراكي في جامعة University College London. مترجم من مجلة Aeon للعلوم.

نتخذ بعض القرارات المصيرية في حياتنا عندما نكون تحت الضغط ومتوترين، بداية من القرارات الصحية ومروراً بالعمل والقرارات المالية. كثيراً مايكون علينا التفكير ودراسة الوضع الذي أمامنا تحت ظروف عصيبة.

لنأخذ على سبيل المثال الأزواج الذين ينتظرون مولوداً. حيث يكون عليهم اتخاذ سلسلة من الاختيارات المهمة خلال فترة الحمل والولادة، وسيشعر الكثير منهم بالتوتر. هل نصبح أفضل أم أسوأ عندما ندرس خياراتنا لاتخاذ القرارات في مثل هذه الظروف؟

قمنا أنا وزميلي (نيل جاريت) بزيارة محطات الإطفاء في ولاية كولورادو للبحث في كيف يعمل العقل البشري عندما يكون تحت ضغط كبير.

تختلف أيام العمل عند رجال الإطفاء كثيراً، ففي بعض الأيام ينعمون بالراحة ويكونون في غاية الاسترخاء حيث يقضون بعض الوقت في غسل الشاحنات، وتنظيف المعدات، وإعداد وجبات الطعام والقراءة. بينما تكون أيام أخرى عصيبة، يواجهون فيها الكثير من الحوادث المهددة للحياة. يهرعون إلى المنازل المشتعلة لإنقاذ السكان العالقين، ويساعدون فرق الطوارئ الطبية. هذا الاختلاف الكبير في أيام عمل رجال الإطفاء يمثل النموذج المثالي لتجربتنا حول تغير قدرة الإنسان على التصرف عندما يكون تحت الضغط.

متابعة قراءة عن تعامل الدماغ الجيد مع الأخبار السيئة تحت الضغط

عن تطور نظرية التطور: كيف كانت أحد هفوات داروين بداية لعهد الجينات

من الصعب أن ننكر عظمة نظرية التطور بـ”الاصطفاء الطبيعي” التي أتى بها تشارلز داروين والتي لا تزال محافظة على بريقها حتى الآن. زعزعت هذه النظرية بريطانيا في العهد الفكتوري. لكن بعض الأشخاص، والمتدينين منهم بالأخص، لم يكونوا سعداء بالفكرة التي تقول أن الطبيعة قادرة على العمل بتناغم وتوازن تامين لوحدها، دون مساعدة وتوجيه قوة أكبر.
لـ مات سايمون Matt Simon من مجلة وايرد Wired سلسلة مميزة بعنوان: مخطئ بشكل خيالي Fantastically Wrong يسلط فيها الضوء على أكثر الأخطاء العلمية انتشاراً إضافة لأشهر الفرضيات خطأ وكيف تم تصحيحها. لذلك قررنا أن ننقل لكم اليوم  مانشره مات Matt حول أحد هفوات تشارلز داروين، عالم الأحياء الطبيعية الشهير بعد تقديمه لمفهوم التطور. وذلك ضمن مجموعة من المواضيع التي نحضرها لكم حول أساسيات التطور الطبيعي والمفاهيم التالية التي لحقته.

على عكس المعتقد السائد اليوم، كان العلماء يفكرون بنظرية التطور قبل ظهور داروين – حتى جد تشارلز داروين إيراسموس Erasmus فكر في هذه النظرية، لكن الإضافة التي أتى بها تشارلز وأعطت نظريته بالذات الشهرة الكبيرة كانت إضافة الجزء المتعلق بالاصطفاء الطبيعي. أن الأحياء تتنوع، ويمكن لهذا التنوع أن يلائم الأفراد مع بيئاتهم، ما يزيد فرصهم في تمرير هذه التغيرات إلى الأجيال اللاحقة. ( توصل صديق داروين وهو عالم الطبيعة ألفريد رسل والاس Alfred Russel Wallace، إلى نفس الفكرة في نفس الوقت تقريباً. عرض كل منهما نظريته وكشوفاته على مجتمع لينيان Linnean في لندن، قبل أن يكشف داروين عن كتابه “أصل الأنواع The Origin of Species”)
مع ذلك، كان هناك مشكلة صغيرة تحيط بالجزء المتعلق بالاصطفاءالطبيعي، لم يكن داروين يعلم كيف.. تم ذلك. كانت الكائنات بكل أنواعها تتمتع بميزات من كلا الأبوين بالطبع. لكن كيف؟ ما الذي كان يحصل ليتم ذلك؟ كانت تلك فجوة كبير في نظرية داروين عن التطور. لذا وفي عام 1868، وبعد عقد من نشره لكتاب عن أصل الأنواع، حاول داروين أن يسد تلك الفجوة بنظرية أخرى وهي نظرية شمولية الخلق أو Pangenesis وهي فكرة خاطئة تقول ما هو أشبه بالتالي:

“تنشر كل خلية في جسمنا جزيئات صغيرة يطلق عليها اسم Gemmules تنتشر في كامل الجسم، عندما تحصل هذه الجزيئات على المغذيات المناسبة، تتكاثر بالانقسام الذاتي، وتتطور في النهاية إلى وحدات كتلك التي تحدرت منها.” بذلك تكون هذه الـ Gemmules بذوراً للخلايا يتم جمعها من جميع أجزاء الجسم لتشكيل العناصر الجنسية، ويؤدي تطورها في الأجيال التالية إلى كائنات جديدة.

ولأن كلا الوالدين يشارك في تشكيل هذه البذار، فإن التتابع يؤدي إلى مزج المميزات من كل من الأب والأم. لكن ماذا نقول في حالة طفل لديه ميزات من أحد الوالدين أكثر من الآخر؟ يحصل هذا برأي داروين عندما “تتفوق الـ Gemmules في البويضة المخصبة بالعدد” حيث تكون تلك “الآتية من أحد الأبوين متفوقة بالعدد، الألفة، أو القوة أكثر من الآخر.” بمعنى آخر تكون العناصر الآتية من أحد الطرفين فعالة أكثر.
يجب على وحدات الـ Gemmules أن تتطور بالشكل الصحيح لتشكل كائناً معافى. وعندما يحصل خطأ في سير العملية ينتج كائن معيب. تتطور الـ Gemmules التي تأتي من الأعضاء المختلفة بنظر داروين في الأماكن الخاطئة، وتتحد مع الخلايا الخاطئة.

***

ماهو الاصطفاء الطبيعي؟ كيف يعمل؟ وماهي حدوده؟

***

لكن الأهم في كل هذا، أن نظرية الشمولية التي أتى بها داروين تمكنت من شرح التعدد بين الأحياء والكائنات. بذلك، أصبحت هذه النظرية وقود نظرية التطور. وذلك لسببين الأول: يأتي ” التنوع المضطرب” من ” نقص، غزارة، وانتقال الـ Gemmules وتكرار تطور تلك التي مرت في فترة راحة طويلة.”
بعبارة أخرى، تظهر هذه الوحدات في الأحفاد بعد تخطيها لجيل من النوع الواحد، على الرغم من عدم حدوث أي تغيير على هذه الـ Gimmules.
تمكنت نظرية الشمولية لدارون من تفسير التنوع بين الكائنات ـ وكانت وقوداً لنظرية التطور.
السبب الثاني يحاكي نظرية باطلة الآن وهي اللاماركية Lamarkism، التي ناقشت أن الميزات التي يكتسبها الكائن الحي أثناء حياته، وبفعل عوامل طبيعية أحياناً تستطيع في وقت لاحق أن تنتقل وتورّث إلى الجيل الذي يليه. كان لدى داروين قناعة تقول أن هذه الـ Gemmules قابلة للتغير أثناء فترة حياة الكائن الحي، ويمكن لهذه الوحدات التي تغيرت أن تتكاثر وتحل محل الوحدات القديمة. (ولت أيام نظرية اللاماركية، لكن يقول بعض العلماء في يومنا هذا أنه وبسبب اكتساب مهارات كاللغة، يمثل هذا وراثة غير جينية يمكنها أن تغير من مسار تطور الكائن الحي. لكن هذا الموضوع لا يزال جدلياً ولا نود الخوض فيه هنا.
لنلخص بعض الأفكار هنا: تمثل وحدات الـ Gemmules بذار الخلايا الحية التي تتولد نتيجة تزاوج الجنسين في الكائنات الحية. يجب أن تشكل هذه الوحدات الخلايا في الكائن الحي بالشكل الصحيح للحصول على كائن سوي، وتؤدي الطريقة التي تجتمع وفقها إلى التنوع والتعدد. يمكن لبعض هذه الوحدات أن تستريح، ما يؤدي إلى صفات لا تظهر في أجيال معينة، أو تتغير خلال فترة حياة الكائن الحي، مايؤدي بدوره إلى استمرار توارث الصفات التي طورها الآباء بفعل العوامل الطبيعية.
تحتاج أي نظرية إلى تجربة واضحة، ووقعت المسؤولية في نظرية داروين على قريبه فرانسيس غالتون Francis Galton. ولإثبات أن الـ Gemmules قادرة على توليد التعدد، أخذ عينة من دم أحد الأرانب وحقنه في آخر، مقتنعاً بفكرة أن صفات الأخير ستظهر صفات واضحة في الأول.

فرانسيس غالتون Francis Galton (ويكيبيديا)

كتب جيرالد جيسون Gerald Geison في تقريره ” داروين والتوارث: تطور فرضيته عن الشمولية Darwin and Heredity: The Evolution of His Hypothesis of Pangenesis” :” فشلت جميع هذه التجارب كما فشلت كل التجارب التي تلتها بإثبات صحة وجهة نظر داروين، وحالما تم نقض فكرة توارث الصفت المكتسبة، تم التخلي عن نظرية الشمولية أيضاً لتحلمحلها تفسيرات أكثر إقناعاً.”
يضيف جيسون “وبالنتيجة، تم النظر إلى فرضية الشمولية غالباً على أنها لغز وفشل ذريع للعبقرية. لعل السبب في ذلك أنهم لا يرغبون في إظهار شيء سوى عبقرية داروين، حيث يتجنب كل من يكتب عن داروين فرضية الشمولية.”
الخطأ في العلم ليس عيباً، لأنه حتى وعندما يأتي أحدهم ليثبت أنك على خطأ يمكن تسجيل هذه الخطوة على أنها تقدم في العلم. ويكون الإثبات محرجاً بعض الشيء للشخص الذي يتم تصحيح ادعاءه، لكن ذلك يبقى تقدماً بشكل عام.
اكتشف المنطق الحقيقي الأول عن الجينات من قبل أحد الرهبان ونباتات البازلاء لديه في عام 1850، في نفس الوقت الذي كان داروين يحضر لنشر كتابه عن أصل الأنواع.
عن طريق تناسل هذه النباتات وتسجيل طريقة انتقال الصفات من جيل إلى جيل، لاحظ غريغور ماندل Gregor Mendel أن الصفات لم تكن فقط مزيجاً من صفات الأبوين، كما استنتج علماء الأحياء في ذلك الوقت. لم تكن نتيجة تزاوج نبتة بازلاء بحبات ناعمة وأخرى بحبات مجعدة مثلاً نبتة بحبات شبه ناعمة بالضرورة، بل إما حبات منتفخة وناعمة أو حبات مجعدة. وهو مانشير إليه الآن بالأليلات alleles المسيطرة أو المتحيدة، أو نسخاً من جينات معينة: إن كان لون عينيك أزرقاً، مثلاً، فإنك تحمل أليلاً متحيداً، وإن كان لون عينيك بنياً، فسيكون لديك الأليل المسيطر. يحدث ها عندما تحصل على نسختين من كل جين، إحداهما من والدتك والأخرى من والدك.
لسوء الحظ، لم يعط أي أحد قيمة لعمل مانديل. ولم يكن حتى عام 1900 حتى أعيد اكتشاف البحث، وبدأ عصر علم الجينات. واكتشف العلماء سريعاً أن الحمض النووي DNA الذي يحمل المعلومات التي تعطي الكائن الكثير من صفاته، وفي عام 1953 حصل الحمض النووي على شكله الشهير وهو الحلزون المزدوج.
نعلم الآن أن توارث الصفات ليس له علاقة بالـ Gemmules وامتزاجها مع بعضها. نحصل على حمضنا النووي بالطبع من كل من الأب والأم. لكن يتم دمج الجينات منها بطرق فريدة في كل حالة، ما يؤدي إلى التعددات التي تنتشر حتى بين الأقارب. يمكن للتعددات أن تأتي أيضاً من التحولات أو الطفرات Mutations: عندما تنقسم خلايانا فإنها تقوم باستنساخ حمضها النووي والذي لا يكون في كل الحالات كاملاً ( لديك على الأغلب الكثير من التحولات التي لا تلاحظها حتى). لذا، تؤدي هذه الطفرات مجتمعة بالتغيير الجيني عند الولادة إلى التعددات وبالتالي إلى التطور: يولد بعض الأفراد بصفات قد تلائمهم أكثر مع بيئتهم، ما يعزز فرصهم في الاستمرار والتكاثر وتمرير الجينات إلى الأجيال المستقبلية.
جرب داروين تخميناً في مسألة التوارث وأخطأ، بالطبع، لكن لنبق في أذهاننا أنه كان مسؤولاً أيضاً عن طرح أكثر النظريات جدلية حتى الآن: التطور بالاصطفاء الطبيعي. لم يعش ما يكفي ليرى النتيجة النهائية، الجينات وهي تأخذ مكانها في الصورة ( ويمكن أن نقول هنا أن الجينات كانت أكبر القطع – ولا زال لدينا الكثير لنتعلمه عن التطور)

كيف بدأ الكون؟ إلى أين يتجه؟ ومن ماذا أتى؟ كتاب A Universe from Nothing

ساهم إعلان آينشتاين عن نظرية النسبية في بدايات القرن الماضي في تطوير الفيزياء بشكل جوهري منذ عهد نيوتن. ليس فقط لأنها استطاعت تفسير مفاهيم متعلقة بالطاقة والكتلة وسرعة الضوء بل لأن شكلت أساساً لكثير من علماء الفيزياء والفضاء والفيزياء الجزيئية لتطوير فهمنا عن الكون ونشأته بشكل جوهري. باختصار، كانت الثورة التي قدمها آينشتاين في ربط الزمن Time بالفضاء Space عبر مفهوم “الزمكان Spacetime” الناتج عن ارتباطهما، كما قدمت النظرية أيضاً تأثير الأجسام ذات الكتل العالية جداً عليها.  علماء كثيرون عملوا في هذا لعل أشهرهم ستيفن هوكينغ أو لورنس كراوس الذي سأسرد أفكاره اليوم بالتفصيل.  

laurence_krauss
لورنس كراوس، ويكيبيديا

لورنس كراوس Lawrence M. Krauss هو عالم فضاء وعالم فيزياء نظرية قدم العديد من أفضل الكتب مبيعاً حول العلوم. أكثر مايعرف عنه هو التزامه في نشر العلوم للعموم وتبسيطها. مشاركاته متخصصة في الأفكار حول المادة المظمة والطاقة المظمة، ماسأتحدث عنه لاحقاً.

سأحاول الآن تلخيص أهم الأفكار المطروحة في الكتاب مستعيناً بموقع Blinkist المميز لتلخيص الكتب ومالفت انتباهي شخصياً مدعماً الأفكار بصور وفيديو من مصادر مختلفة. يساهم الكتاب في سرد التطور التاريخي لفهم الكون وعرض الدلائل العلمية التجريبية واحداً تلو الآخر التي أوصلت العلماء للتأكد من نشأة الكون ومستقبله وطبعاً، مفهوم كراوس حول “اللاشيء.” المثير للجدل. 

من المهم حول هذا المفهوم بالتحديد، تبيان أن محاولة كراوس (وإن تصاحبت ببعض الملاحظات والاستنتاجات الدينية) لاتعبر عن شيء بقدر تعبيرها عن محاولة لفهم علمي لمفهوم اللاشيء. اللاشيء الملموس المعروف بالنسبة لنا، والذي سينتنج عدم وجوده أصلاً. 

يذكر لورنس أن الكتاب أتى أساساً بعد أحد محاضراته التي تحمل نفس العنوان، والتي أثر انتشارها الكبير عليه في أن أراد نشر كتاب مفصل حول الموضوع. إليكم المحاضرة أولاً لمحبي التوسع.

من المهم أن أذكر هنا أن كتاب كراوس يبدأ بسرد تاريخي وفيزيائي وفضائي للتقدم في فهم البشر للكون على مدى العصور وكيف استقر كل مفهوم على أمور مثبتة ومؤكدة فيزيائياً، ثم ينتقل بعد ذلك إلى طرح مفهومه حول “اللاشيء” وكيف من الممكن أن ينتج “شيئاً.” لايخفي كراوس طبعاً في مقدمة الكتاب عدم إيمانه “كتدين” ولكنه لايتعرض للموضوع الديني المتعلق بجدله حول الخلق بشكل صريح إلا في الفصل الأخير من الكتاب.

أولاً: أهمية النظرية النسبية لآينشتاين وربط الفضاء بالزمن وتأثير الأجسام ذات الكتل العالية جداً عليها

بقيت نظرية نيوتن للجاذبية كافية لتفسير حركة كل عناصر الكون لكثيرين لقرون عدة. لكن في بدايات القرن العشرين، ولتفسير نشاط الجاذبية الغريب للأجسام الكبيرة جداً والبعيدة، نشر العالم ألبرت آينشتاين نظريته النسبية بعد سنين مع العمل. النظرية هذه (التي تتألف من مكونين نظرية خاصة ونظرية عامة)، طورت الفيزياء وسمحت لعلماء الكواكب والكون لدراسة وفهم عالمنا وكوننا بطريقة جديدة كلياً. طريقة ثورية. 

النظرية النسبية الخاصة هي الجزء المتخصص في بنية مايسمى بالزمكان Spacetime. تطرح هذه النظرية فكرة أن الفضاء والزمن ليسا منفصلين لكن مرتبطين بشكل جوهري بحيث أن السرعة التي يمر بها الوقت هي نسبية للسرعة التي تتحرك بها الأجسام. أظهرت النظرية أيضاً أنه لايمكن لشيء أن يتحرك بسرعة أكبر من سرعة الضوء. 

تتحدث النسبية الخاصة أيضاً أن المادة والطاقة محكومان بعلاقة. يمكن للمادة أن تتحول إلى طاقة والعكس صحيح. شرح هذا رياضياً عبر المعادلة الشهيرة E= mc2 (الطاقة = حاصل جداء الكتلة في مربع سرعة الضوء.)

من جهة أخرى تأتي النظرية النسبية العامة حول الجاذبية وتناقش تأثير الأجسام ذات الكتل العالية جداً على الزمكان. يشبه هذا التأثير مايحصل عندما نضع كرة زجاجية على شريحة مطاطية نحيفة جداً حيث تلتوي الشريحة. الشريحة المطاطية هنا هي الزمكان. كلما كانت كتلة الجسم أكبر يكون الإلتواء أكبر، هذا الإلتواء هو مايسبب سحب هذا الجسم للأجسام الأخرى الموجودة حوله. 

وتم تأكيد هذا الإلتواء عبر ظاهرة تدعى العدسة الجاذبية Gravitational Lensing: عندما يتحرك الضوء باتجاه جسم ذو كتلة عالية جداً مثل الثقب الأسود، يمكن لهذا الغور الناتج عن الإلتواء في الزمكان أن يثني الضوء حول الجسم. يستخدم علماء الفضاء هذه الظاهرة لدراسة النجوم والمجرات وراء الأجسام ذات الكتلة العالية جداً. 

هذا الشرح المميز والذي طبعاً شرحه كراوس في الكتاب بشكل تاريخي مميز جداً يبين أهمية نظرية آينشتاين النسبية في ربط الفضاء والزمن بمفهوم الزمكان ووضح تأثير الأجسام ذات الكتل العالية جداً عليها عبر لويها. 

ثانياً: تأكيد الدليل العلمي على أن الكون الممكن إدراكه في حالة توسع، وأن هذا التوسع في استمرار متسارع

ظل الإعتقاد السائد بين العلماء أن الكون ثابت وأبدي لفترة قريبة. بدأ هذا المفهوم بالتغير عندما أتى عالم فيزياء بلجيكي اسمه جورج ليميتر George Lemaitre (وهو قس مسيحي أيضاً بالمناسبة) ووضح أن نظرية آينشتاين للنسبية العام تتنبأ بكون غير ثابت أو أبدي، وأنه حقيقة في حالة من التوسع. طبعاً كانت الفكرة ثورية جداً  وقتها لدرجة أن آينشتاين نفسه وقتها قال: “رياضياتك صحيحة، لكن فيزيائك مقيتة.” وكما حالة العلوم بشكل عام، بقيت نظرية ليميتر نظرية لحين التأكد منها عبر الملاحظة التجريبية. 

أتى دليل هذه النظرية من عالم الفضاء الأمريكي فيستو سليفر Vesto Slipher ومراقباته للنجوم ذات السطوع العالي جداً في المجرات البعيدة. لدقة أكبر المقصود هنا هو الألوان التي تسطع بها. وجد سليفر أن الأمواج الضوئية الناتجة من مصدر يتحرك بعيداً عن المراقب تتوسع باستمرار (وهو ماعرف بتأثير دوبلر في الفيزياء) ولهذا ستبدو محمرّة (ذات لون أحمر) بازدياد. سبب هذا أن اللون الأحمر هو من الألوان ذات الموجة الطويلة في نهاية الطيف الضوئي. تأثير دوبلر هذا معروف أكثر في عالم الصوت ونلاحظه مثلاً  عندما تتحرك سيارة الإسعاف بعيداً عنا. تتمدد الموجات الصوتية الصادرة عن سيارة الإسعاف بحيث تكون ذات اهتزازات أقل lower pitch ويختلف الصوت بالنسبة لنا كـ “مراقب.”

الآن وعبر ملاحظة وقياس شدة الإحمرار ( أو مايعرف في عالم فيزياء الفضاء بـ red shift) للنجوم البعيدة، استنتج سليفر أن أغلب الأجسام في المجرة تتحرك بعيداً عنا. مؤكداً بذلك أن الكون هو فعلاً  في حالة توسع مستمر كما تنبأ ليميتر سابقاً. 

تقدم مهم آخر في دراسة توسع الكون حصل في عام 1929 عندما وضح عالم الفلك إدوين هابل Edwin Hubble بأنه كلما بعدت مجرة ما عنا، كلما كانت سرعتها في الإبتعاد أكبر. هذا الكشف المهم والمعروف باسم “قانون هابل Hubble’s Law” يبين فكرة مهمة جداً وهي أن التوسع في الكون لايحصل بوتيرة ثابتة بل هو متسارع! هذا التسارع يتطلب وجود قوة ما تسببه. يشرح كراوس بعض الأمور التاريخية المهمة خلال حديثه عن هابل وعن دور المرأة تحديداً في التمهيد لإكتشافات هابل والتي لم يقم العلم وقتها إعطائها حقها كمايجب. 

إذاً، هناك دليل علمي مثبت بالملاحظة التجريبية يؤكد توسع الكون وأن هذا التوسع متسارع. 

ثالثاً: تأكيد الدليل العلمي بأن الكون نشأ من حادثة الإنفجار العظيم Big Bang من 14 مليار سنة 

اكتشاف توسع الكون وأن حالته ليست ثابتة أبداً يأخذنا إلى البحث في سبب هذه الظاهرة، والتي استدل العلماء منها أن هناك لحظة معينة نشأ فيها الكون في الماضي وأوصلتنا لهذه الحالة من التوسع المستمر. تعرف هذه الحالة بالإنفجار العظيم Big Bang. وصلنا حالياً إلى مرحلة أكد فيها الدليل العلمي (وهو التوافق مابين التنبؤ النظري القائم على الرياضيات والفيزياء النظرية والملاحظة التجريبية empirical observation) حصول الإنفجار العظيم.  أحد مصادر هذا الدليل هو حركة المجرات. وجد العلماء أن جميع المجرات كانت في نفس الموضع في لحظة ما من الماضي عبر تتبع مسارها وسرعتها الحاليان. يعني هذا أنها كانت جميعاً في نفس المكان والزمان وبالتحديد منذ 13.72 مليار سنة. كل الكون الممكن إدراكه كان مركزاً في نقطة واحدة. 

مصدر آخر لهذه الحادثة هو الذرات التي تكون كوننا. كانت كل المادة الكونية مركزة في بلازما مهولة التركيز ومهولة الحرارة بناء على المفهوم النظري للإنفجار العظيم. عندما بدأ الكون بالتبرد، بدأت البروتونات والنترونات في هذه البلازما بتشكيل نوى الذرات. يمكننا اليوم عبر محاكاة هذه الظروف أن نتنبأ بالذرات الأولى التي تشكلت في هذه العملية. ويظهر من الوفرة الكونية لأخف العناصر (الهيدروجين والهيليوم والليثيوم) أن تنبؤات العلماء توافق تماماً مع كمياتها الملاحظة في الكون. مايزيد من قوة الدليل الخاص بفهمنها للإنفجار العظيم. 

تستطيع الفيزياء الكونية المعاصرة إنتاج صورة واضحة عن نشأة الكون من حركة النجوم إلى الوفرة الكونية للعناصر الخفيفة، رسم صورة واضحة لكون بدأ من نقطة واحدة ساخنة جداً منذ 14 مليار سنة تتوسع منها إلى الآن وستستمر.  

رابعاً: تأكيد الدليل العلمي على أن الكون مسطح وأن توسعه سيتباطئ تدريجياً

لاشك أن الكون في توسع، لكن في نفس الوقت هناك عامل مؤثر في ثنيه عن هذا التوسع وهو الجاذبية التي تقاوم ذلك. هنا، يأتي السؤال الذي يحير علماء الفضاء عن كون قوة الجاذبية كافية للوقوف ضد هذا التوسع على المدى الطويل.

جواب هذا السؤال يملي حقيقة شكل وقدر الكون الذي نعرفه، فإن كانت هذه الجاذبية كافية، سيعني هذا أننا سنصل لنقطة في النهاية إلى التحطم العظيم Big Crunch وهي المفهوم المعاكس تماماً للإنفجار العظيم. يوحي هذا ضمنياً بمايسمى مفهوم الكون “المغلق.”

 أما إذا كانت قوة التوسع أعظم سيوحي هذا بالكون “المفتوح” الذي سيستمر بالتوسع إلى اللانهاية.  هناك طبعاً مفهوم أخير وهو تساوي قوى التوسع مع الجاذبية، سيؤدي هذا إلى نوع من التوزان يبطئ توسع الكون تدريجياً. هنا يكون الكون متوازناً أو منبسطاً أو Flat.   وجد العلماء أن المفهوم الثالث الخاص بالكون المتوازن هو الصحيح، بمعنى طاقة الكون تصل إلى الصفر نتيجة التضاد بين سحب الجاذبية وقوة التوسع الذي يلغي كل منهما. طبعاً تنبأ علماء الفيزياء النظرية هذا الأمر عبر الرياضيات بفترة طويلة لكن وكما هي حال العلوم التجريبية كالفيزياء يتطلب الأمر دليلاً  تجريبياً لتأكيد المفهوم النظري. تجدر الإشارة هنا إلى أن الرياضيات مع قوتها غير كافية، الرياضيات هي اللغة القوية الوحيدة القادرة على تفسير العلم لكنها غير كافية لتأكيده. 

من المهم الإنتباه هنا إلى أن موضوع “تسطح” الكون هو موضوع إلى حد ما إشكالي (وهو مايحاول كراوس تأكيد أنه ليس كذلك) لذلك سأحاول تفصيل الموضوع قليلاً هنا. توسع الكون محكوم نهاية بالنزاع إن صح التعبير بين توسع الكون وسحب الجاذبية. نسبة هذا التوسع معبر عنها بما يسمى ثابت هابل Hubble Constant أو H0، بينما تعتمد قوة الجاذبية على الكثافة Density و الضغط Pressure الخاص بالمادة في الكون. ففي حال كان الضغط منخفضاً، كما هي حالة معظم أشكال المادة التي نعرفها، سيكون قدر الكون محكوماً بالكثافة. وإذا كانت الكثافة أقل من “نسبة الكثافة الحرجة” (والتي هي بدورها متناسبة مع مربع قيمة ثابت هابل) سيتوسع الكون إلى اللامالانهاية. أما إذا كانت الكثافة الخاصة بالكون أكبر من الحرجة فستفوز الجاذبية نهاية ونصل للتحطم العظيم. 

end_of_universe
وفقاً لنتائج مسبار ويلكنسون لتسجيل الأشعة الراديوية المتبقية من الإنفجار العظيم هناك شبه تأكد بأن الكون مسطح أو منبسط (بنسبة خطأ 0.4 بالمئة فقط) وهي مطابقة لمفهوم رياضاتي يمثله مترية فريدمان-لاميتر-روبرتسون-ووكر) يرمز لكثافة الكون بـ أوميغا Ω وتم التأكد بأنها 1 مايعني أن الكون مسطح (ويكيبيديا)

وصل العلماء لأفضل دليل على هذا عام 2003 من دراسة إشعاع الخلفية الكونية الميكروي Cosmic Microwave Background Radiation أو CMBR. الـ CMBR هو الإشعاع الطيفي الناتج عن الإنفجار العظيم. يساهم انتشار هذا الإشعاع في عرض صورة عن كوننا في بداياته حينما ظهرت المجرات. تمت مقارنة القياسات الخاصة بهذا الإشعاع مع التنبؤات الرياضياتية لمايجب أن تبدو عليه تجمعات المجرات أو Galaxy Clusters فيما إذا كان الكون “مفتوحاً أو مغلقاً أو متوازناً.” أكدت القياسات بالضبط مفهوم توازن أو انبساط الكون بحيث أن عملية التوسع هذه ستتباطئ شيئاً فشيئاً بدون أن تتوقف كلياً (علينا أن نتذكر هنا أنه وقياساً لسعة الكون العظيمة لايمكن أبداً ملاحظة هذا أو الإحساس به إلا عبر ملايين من السنين.)

الآن كيف نؤكد هذا؟ أطلقت ناسا مسبار خاص لدراسة هذا الأمر في 2001 باسم مسبار ويلكنسون لقياس اختلاف الموجات الراديوية Wilkinson Microwave Anisotropy Probe أو WMAP. تقول ناسا بأن نتائج WMAP وملاحظات سوبرنوفا  بعيدة تقترح أن توسع الكون هو حقيقية في تسار، والذي يلمح لوجود نوع جديد من المادة (سنتحدث عنه لاحقاً) يؤثر بضغط سلبي. الآن ومن 2013 آخر القياسات التي نتجت بعد تجارب مسبار WMAP وتجارب أخرى مثل MAT/TOCO و Boomerang و Maxima و DASI تثبت دقة مفهوم تسطح الكون بشكل دقيق جداً جداً وأن نسبة الخطأ هي 0.4 بالمئة فقط بعد فترة طويلة كانت نسبة الدقة فيها 15 بالمئة ونسبة الخطأ 2 بالمئة.

البروفيسور نيل دوغراس يشرح هذا

إليكم أيضاً فيديو يشرح سبب تسطح الكون، تجدر الإشارة هنا إلى أن الفيديو قبل 2013 وبالتالي يتحدث عن نسبة الدقة 15 بالمئة وليس ما أكدته ناسا بعد التجارب وكماسنرى بعد قليل في تأكد نموذج التضخم للإنفجار العظيم Inflation Model

خامساً: الفضاء الخالي ليس خالياً: الفضاء الخارجي محكوم بطاقة ومادة مظلمتان غير مرئيتان 

وصلنا إلى أحد أهم أفكار الكتاب أهمية وإثارة للجل. يعرض كراوس هنا المفهوم العلمي للاشيء وتفسيره الخاص له. لنتابع…

اعتقد العلماء ولفترة طويلة أن الكون مؤلف من مادة مرئية مثل النجوم والكواكب. لكن كشفت ملاحظات علمية مؤخراً أن غالبية المادة في الكون هي غير مرئية حقيقة متواجدة في الفضاء الفارغ ( “اللاشيء Nothing”) أعطى الفيزيائيون لهذه الظاهرة اسم المادة المظلمة dark matter. 

إضافة للمادة المظلمة وجد الفيزيائيون أيضاً أن الكون يخفي طاقة مظلمة Dark Energy. هذا الاكتشاف قائم على حقيقة أن توسع الكون متسارع، ولهذا لابد من وجود شيء يسببه. التفسير المنطقي الوحيد لهذه الظاهرة وجود طاقة غير معروفة من نوع ما في الفضاء تسبب هذه قوة التوسع هذه. لايزال أصل الطاقة المظلمة هذه غير معروفاً. 

وكما أن أغلب الطاقة في الكون غير مرئية، يبدو أيضاً أن المادة كذلك. وجد علماء الفضاء أن الطريقة الوحيدة لتفسير دوران مجرتنا وجود كتلة عالية جداً غير مرئية مقابل المادة المرئية. 

أراد العلماء بعد هذا التأكد من وجود المادة المظلمة هذه في الفضاء السحيق بين المجرات. تم دراسة هذا عبر تفحص التواء الضوء خلال انتقاله في هذه المسافات. استنتج العلماء أن هناك شيء ما يطبق جاذبية عليه: إنها المادة المظلمة. حقيقة الأمر أن العلماء وجدوا أن المادة المظلمة تشكل نسبة أكثر من 90% من كتلة الكون. 

يبدو أن كوننا محكوم ومسيطر عليه من قبل كتلة وطاقة من لاشيء!

مفاجأة أخرى هنا، يبدو أنه لايوجد مايكفي من البروتونات والنترونات في الكون لتشكيل هذه المادة المظلمة، مايعني أن هناك جسيم أولي Elementary Particle من نوع جديد في كوننا!

مشكلة المادة المظلمة أن العلماء متأكدين من وجودها لكن لم يستطيعوا تحديد ماهيتها ومصدرها بالضبط. أمر كهذا معروف في عالم الفيزياء والأمر بحاجة لبعض الوقت لبحثه، هناك الكثير من التفاسير والمحاولات والتجارب. إليكم أهمها

سادساً:  الجسيمات الإفتراضية وسر كتلة الكون

اللاشيء ليس لاشيئاً بعد الآن. التطورات في الفيزياء الجزيئية برهنت، وعلى مستوى دون ذري صغير جداً جداً، أن مانلاحظه كفضاء فارغ مليء حقيقة بجسيمات افتراضية Virtual Particles: تلك الجسيمات التي تظهر وتختفي في الكون بشكل أسرع بكثير ممايمكن قياسه. 

ما الذي يجعل الجسيمات الافتراضية هذه بعيدة المنال؟ لماذا لايمكننا ملاحظتها أو قياسها؟ 

سبب هذا وجود مايسمى بـ الجسيمات المضادة antiparticles. 

قدم العالم الفذ بول ديراك Paul Dirac عام 1928 نظرية تتطلب وجود جسيمات جديدة مطابقة للإلكترونات لكن بشحنات كهربائية معاكسة. أثبت هذا بعد عامين، عندما ساهمت تجارب العلماء على الإشعاعات الكونية Cosmic Rays في تأكيد وجود دليل على جسيمات كهذه سميت بالبوزيترونات Positrons. هذه البوزيترونات هي مضادات للإلكترونات. اكتشف العلماء وجود مضادات إلكترونات لكل لجسيم جزيئي تقريباً في الطبيعة. هناك أنتي (مضاد) بروتونات للبروتونات و أنتي (مضاد) نيترونات للنترونات. 

لهذه الجسميات خاصية مميزة بحيث تلغي كل منهما الأخرى في أي لحظة تلاقي ويتحولان لإشعاع. يجري الأمر بسرعة كبيرة جداً بحيث لايمكن للعلماء قياس مايجري مباشرة وبهذا يظهر الأمر كـ “لاشيء.” 

هذه هي الجسيمات المضادة، تلك الأزواج التي تظهر مع بعضها وتلغي بعضها مباشرة. 

اللاشيء ضمن البروتون. نمذجة للـ ديناميكا اللونية الكمومية (ويكيبيديا)

تولد هذه الجسيمات وإفنائها لبعضها هو مايولد 90% من كتلة الكون (مجمل الطاقة المظلمة والمادة المظلمة.) المادة مكونة من الذرات، الذرات مكونة من البروتونات والنترونات، البروتونات مكونة من كوراكات quarks تتحرك في الفضاء. المشكلة هنا هو أنه عندما نقيس كتلة البروتون، نجد أن كتلتها ليست في الكوراكات نفسها بل في المساحات “الفارغة” فيها. 

نحن كبشر مؤلفين من بروتونات ونترونات، لكن وبناء على السابق فإن الفراغ بين كوراكات البروتون هي ماتشكل 90% من كتلتنا. ينطبق الأمر نفسه على كتلة الكون. 

يشير كراوس إلى أحد أعمال العالم ديريك لاينويبر Derek Leinweber حيث أنه ومع العلم أن ملاحظة الجسيمات الإفتراضية شبه مستحيل لكن تأثيرها موجود.

سابعاً: الغالب أن الكون ظهر كمنطقة صغيرة من الفضاء الفارغ وتضخم بشكل سريع جداً

يعتقد العلماء اليوم بأن الكون توسع عبر التضخم inflation: وهي مرحلة من التوسع السريع جداً والعشوائي حصلت بعد ثوان من الإنفجار العظيم. السبب الأساسي وراء التضخم هذا غير معروف بعد لكن وبشكل مبسط، توسعت قطعة صغيرة جداً منه أضعافاً مضاعفة لتحتوي كوننا اليوم. 

مع توسع الكون ازدادت كمية الفراغ فيه، بمعنى أن الطاقة المظلمة الموجودة في هذا الفراغ نمت أيضاً. عندما انتهى التضخم هذا تحول بعض من هذه الطاقة إلى مادة. يقوم هذا على علاقة آينشتاين بين المادة والكتلة E=mc2. 

مفهوم الـ Inflation مهم لدرجة أكبر ممانتصور وسأحاول توضيح المفهوم هنا بشكل أكبر كون الكتاب ظهر في 2002 وجرى الكثير عليه حتى الآن في 2014. الأهم فيه أنه أتى في الثمانينات كحل لمجموعة من المشاكل الفيزيائية النظرية للإنفجار العظيم Big Bang. هذه المشاكل هي 1) مشكلة التسطح Flatness Problem ثم 2) مشكلة الأفق The Horizon Problem ثم 3) مشكلة القطب The Monopole Problem. كانت هذه مشاكل كبيرة وجوهرية في الإنفجار العظيم حقيقة. لهذه المشاكل نظريات واقتراحات عديدة، أكثرها للإثارة كان نظرية التضخم Inflation Theory.

الآن في آذار/ مارس 2014 هذا العام تأكد وجود دليل جديد من جامعة ستانفورد على أن مفهوم الـ تضخم Inflation هذا هو مفهوم دقيق وليس اقتراح علمي أو نظرية. كانت هذه أحد أجمل لحظات العلم بداية العالم عندما أخبر أحد الأساتذة المساعدين في جامعة ستانفورد. نقل الطالب تأكيدات عبر تجربة BICEP2 في القطب الجنوبي.

ولأجل جمال مصادفة المقال هذا، فقد نشر نفس الفريق العامل على التجربة في حزيران/ يونيو 2014 ورقة بحثية يطرح الكثير من الأسئلة الشائكة حول المفهوم نفسه لكن يُبقي تأكيده على رؤيته عن الموضوع. بمعنى آخر ارتفع معدل الأسئلة والشكوك بعد التأكيد الشبه حاسم. وكما حال العلم، لابد من تأكيد أي نظرية أو تشكيك من عدة مصادر مستقلة تصل لنفس النتائج. أجد أن هذا مهم في سياق حديثنا عن الكون وأصله. لنلاحظ هنا أن الأمر مرتبط بالتضخم Inflation وليس بالإنفجار العظيم نفسه. كما أن هذا لايعني أبداً أن التضخم خاطئ بمفهوم النفي، لأن هناك تأكيدات أخرى تأتي من تأكيد اكتشاف جسيم هيغز بوزون Higgs Boson وتأثيره على مفهوم تضخم الكون إلا أنها أحد التجارب التي تحاول تأكيده فيزيائياً بشكل آخر والتي لم تصل لنتائج مرضية كلياً بالمفهوم الفيزيائي.

عودة للكتاب الآن. هل خرجت المادة من الفضاء الفارغ إذاً؟ تفضي قوانين الفيزياء الكوانتية أنه وعلى مقاييس صغيرة جداً جداً، فضاؤنا يغلي بجسيمات افتراضية. أزواج من الجسيمات ومضاداتها تظهر وتختفي من الوجود. في بعض الأحيان تحدث ظاهرة تدعى الاهتزازات الكمومية Quantum fluctuations بحيث وبشكل لحظي يصدف أن يحدث عدم توازن في أعدادها.

كانت هذه الاهتزازات الكمومية في بداية الكون لصالح الجسيمات مقابل مضاداتها. هذه الحالة المؤقتة، والتي كانت فترتها الزمنية كفيلة بنتائج، تجمدت وتوسعت عندما بدأ التضخم. ولهذا وفي بعض الأماكن، تحولت الطاقة من الفضاء “الفارغ” وعلقت بهيئة جسيمات تحولت لاحقاً إلى مادة. 

هذه المادة – التي تنتشر الآن في كوننا الواسع- بدأت في التأثير على بعضها بقوى جاذبة مكونة كتلاً وصلت في النهاية لتشكيل مجرات وكتل مجرات نراها اليوم.

لهذا، نحن وكل شيء في هذا الكون نتيجة لاهتزازات كمومية كانت حقيقية “لاشيء” في بداية الكون والوقت. 

ثامناً: سيصل الكون يوماً ما لمرحلة توسع شديدة جداً، لايمكن أن نرصد فيها شيئاً إلا مجرتنا

يضع العلماء عندما يدرسون أصل وقدر الكون كل نظرياتهم على النجوم والمجرات الممكن رؤيتها، أو “الكون الممكن إدراكه Observable Universe.”

لكن الحقيقة أن هناك عدد لانهائي من المجرات الأخرى التي لايمكن ملاحظتها بسبب أن ضوئها لم يصل إلينا، ولن يصل.

حتى أن المجرات التي يمكن أن نلاحظها اليوم لن تكون ملاحظة دائماً بسبب توسع الكون. لتفسير هذه الفكرة، لنتخيل أن المجرات نقاط على بالون يتم نفخه وأن الطاقة المظلمة هي الهواء داخلة. كلما نفخنا في البالون، ابتعدت النقاط أكثر وأكثر وأكثر. 

كوننا الملاحظ الآن على عتبة التوسع بشكل سريع جداً لدرجة أن الضوء نفسه لن يستطيع مجاراته. المسافة بين المجرات ستتوسع إلى حد أكبر من قدرة سرعة الضوء على الانتقال بينها. يعني هذا أن المجرات التي يمكن أن نراه اليوم، ستتحرك بسرعة أكبر من قدرة الضوء الصادر منها على الوصول إلينا. وبالتالي لن نكون قادرين على ملاحظتها.

عندما يحصل هذا، لن يستطيع العلماء على الأرض من ملاحظة النجوم البعيدة التي أمنت لنا دليلنا لفهم الكون وطبيعته المتوازنة (المسطحة) والمتوسعة. كل الدلائل الممكن ملاحظتها ستختفي. لن نستطيع ملاحظة أي دليل على الإنفجار العظيم في الحقيقة، أو دليل وجود المادة والطاقة المظلمة أو حتى أن الكون نفسه يتوسع.

سيلاحظ الفيزيائيون الذين يدرسون الكون بعد ترليونات السنين في المستقبل الكون كما لاحظته البشرية قبل عهد آينشتاين: سيكون الكون ثابتاً وأبدياً على حالته ومع وجود مجرتنا كأهم عنصر فيه. سيكونون مخطئين، لكن لن يكون أمامهم أي دليل لمعرفة هذا. 

تاسعاً: الإختلاف الأساسي بين العلم والإلهيات (الإعتقادات الدينية) هي أن العلم يقوم على الملاحظة، بينما تحاول الإلهيات تفسير الكون وفقاً للمعتقد نفسه

هنا يطرح كراوس الفكرة المثيرة للجدل الأساسية في كتابه حول الإختلاف بين العلم والإلهيات. حيث يرى أنه ولآلاف السنين نظر البشر للعلم والدين لفهم الكون من حولهم وأصوله.  وبينما يجبر العلم معتقداته على أن تكون قائمة على دليل الحقيقة، تطلب الديانات من متبعيها تفسير الأمور وفقاً لماتراه هي حقيقة. مثال هذا تأكيد الكنسية الكاثوليكية على أن الأرض هي مركز الكون لفترة طويلة جداً بعد ملاحظة كوبرنيكوس أن هذا غير ممكن وأن الكثير من معتنقي المسيحية اليوم يرون أن عمر الكون 6000 عام فقط وبتجاهل الدليل الواضح على أنه ليس كذلك. 

وفيما يتعلق بنشأة الكون، لايوجد أي دليل يدعم الأفكار الدينية: لاوجود لقوة إلهية أو لكون أنشئ عبرها. جمال العلوم وفقاً لكراوس أنها لاتدعي معرفة الإجابات قبل التأكد وطرح الأسئلة. هنا يسأل العلماء خلافاً لعالمي الدين عن “كيف” وليس “لماذا.”

سؤال “لماذا؟” يفترض وجود السبب أو النية بينما “كيف؟” يحاول تحليل الأسباب التي أوصلت لظاهرة أو حدث معين. مثال هذا سؤال علماء الإلهيات عن “لماذا ظهر الكون؟” ومحاولاتهم للتفسير بناء على كل اعتقاد أو ديانة. بينما عندما يسأل العلم “كيف ظهر الكون؟” هو محاولة لمراقبة وفهم مايجري والبحث فيه.  وخلافاً لسؤال “لماذا؟” يأتي سؤال “كيف؟” كسؤال يؤدي إلى المزيد من المعرفة والفهم لكوننا. الإجابة الأخيرة على سؤال “كيف؟” لن تكون عبر التخمين أو الرؤيا أو الإعتقاد فقط. ستأتي – إن أتت – عبر الملاحظة والاستكشاف.

خلاصات

أثار الكتاب في طرحه هذا الكثير من الجدل، وهناك بعض الاعتراضات عليه خصوصاً أن كراوس يقر به كدليل لعدم وجود منشئ أو خالق للكون وبالتالي العنوان نفسه جدلي إلى حد كبير. حقيقة الأمر أن جميع النقاشات والمقالات التي قرأتها مع أو ضد الكتاب تغفل أمراً مهماً هو أن طريقة عمل العلم قائمة على الخطأ والصواب الملموس والإقرار به،  وبالتالي لايمكن نقد ماطرحه كراوس إلا بالفيزياء نفسها.

تقوم فكرة كراوس (ولهوكينغ رأي مشابه أيضاً في نشأة الكون) أن الفيزياء لايمكن أن تقبل أن بداية الكون جاءت من قوة عظيمة متمثلة بالإله. وحتى لو لم يملك الفيزيائي إجابة على “كيف” فهو سيبقى باحثاً عن الموضوع ويربط دائماً رياضياته بالملاحظة والتجربة (أحد أهم الأمور التي تميز العلم كالفيزياء عن لغة العلم كالرياضيات مثلاً، كون الرياضيات تعطي نتائج لايمكن تأكيدها بشكل قطعي إلا بعد التأكد منها فيزيائياً حتى لو كانت صحيحة بالكامل بالرموز.)

هناك اختلاف كبير عندما نقول أن هناك فيزيائي مؤمن وناجح وبالتالي نلغي كلام كراوس. الأمر ببساطة محكوم بأن الفيزياء إذا نظرنا بتجريد للموضوع لايهمها إن كان العامل بها مؤمناً أو لا لأن المعايير جوهرية ومختلفة. لايمكن أن يفسر الفيزيائي أي أمر إلا بمايمكن أن يلاحظ وبالتالي سيضع معتقداته جانباً ويفكر بالدليل الملاحظ حتى لو اعتقد ضمنياً أن هناك قوة إلهية وراء كل شيء ولن يتأثر بهذا. 

يعني هذا ببساطة أن فكرة التحدي التقليدي بين الفهم العلمي والديني للكون غير واردة أصلاً  لأن لكل منهما طريقة في التفسير والأمر يعود للإنسان في النهاية. من المهم هنا أيضاً وضع سياق الكتاب في السياق السياسي الأمريكي حول نظرة كثيرين في الولايات المتحدة للعلوم حقيقة وهو بحد ذاته مفاجئ لكثيرين من دول أخرى على الأرض. هناك علاقة شائكة بين التدين والعلوم في الولايات المتحدة. نجد كثير لهذه الدلالات في الكتاب وفي محاضرة كراوس. 

حتى أن مفهوم العدم الفلسفي لايمكن أن يوافق عليه العلم (والفيزياء تحديداً) لأن هذا هو هدف الفيزياء في الحياة أصلاً. قد يكون كراوس بالغ في المقارنة العلمية/ الفلسفية لتبيان فكرته كونها برأيي غير ناجحة أساساً، لكن لنضع أخيراً فكرة مهمة يقر بها كرواس هي أنه لايمانع وجود خطأ (قائم على الدليل الفيزيائي المثبت بالقياس وليس الرياضياتي النظري أو حتى الفيزياء النظرية الغير مثبتة) ووقتها قد يتغير المفهوم كلياً. أفكار علمية كثيرة بقيت صحيحة لقرون مثل جاذبية نيوتن إلى أن أتى آينشتاين وغير كل شيء ودُعم هذا لاحقاً بالبرهان التجريبي.

الفكرة التي يحق بها كراوس في النقاش الديني/ العلمي هي أنه (وخلافاً للمفهوم التقليدي للدين) لايدعي اليقين وغير مهتم أساساً بالإجابة على سؤال “لماذا؟”، ليس اليقين الفيزيائي القائم على الملاحظة ثم التجربة ثم التأكد (والتي بدورها لايمكن إلا أن تحمل نسبة خطأ ولو ضعيفة جداً جداً جداً)  بل اليقين الديني الذي لايقبل الجدل والنقاش، وهذا هو السبب بالذات التي أرى فيه أن الأمر لن يعود إلا للإنسان ومايعتقده في النهاية. 

لعل أشهر نقد لكتاب كراوس هو ماكتبه فيلسوف العلوم ديفيد ألبرت David Albert في مقال له كرد في صحيفة The New York Times. أكبر انتقاد لكرواس من قبل ديفيد هو أن هناك فرق كبير بين “اللاشيء” الذي يشير إليه كراوس، وهو لاشيء مستوحى من فيزياء الكوانتكم باسم Quantum Vacuum وبين مايشير إليه الفيلسوف أو عالم الديانات باللاشيء نفسه.

الإستنتاجات الأخرى غير مهمة وغير ضرورية وللأمانة يطرح كراوس نفسه الفكرة في كثير من نقاشاته، وغالباً ماتؤخذ تحديات العلم والدين أساساً بشكل بعيد عن الهدف الأساسي منها. حيث تتوجه لنقاشات جانبية لاتساهم في شيء وحقيقتها أنها ليست تحديات أصلاً كون كل منها يبحث في شيء ويختلف كلياً في الدليل وعلى ماذا يعتمد. 

الجميل في كل هذا أن العلم لن يتوقف، وسيبقى يبحث في براهين أدق.

نهاية أضع لكم أحد أهم المناقشات التي جرت مؤخراً والني توضح نقاشاً مميزاً وموسعاً من مجموعة من علماء الفيزياء والرياضيات حول الموضوع

نعم جربت لعبة كيم كارداشيان! ولهذه الأسباب حققت 200 مليون دولار!

هممم.. من أين أبدأ؟ حسناً، لكيم كارداشيان صيت كبير وأشياء كثيرة أخرى “كبيرة.” لها شعبية كبيرة في عالم التسلية والترفيه التلفزيوني ومعجبين كثر. يتجاوز الأمر شخصية ترفيهية هنا، فهي عارضة أزياء، تحمل عطور باسمها، ممثلة، شخصية هوليودية بامتياز. ظهرت عبر برامج تلفزيون الواقع وقررت نقل حياتها وحياة عائلتها للجميع. الأموال التي تجنيها كيم كارداشيان وصلت لـ 28 مليون دولار العام الماضي من كل نشاطاتها. لكن قررت بطلتنا مؤخراً الدخول في عالم “ريادة الأعمال” وبناء لعبة موبايل..اللعبة التي من المتوقع أن تصل عائداتها لـ 200 مليون دولار مع نهاية العام بحيث تجني كيم حوالي 85 مليون دولار لجيبتها الخاصة! أي أكثر من كل نشاطاتها العام الماضي.

ليس في الأمر مشكلة أبداً حقيقة. مايجري الآن ونسمعه عن نتائج هذه اللعبة لاينذر بخير أبداً. علي أن أوضح هنا أن الأمر ليس اعتراضاً على أن كيم كارداشيان هي صاحبة اللعبة فهذا موضوع ثانوي. فكرتي هنا حول الإنفاق المرعب على نوع معين من الألعاب يبدو مجانياً لكن يبدو أنه يجر الكثيرين لإنفاق مئات الدولارات يومياً. هذه الألعاب مشكلة بحد ذاتها فماذا لوكانت ترويجاً لنمط حياة مثير للجدل؟

ماهي؟

اللعبة المجانية التي تحمل اسم Kim Kardashian: Hollywood أطلقت في حزيران/ يونيو الحالي على آي فون وآي باد وأندرويد. تحتل اللعبة حالياً المركز الأول في كل المتاجر. اللعبة مطورة من قبل شركة Glu للألعاب ولكيم حصة حوالي 42 بالمئة منها. ساعدت العائدات الكبيرة هذه الشركة، بعد أن عانت من الكثير من المشاكل المالية خلال السنتين الماضيتين.

كلاعب، تقوم باختيار شخصية تخوض تجربتها في الدخول لعالم الشهرة بمساعدة كيم وبصوتها.سيبدأ عملك في متجر للألبسة وتبدأ الرحلة. عليك الانتباه للعمل لردود أفعالك ولماتقوم به. تقوم اللعبة على مبدأ لعب الأدوار والحوارات المعدة مسبقاً والتي يمكن للاعب اختيار الأنسب منها للمتابعة. يمكنك حتى إقامة العلاقات.  تنقلك كيم العظيمة من كونك في قائمة E من الناس أو E- List (يعني المبهدلين) إلى الـ A- List أو المشاهير الذين يحبهم الجميع حيث ستحصل على معجبين ضمن اللعبة كلما تقدمت أكثر.

Kim_Kardashian_Hollywood_Hack_Unlimited_Cash_Unlimited_Stars__All_Versions_

اللعبة مجانية بالأساس، لكن الهدف منها هو عمليات الشراء التي تجري داخلها. تتراوح هذه الأمور من “الطاقة المطلوبة للوصول لأمر معين إلى أجارة رحلة إلى بيفرلي هليز.” تعمل اللعبة على عملة افتراضية لكن تصل قيمة المشتريات في هذه اللعبة إلى 99 دولار أمريكي.

التحدي في هذه الألعاب المجانية طبعاً هو الوصول إلى طريقة تؤثر في اللاعبين نفسياً وتجعلم يدفعون لقاء الخدمات الإضافية التي تسرع من التقدم فيها. مرحباً كيم! نتذكر طبعاً لعبة كاندي كرش والتأثير العظيم الذي أحدثته في اللاعبين لإنهاء المراحل وحل الألغاز. تأتي كيم هنا كمسوق طبيعي للعبة نظراً لمعجبيها المتفانين الذين يرغبون الوصول إلى قائمة المشاهير الهوليوودين!

لاهتمامي بهذه الظاهرة وبكيم كارداشيان أيضاً 😉 حمّلت اللعبة وقضيت عليها حوالي النصف ساعة. لاتختلف كثيراً عن ألعاب Free to Play المشهورة على الموبايل. كلاعب، تبعت سيناريو محدد بدأ بعملي بالمتجر ولقائي بكيم بالمصادفة السعيدة ثم “عزمتني” لأحد جلسات التصوير الخاصة بها حيث انتبه المصور “هيك فجأة وبشكل عفوي!” لجمالي وشكل شخصتي المميز أمام الكاميرا، أمامي فرصة حقيقية في الشهرة! هنا أتت كيم وأعطتني رقم إيجنت (عميل) متخصص بنقلي إلى عالم هوليوود. تبدأ دعوة اللعبة الصريحة إلى الإنفاق، حيث تبدأ المصاريف! الملابس المجانية مثلاً لاترضي شغفي في الوصول لهوليود ولوكان افتراضياً. علي شراء بعض الملابس والبدء بصرف الدولارات هنا وهناك. لم أكمل اللعب لكن واضح إلى أين ستذهب الأمور.

لاشك أن الـ Game Mechanics أو آلية اللعب الخاصة بهذه اللعبة تحث على الإدمان ومتابعة القصة كونها تعتمد على سرد قصصي قائم على العواطف والتجارب الشخصية. هذا ماقامت به Glu ببراعة في تصميم لعبة كيم. اللعبة لاتفارقك بتنبيهاتها ورسائلها الدائمة إذا توقفت عن اللعب يوماً أو يومين.

المشكلة؟

من الاقباسات المميزة هنا ماقالته تراسي إيغان Tracie Egan من مدونة Jezebel عن إنفاقها 500 دولار على اللعبة. أراها تلخص السبب الحقيقي وراء نجاح هذه اللعبة. تقول تراسي:

“أنا جزء من الخطأ في الثقافة الأمريكية المعاصرة. فقد حققت وصولي لقائمة المشاهير مع 50 مليون معجب – هذا بعد إنفاقي 500 دولار ضمن اللعبة طبعاً!”

“الآن علي أن أقول، أن اللعبة ممتعة بشكل غير معقول! هي طبعاً سيئة، تقوم على القلق، والوسواس القهري وأمور كثيرة سيئة. لكنها ممتعة!”

لنتفق الآن على أن ماقامت به تراسي هو لغرض الكتابة. 500 دولار لاشيء مقابل ماتحصله اللعبة يومياً. هناك مئات الآلاف الآخرين من اللاعبين الذين ينفقون على ألعاب مماثلة، اشمعنا هي اللعبة نجحت بهذا الشكل؟

أولاً  وبحسب رأيي الشخصي هذا هو السبب لاغير. إنها ثقافة المشاهير والتشبه بهم. هوس لايشابهه هوس. هذه الظاهرة التي بدأت في الولايات المتحدة وشربها العالم. الكل يريد أن يشبه المشاهير وأن يكون مثلهم. وصلت التعاسة في هذا العالم المعاصر إلى أن التشابه الافتراضي حتى مع عالم المشاهير كفيل بجعل الجميع يصرفون أموالهم للوصول لشيء مشابه. عالم المشاهير القوي هو مايجعل تأثيرهم يصل للسياسة، فدعمهم لسياسيين أمريكيين معينين مثلاً  يؤثر في الإنتخابات. حتى العلوم لم تسلم من هذا وأصبح لدينا شخصيات علمية تحاول الترويج للعلوم عبر الشهرة مثل بيل ناي ونيل دوغراس تايسن. إن قفز أحد الممثلين مثل مورغان فريمان وصف إلى جانب العلم وقدم برنامجاً أو اثنان أصبح بروفيسوراً!

أكثر من هذا.. فمع أن كيم تعد نموذجاً سيئاً نوعاً ما في عالم الشهرة إلا أنها نقلت تجربتها الشخصية للعبة التي يلعبها مايكفي لكسب هذه الأموال. اللعبة تقدم فرصة لمن يعترض على كيم شخصياً بأن يلعب دورها في الخفاء. كلاعب، أنت تقوم تقريباً بكل ماقامت وتقوم به، فكرة مميزة كتبت عنها كيلسي مكيني من Vox.com لنفصل الأمر قليلاً

بدأ أمر كيم كارداشيان بشريط إباحي سجلته مع أحد أصدقائها ثم بدأت مشاكله بعد أن ظهر للعموم. لم يعجبها الموضوع لسبب ما ولم ترد أن يكون متوفراً للجميع، لكن شهرة الاسم أوصلها لبدء برنامج الواقع الخاص على قناة E،   قامت بعد ذلك بجلسة تصوير مع مجلة بلاي بوي. تزوجت لفترة قصيرة جداً من أحد الرياضيين وهاهي الآن زوجة للمغني كانيه ويست. من يقرأ هذا يكرهها كثيراً الآن أليس كذلك؟

هل تذكرون ماذكرته عن تجربتي للعبة؟ يمر اللاعب بنفس التجربة. عليك أن تبدأ رحلتك بجلسة تصوير (ولو أنها ليست عارية)، أن تحاول مواعدة المشاهير، برنامج تلفزيوني، عروض، عليك أن تسحر من حولك وتجعلهم يتحدثون عنك. عليك أن تعيد ماقامت به كيم. طريق الشهرة لاينتهي، وكذلك اللعبة والقصص التي تظهر فيها.

مع كل التقدير والإحترام للجميع وللكارهين خصوصاً، المشكلة ليست في كيم أبداً فهي حرة بماتقوم به. مهما تحدث كل أصدقاؤك والناس حولك عن مدى كرههم لها، يبدو أنه لايكفي وأن المعجبين كثر وكثر جداً ومستعدين للعيش في حياة افتراضية دون أي معنى أو مردود ونقل ملايين الدولارات يومياً لجيب كيم. نمط الحياة هذا في ازدياد. الخلاصة هنا أن هذا سيعد قصة نجاح في عالم ريادة الأعمال بغض النظر عن أن السبب هو سيطرة الثقافة الأمريكية المعاصرة التي تعظم المشاهير لحد التقديس وتجعل اللاعبين مستعدين لإنفاق هذه المبالغ الطائلة للوصول إلى الشهرة حتى لوكانت افتراضية بالكامل.

شاطرة، صح؟ الحق على البشر. لعبت اللعبة، هي مسلية لكنها سيئة ومؤذية. مرة أخرى ليس لأنها من كيم وليس بسبب أخلاقياتها المثيرة للجدل، بل لأن من يلعبها ويدفع عليها وصل لمرحلة من “التعاسة” تجعله يقبل أي شيء مقابل لقب “الشهرة.”

وهو مايحصل فعلاً!

إلى الفشل؟ عن تويتر، بث الحالة، وضياع البوصلة

لعل تويتر وقصته والطريقة التي ظهر بها للعموم هي أحد أكثر قصص الشركات التكنولوجية الناشئة اهتماماً. ليس فقط لتأثير هذا الموقع على عالم الإعلام والشبكات الإجتماعية بل للطريقة التي تطور -ولازال يتطور- فيها. توج كل هذا مؤخراً في إعلانات إيرادات الربع المالي الأول من 2014 والذي أظهر انخفاضاً حاداً في أسهم تويتر (حوالي 15 نقطة) وازداد الإنخفاض بمعدل 7.38 بالمئة من فترة قصيرة ليصبح سعر السهم 37.24$. 

أعلن تويتر منذ فترة أيضاً عن تطويرات جديدة في صفحة الحسابات الشخصية. خطورة الموضوع تتجاوز كون المنافسة في صفحة الحسابات الشخصية وصلت لحد النسخ المباشر (كونها أصبحت جميعها واحدة حقيقة من فيس بوك لغوغل + وتويتر)، لكن المشكلة أصبحت في تخلي تويتر عن هويته الأصلية! هناك طبعاً مشاكل أخرى تصيب الخدمة في طبيعتها كشبكة اجتماعية كالتشويش الغير طبيعي من عدد المستخدمين والتحول الأساسي في طبيعة الخدمة. 

لكن مهلاً… ماهي هوية تويتر؟  

دعوني أبدأ هنا من فكرة. منذ الأيام الأولى لتويتر، لم يمتلك أحد (حتى مؤسسيه) تعريفاً واضحاً له. هل هو منصة تدوين بشكل مختلف؟ هل هو موقع أخبار؟ ما الهدف من الرسائل المباشرة؟ لماذا محدود بـ 140 حرفاً؟ 

الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون، حتى مؤسسي تويتر والعاملين عليه ربما تأتينا من فريد ويلسون Fred Wilson. فريد هو أحد عرابي الاستثمار التكنولوجي في الولايات المتحدة وأكثر مايعرف به هو بيعه موقع Geocities ومشاركته في إنشاء Union Square Ventures التي استثمرت في تويتر وتمبلر والكثير غيرها.

مايهمنا هنا هو مقال كتبه فريد في عالم 2007 (بدايات تويتر) عن الخدمة. المهم فيها جداً هي نظرة فريد للموضوع وللمنصة آخذين بعين الاعتبار أنه لم يستطع أحد أن يفهم ماهي بعد. 

ماهو الدور الذي سيلعبه تويتر في المستقبل؟ سيكون نظام بث الحالة القياسي على الإنترنت. 

مامعنى هذا؟ بث الحالة هو تعبير مجازي حقيقة يمكن أن يشمل كل شيء. ماذا تفعل. ماذا حدث. حالة السيارة. حالة الأخبار. حالة كل شيء… الأمر يتجاوز “ما الذي تقوم به الآن” وقد تطور هذا كثيراً في تلك الفترة بفضل التقنيات والحلول الجديدة التي ظهرت على الإنترنت والويب بشكل عام. وقتها كان مفهوم خلاصات RSS والماش أبس Mashups وحتى واجهات التطبيقات البرمجية APIs أمراً جديداً على الويب والإنترنت. 

هنا كانت النقطة التي سيبني عليها تويتر ويتحول ليصبح عصباً للإنترنت الحديث برأيي الشخصي. 

الآن عودة لموضوع الأسهم والمنصة والأموال. مشكلة تويتر الأساسية كخدمة هذه الأيام هي أنه فضلاً  عن سعر السهم الذي يتابع الإنخفاض وقلق المستثمرين الدائم، هناك مشكلة حقيقية في أمرين 1) النمو و 2) جني الأموال. 

هناك دلائل كثيرة على أن تويتر يعاني من الركود عملياً. في تشرين الثاني/ أكتوبر من العام الماضي أعلن تويتر أن عدد مستخدميه الفعالين شهرياً هو 215 مليوناً. كان هذا مقياساً أن تويتر حقق نمواً بنسبة 15 مليون مستخدم فقط من العام السابق (2012) عندما أعلن وصول عدد المستخدمين الفعالين إلى 200 مليون شهرياً. 

يعرف تويتر تماماً أنه عندما يتوقف المستخدمين عن التغريد أو التفاعل مع المنصة والتعامل معها بشكل سلبي ستتأثر الإعلانات وعائداتها. وهذا مشكلة كبيرة. 

أعترف شخصياً بأني أقرب لأكون مستخدماً سلبياً لتويتر. عدة أسباب تؤثر في الموضوع هنا لكن الأكبر ربما هو موضوع التشويش الكبير وفعلية ضياع البوصلة للخدمة. ماهي بالضبط؟ لنشر الروابط؟ قراءة الأخبار العاجلة؟ التبجح بالقيام بهذا أو ذاك أم ماذا؟ كل هذا يهون مرة أخرى أمام التشويش الذي لم يستطع تويتر إلى الآن إيجاد حل فعلي له. المقصود به هنا هو ذلك الكم من الرسائل التي تظهر على التايملاين بدون معنى خصوصاً أثناء الأحداث الكبرى التي يميل الجميع المشاركة بها. وجد بعض التطبيقات كـ Tweetbot حلاً في موضوع الـ Mute وكان مقبولاً. يحاول تويتر بين الوقت والآخر تحديد تجربة الإستخدام بعرض التغريدات بناء على المكان الجغرافي وهذا جيد لكن أيضاً لايغير كثيراً في التجربة. 

كيف يجني تويتر المال؟ إلى الآن 90 بالمئة من عائدات الموقع تأتي من الإعلانات التي يعتمد نصفها أو أكثير على الموبايل. هناك ثلاث منتجات إعلانية متوفرة حالياً: التغريدات المروجة المدفوعة والحسابات المروجة المدفوعة والهاشتاغ المروج المدفوع. لم يستطع تويتر بعد إثبات نجاح هذه المنتجات بشكل كامل. 

هناك شبه ولع في تويتر حالياً للإنتشار وتحقيق الشراكات في كل مايمكن أن يقدم نافذة إعلانية يستطيع القفز منها. هناك مثلاً  عمل تويتر على التلفزيون وشراكاته مع نيلسن Nielsen لتقديم نظام تقييم تلفزيوني، لايولد أي عائد حالياً لكن ربما يمكن أن يستفيد تويتر من البيانات مستقبلاً ويبيعها. 

فاين Vine هو تطبيق آخر يستثمر فيه تويتر وبشكل جدي. طبعاً يعيش فاين هذه الأيام عصراً ذهبياً نتيجة الإبداع الفني الذي يظهر عليه من كوميديا وغيرها. هذا التطبيق الذي قدم نمط فيديو 6  ثوان جديد كلياً قد يكون الفرصة الذهبية لكسب المال الإعلاني الجيد لتويتر.

المشكلة الوحيدة أمام فاين وغيره أن الإعلانات تخرب في جوهر الإستخدام. من المستحيل أن أشاهد فيديو 30 ثانية إعلاناً قبل مشاهدة فيديو 6 ثوان أصلاً. نفس الأمر ينطبق على تويتر حيث لايمكن عرض الكثير من التغريدات المروجة كونها تشكل عامل تشويش حقيقي للمستخدم. يفسر هذا، لماذا لم تستطع كل هذه الطرق الإعلانية أن تحقق نجاحاً مالياً مناسباً لتويتر بعد. 

لنعد للسؤال الأول والأساسي الآن. ماهو تويتر الذي خسرناه؟ جميعنا يقارن تويتر لأيامه الأولى ونقول لم يعد تويتر كما كان. ماذا كان؟ 

لانذكر حقيقة. بدايات تويتر لم تكن تحتوي على إعادة التغريد والأحاديث الطويلة التي نراها اليوم. لم يفكر بها المؤسسون حقيقة وأتت لاحقاً من المستخدمين. تطورت بعد ذلك الأمور تدريجياً لتأتي الأحداث السياسية والتطورات المتتالية التي قدمت تويتر على ساحة الشبكات الإجتماعية. مل الجيل الأول من قفز المشاهير ووسائل الإعلام المختلفة عليه. أراد الكل أن يغرد. وصلت الأمور في 2010-2011 إلى أوج النشاط السياسي التويتري وفوضى التايملاين. في 2012 قلنا أنه يموت لكن الوقت لم يحن بعد لإغلاق حسابنا.. وهانحن ننتظر إلى الآن. 

قد ينطبق الأمر على جميع خدمات الشبكات الإجتماعية في الحقيقة، لكن هناك حنين للأيام الأولى لتويتر لسبب بسيط. كان مميزاً، كان يساعد على التعرف على أشخاص حقيقين (كون موضة البوتات وغيرها لم تكن منتشرة بهذا الشكل المرعب بعد)، كان الكثير يميلون لاستخدام شخصياتهم وأسمائهم الحقيقية. كانت النكات والنقاشات حول موضوع معين مميزة تجعلك تري هاتفك للجميع وتقرأ التغريدات بصوت عال. 

لكن هذا لاينجح الخدمة، تويتر بحاجة لمستخدمين. بحاجة لكثير وكثير منهم قبل ان تحقق موضوع النجاح المالي الذي يساعدها على أن تكون شركة رابحة فعلياً وتعيد ثقة المستثمرين. الوضع يختلف الآن كشركة ذات أسهم متداولة. 

الخصوصية التي تتمتع بها الشبكات الإجتماعية والمجتمعات الصغيرة أثبتت نجاحها خصوصاً إن كانت فكرة الشبكة جديدة مثل تويتر. نجح فيس بوك مثلاً في إدارة مليار مستخدم عبر تقديم محتوى وميزات ينبع من شبكتهم الإجتماعية الصغيرة ويوسعها شيئاً فشيئاً. بغض النظر عن تلاعب فيس بوك بمستخدميه واستخدام شتى طرق التأثير النفسي عليهم، لاتزال هذه الطريقة تنجح. تويتر لم ينجح بهذا، لم يستطع التحكم في التشويش الذي بدأ يحصل. كيف أتحكم بمن أتابع؟ القوائم لم تكن بهذه السهولة التي نتوقعها لتسهيل المتابعة. أصبح التعامل مع تويتر من قبل المطورين شبه مستحيل بعد القيود التي قدمها وجعلها مرتبطة بمبالغ مالية. أثر هذا بشكل جوهري على الإبداع الذي يمكن أن يبنى عليه. 

هناك توجه حديث في إيجاد منتجات ويب وشبكات إجتماعية متخصصة جداً، مل كثيرون من مشكلة الحشود الضخمة الموجودة في الشبكات الإجتماعية خصوصاً المفتوحة منها مثل تويتر. المشكلة الأكبر هي محاولة تويتر لنسخ الميزات الموجودة في الشبكات الأخرى كفيس بوك. بدأ الأمر بعرض الصور بشكل أوتوماتيكي في التغريدات، ثم الفيديو، ثم الصوتيات، ثم أصبح تويتر يدمج كل مايمكن عرضه في البطاقة الخاصة بالتغريدة. الطامة كانت في تغيير شكل البروفايل ليصبح الأمر مطابقاً تماماً لفيس بوك وغوغل+. لماذا؟ 

لايهم الأمر، قد نكون قد خدعنا جميعاً. ربما مرت فترة على تويتر شعرنا فيها انه ضخم، ضخم جداً. عرفه الجميع بالشكل الذي يرغب وتحدث عنه المشاهير والسياسيون والناشطون والجميع. ربما نكون قد بالغنا قليلاً. ربما تويتر، ليس بالأهمية التي يدعيها أو أنه أضاع توجهه وهو في مرحلة تخبط حالية. 

الصورة

كما يمكن لنا أن نفكّر As We May Think

في عام 1945 وتحديداً في مجلة The Atlantic الأمريكية،  نشر مدير مكتب البحث والتطوير العلمي Office of Scientific Research and Development الدكتور فانيفار بوش Vannevar Bush  أحد أعظم مقالات العلوم والتكنولوجيا والبشرية الحديثة في آن معاً.

قام الدكتور فانيفار بتنسيق أنشطة حوالي ستة آلاف عالم أميركي رائد في مجال العلوم الحربية. قدم بوش في هذا المقال بتقديم أهم الحوافز العلمية لحظة وقف القتال في الحرب العالمية. يزعم بوش أنه يجب على رجالات العلم أن يهتموا بجعل العلم سهل الوصول إلى الجميع. تدعو هذه الورقة الشهيرة As We May Think للدكتور بوش إلى علاقة جديدة بين الإنسان المفكر ومابلغناه من معرفة إلى الآن. قمنا في هايبرستيج بترجمة هذا المقال مع إضافة بعض الملاحظات والصور التوضيحية التي تبين ثورية هذه الورقة وقدرتها على التنبؤ بالتكنولوجيا الحديثة التي لازلنا نكشف تفاصيلها. أحد أهم الاقتراحات في ورقة بوش البحثية هي جهاز Memex الافتراضي الذي مهد للويب ومفهوم تذكّر المعلومات كما نعرفه اليوم.

—————————

لم تكن هذه حرب عالم; كانت حرباً كان للجميع دور فيها. بينما دفن العلماء منافستهم المهنية القديمة لخدمة هدف واحد مشترك، تشاركوا العديد من الأشياء وتعلموا كثيراً. فقد كان العمل بتشارك فعال ممتعاً. ويبدو للكثيرين أن هذا يقترب من نهايته. ما الذي سيفعله العلماء بعد ذلك؟ بالنسبة للبيولوجيين، وخصوصاً بالنسبة للعلماء الطبيين، قد يكون هناك بعض التردد، حيث أن حربهم تطلبت منهم بشدة أن يتركوا طرقهم القديمة.

كان لدى الكثيرين القدرة على الاستمرار بأبحاثهم الحربية في مختبراتهم نفسها التي يستخدمونها أوقات السلم. هدفهم يبقى ذاته إلى حد كبير. إنهم الفيزيائيون الذين تم إلقاؤهم بعنف بعيداً، هم الذين تركوا أهدافهم الأكاديمية لصناعة أدوات غريبة مدمرة، هم الذين اضطروا إلى ابتكار أساليب جديدة لمهامهم الغير متوقعة. قاموا بحصتهم من العمل على الأجهزة التي جعلت العدو يتراجع إلى الخلف، وعملوا بجهود مشتركة مع علماء حلفائنا. وشعروا في أنفسهم بعظمة الإنجاز. لقد كانوا جزءاً من فريق عظيم. والآن، بينما يقترب السلام، يتساءل المرء أين سيجدون أهدافاً تستحق أن يبذلوا أقصى ما لديهم.

1

لأية فوائد استخدم الإنسان العلم وأدواته الجديدة من الأبحاث؟ أولاً، لقد زاد من سيطرته على بيئته المادية وحسن طعامه وملابسه ومأواه. لقد زاد من أمنه وحرره من قيود الوجود. لقد زوده بمعرفة متزايدة عن عملياته البيولوجية كي يمتلك بشكل تدريجي تحرراً من المرض وفترة حياة أطول.

يساعد العلم في فهم التفاعلات بين وظائف الإنسان الفيزيولوجية والنفسية، ويعد بتحسين الصحة العقلية. وفر العلم أسرع وسائل الاتصال بين الأفراد; زودنا بعدد كبير من الأفكار ومكن الإنسان من التلاعب وتقديم مقتطفات من ذلك العدد كي تتطور المعرفة وتصمد خلال حياة عرق لا فرد وحيد. هناك كم متزايد من الأبحاث. لكن هناك أدلة متزايدة أن التخصص المتزايد في المجالات يبطؤنا. ويترنح الساعي للحقيقة بين اكتشافات واستنتاجات آلاف العاملين الآخرين-استنتاجات لا يمتلك الوقت لفهمها، ناهيك عن تذكرها، حال ظهورها. كما أن التخصص يصبح ضرورياً أكثر للتطور، والجهد المبذول للوصل بين التخصصات هو سطحي بالمقابل.

مهنياً، طرقنا لنقل ومراجعة نتائج الأبحاث قديمة للغاية وهي حالياً غير مناسبة أبداً للمطلوب منها. إن كان بالإمكان تقدير الوقت الإجمالي الذي نقضيه في كتابة المؤلفات العلمية وقراءتها، النسبة بين هذه المبالغ من الوقت قد تكون مذهلة. هؤلاء الذين يحاولون بصدق مواكبة الفكر الحالي، حتى في المجالات المقيدة، عن طريق القراءة الدقيقة والمستمرة قد يهربون من فحص تم تنفيذه لبيان كم من جهد الشهر الماضي يمكن تقديمه عند الطلب.

فُقد مفهوم مندل Mendel عن قوانين الوراثة لأن نشره لم يصل القلة القادرين على استيعابه وتوسيع نطاقه; ومما لا شك فيه أن هذه الكارثة تتكرر حولنا بشكل دائم، حيث يضيع التحصيل الكبير في اللاعقلانية المحيطة.

تكمن الصعوبة، ليس في أننا نقوم بالنشر على نحو غير ملائم في ضوء التزايد والتنوع للاهتمامات في وقتنا الحالي، لكن في أن النشر تعدى بمراحل قدرتنا الحالية على الاستفادة من الذي نستطيع تحقيقه. يجري توسيع محصلة التجربة الإنسانية بمعدل مذهل، والوسائل التي نستخدمها للمشي في المتاهة الناجمة عن ذلك إلى الشيء المهم فعلاً هي ذاتها التي استخدمناها أيام السفن الشراعية.

لكن هناك علائم تغيير ستكون أدوات جديدة وفعالة للاستخدام. خلايا ضوئية قادرة على رؤية الأشياء بشكلها المادي، تصوير متقدم قادر على تسجيل ما هو قادر على رؤيته وغير قادر على رؤيته أيضاً، أنابيب حرارية قادرة على السيطرة على قوى فعالة باستخدام طاقة أقل من الطاقة التي تستخدمها البعوضة في هز جناحيها، أنابيب أشعة سينية تقوم بعرض مرئي لحدث قصير للغاية حيث أنه بالمقارنة تبدو ميكرو ثانية وقت طويل للغاية، تركيبات تتابع ستقوم بتنفيذ متتاليات معينة من الحركات أكثر وثوقية من أي حركة إنسانية وأسرع بآلاف المرات-هناك الكثير من المساعدات الميكانيكية نستخدمها لإحداث تحول في السجلات العلمية. اخترع لايبنتز Leibnitz منذ قرنين آلة للحساب تجسد فيها معظم خصائص الأجهزة التي تحوي على لوحات مفاتيح حالياً، لكنها لم تدخل حيز الاستخدام وقتها.

وقف الوضع المالي حينها في وجهها: حيث تبين أن العمل المستخدم في بنائهاقبل البدء بإنتاجها بكميات كبيرة أكثر من العمل الذي يتم توفيره عن طريق استخدامها، تبين أن كل ما تقدر إنجازه يمكن فعله باستخدام ورقة وقلم. وعلاوة على ذلك، كانت عرضة لأعطال متكررة، لذا لم يكن من الممكن الاعتماد عليها: في ذلك الوقت وبعده بفترة طويلة، كان التعقيد وعدم الموثوقية وجهان لعملة واحدة. باباج Babbage، حتى مع الدعم السخي الذي تمتع فيه بوقته، لم يستطع إنتاج آلته الحسابية العظيمة. كانت فكرته سليمة بما يكفي، لكن تكلفة البناء والصيانة كانت كبيرة وقتها.

هل أعطيت لفرعون تصاميم مفصلة وواضحة لسيارة، وهل فهمها كلياً، كانت ستكلف موارد مملكته ضرائب كثيرة لإنتاج آلاف القطع لسيارة واحدة، وكانت لتتعطل في رحلتها الأولى إلى الجيزة. يمكن الآن بناء آلات مع أجزاء قابلة للتبديل بقدر كبير من الجهد. على الرغم من تعقيدها، أداؤها موثوق كفاية. كشاهد على ذلك الآلة الكاتبة المتواضعة أو كاميرا الأفلام أو السيارة. توقفت الوصلات الكهربائية عن التعطل حين تم فهمها بشكل كامل.

لاحظ مقسم الهاتف الآلي الذي يحوي على المئات والآلاف من هذه الوصلات، ومع ذلك هي موثوقة. شبكة عنكبوتية حديدية محجوزة في وعاء زجاجي رقيق، سلك يتم تسخينه حتى التوهج. نتحدث هنا باختصار عن الأنبوب الحراري الذي يدخل في عدة الراديو، يتم صناعته بالملايين، ووضعه في حزم، وتوصيله إلى مآخذ-ويعمل! الخيوط الدقيقة فيه، الموقع الدقيق والتلاؤم المتضمن في بنائها الذي كان سيتطلب حرفياً ماهراً يعمل لأشهر; تتم صناعتها الآن بثلاثين سنتاً. وصل العالم إلى عصر الأجهزة الرخيصة المعقدة ذات الموثوقية العالية; ولا بد أن يأتي شيء من ذلك.

2

إن أريد لسجل أن يكون مفيداً للعلم، عليه أن يكون متسعاً باستمرار، أن يكون مخزناً، وفوق كل شيء يجب أن يكون موضوعاً بوجود استشارة. نقوم اليوم بصناعة سجلات تقليدية عن طريق الكتابة والتصوير، متبوعاً بالطباعة; لكننا أيضاً نقوم بتسجيل أفلام على أقراص شمع وعلى أسلاك مغناطيسية. وحتى إن لم تظهر عمليات تسجيل جديدة تماماً، تخضع هذه الموجودة حالياً لعمليات تعديل وتوسيع. من المؤكد أن التطور في التصوير لن يتوقف.

مواد وعدسات أسرع، المزيد من الكاميرات الآلية، مركبات أكثر حساسية مصنوعة بعناية أكثر للسماح بتوسيع فكرة الكاميرا المصغرة، كلها وشيكة الظهور. دعنا نتابع في هذا الاتجاه لنصل إلى نتيجة منطقية-إن لم تكن النتيجة الوحيدة-. سيلبس هواة التصوير في المستقبل على جبينهم قطعة أكبر بقليل من حبة الجوز. نحتاج للصورة مساحة 3 ميليمترات مربعة ليتم إظهارها أو تكبيرها لاحقاً، والذي يتضمن فقط عامل تكبير بـ 10 مرات عن الوضع الحالي.

تمتلك العدسات تركيزاً عمومياً موحداً يمكنها التركيز على أية جسم يقع في مرمى نظر العين المجردة، لأنها ببساطة تتمتع ببعد محرقي قصير. هناك خلية كهروضوئية مدمجة في هذه القطعة التي نعلم أنها تحوي على الأقل كاميرا واحدة ستقوم تلقائياً بتعديل التعرض لمجال واسع من الإضاءة. هناك فيلم في القطعة يسمح بمئة عملية تعريض، ويتم لف الملف المستخدم لفتح غطاء الكاميرا وتبديل فلمها حين يتم إدخال الفلم.تظهر صورها باللون الكامل. قد تكون مجسمة بشكل جيد، وتقوم بالتسجيل باستخدام عدستين زجاجيتين متباعدتين، لتحقيق إنجازات في مجال التصوير على المستوى المجسم. يمكن للخيط الذي يسحب غطاءها أن يصل إلى أكمام المستخدم وبسهولة إلى أصابعه. عملية ضغط سريعة وسيتم التقاط الصورة.

نجد على زوج نظارات عادي مربع من خيوط دقيقة بالقرب من أعلى أحد العدستين، حيث تكون خارج مجال الرؤية. حين يظهر جسم في ذلك المربع، يتم التقاط صورته. بينما ينتقل العلماء في المستقبل ضمن مخابرهم وأماكن العمل. كل ماعليهم القيام به هو سحب الخيط ليتم التسجيل، دون إصدار أي صوت حتى. أليس هذا رائعاً؟ الشيء الأكثر روعة في إمكانية التصوير بالقدر الذي نرغبه عندما نريد. هل سيكون هناك تصوير جاف؟ إنه موجود فعلاً في شكلين. حين صنع بريدي Brady صوره للحرب الأهلية، كان على اللوحة أن تكون رطبة عند تعريضها للضوء. الآن عليها أن تكون رطبة أثناء عملية التظهير بدلاً من ذلك. في المستقبل قد لا نضطر إلى ترطيبها إطلاقاً.

لوقت طويل كان هناك أفلام يتم تشريبها بأصبغة ديازو diazo التي تشكل صورة دون داعٍ لعملية إظهار، حيث تكون الصورة هناك حالما يتم تشغيل الكاميرا. التعرض لغاز الأمونيا يخرب الصبغة، عندها يمكن إخراج الصورة إلى الضوء وفحصها. العملية الآن بطيئة، لكن قد يقوم أحدهم بتسريعها، ولا توجد أي صعوبات مبدئية مثل إبقاء الباحثين في مجال التصوير مشغولين. غالباً سيكون من المفيد أن تكن قادراً على التقاط الصورة وأن تنظر للصور مباشرة. يتم استخدام عملية أخرى الآن وهي بطيئة أيضاً، وأكثر أو أقل سذاجة. تم استخدام الأوراق المشربة التي تصبح عاتمة في أية نقطة يتم فيها اتصال كهربائي  لخمسين عاماً، يعود هذا إلى التغير الكيميائي الذي ينتج في مركب يودي موجود على الورقة. تم استخدامها للتسجيل، لأنه بتحريك مؤشر فوقها يمكن ترك أثر عليها.

إن تم تغيير الكمون الكهربائي للمؤشر أثناء حركته عليها، يصبح الخط فاتحاً أو غامقاً وفقاً للكمون. يتم استخدام هذا النظام في عمليات النقل بالفاكس. يقوم المؤشر برسم مجموعة من الخطوط المتباعدة عن قرب على الورقة واحداً تلو الآخر. بينما يتحرك، يتغير كمونه مع تغير تيار يصله عبر أسلاك من محطة بعيدة، حيث يتم إنتاج هذه التغيرات من خلية ضوئية تقوم بمسح صورة بالمثل. في كل لحظة شدة ضوء الخط الذي يتم رسمه تكون مساوية لشدة ضوء النقطة على الصورة التي يتم مسحها من قبل الخلية الضوئية. وهكذا، حين يتم مسح الصورة بالكامل، نحصل على صورة مطابقة تماماً في الطرف الآخر. يمكن رؤية مشهد بالكامل عن طريقه مسحه خطاً خطاً من قبل الخلية الضوء كما لو كان لدينا صورة عنه. هذا الجهاز بالكامل يشكل كاميرا، مع الميزة المضافة، التي يمكن الاستغناء عنها حسب الطلب، وهي ان تلتقط صوراً عن بعد. إنها بطيئة، والصورة دقتها قليلة. ومع ذلك، تعطي مجالاً آخر للتصوير الجاف، الذي تنتهي فيه الصورة حالما يتم التقاطها.

سيكون شجاعاً من يتوقع أن عملية كهذه ستكون دائماً خرقاء، بطيئة، وفقيرة التفاصيل. تنقل معدات التلفاز اليوم 16 صورة جيدة في كل ثانية، وتتضمن اختلافين جوهريين عن العملية المذكورة في الأعلى. أحدهما، يتم التسجيل عن طريق حزمة متحركة من الإلكترونات لا عن طريق مؤشر متحرك، لأن حزمة الإلكترونات يمكن لها أن تمسح الصورة بسرعة أكبر بكثير. ويكمن السبب الاخر في استخدام الشاشة التي تضيء لحظياً عند اصطدام الإلكترونات بها، عوضاً عن فلم معالج كيميائياً يتم تبديله بشكل مستمر. هذه السرعة مطلوبة في التلفاز، حيث أن الصور المتحركة هي الغرض الأساسي عوضاً عن الصور الثابتة. استخدام فلم معالج كيميائياً عوضاً عن شاشة متوهجة، يسمح للجهاز أن ينقل صورة واحدة بدلاً من تتالي من الصور، وينتج كاميرا سريعة للتصوير الجاف.

يجب أن يكون الفلم المعالج أسرع بكثير من الأفلام الموجودة حالياً في الحركة، لكن غالباً يمكن ذلك. وأكثر جدية من ذلك هو الاعتراض الذي يقول إن هذا النظام سيتطلب وضع الفلم في غرفة فارغة من الهواء. لكي تتصرف حزم الإلكترونات بشكل طبيعي في بيئة مخلخلة كهذه. يمكن تجاوز هذه المشكلة عن طريق السماح لحزمة الإلكترونات أن تنتشر في جانب واحد من القسم، وبضغط الفلم للجانب الآخر، كما لو كان هذا القسم للسماح للإلكترونات أن تنتشر عمودياً على سطحه، ولمنعها من التباعد جانباً.

متل هذه الأقسام يمكن بناؤها بالتأكيد في شكلها الخام، وبالكاد ستؤخر التنمية العامة. كالتصوير الجاف، ما يزال أمام التصوير الميكروي طريق طويل ليقطعه. النظام الأساسي لتقليل حجم التسجيل، وفحصها عن طريق الإسقاط وليس بشكل مباشر، لديه إمكانيات أكبر من أن نتجاهلها. يقوم الدمج بين الإسقاط الضوئي والتصغير الضوئي بتحقيق بعض النتائج في الفلم الميكروي لأغراض بحثية، والإمكانات موحية للغاية. اليوم مع الفلم الميكروي، التصغير بعامل خطي على 20 يمكن استخدامه وإنتاج صفاء كامل في الصورة حين تتم إعادة تكبير الصورة لفحصها. يتم وضع الحدود من قبل جزيئات الفلم، الامتياز من النظام الضوئي، والكفاءة من قبل المصادر الضوئية المستخدمة. وكلها في تقدم متزايد. فلنفترض نسبة خطية من 100 للاستخدام المستقبلي. تخيل فلماً بسماكة ورقة، على الرغم من أن فلماً أرق سيكون قابل للاستخدام. حتى تحت هذه الشروط سيكون هناك عامل من 10000 بين الجزء المسجل باستخدام الكتب، ومقابله المسجل على الفلم الميكروي.

يمكن اختصار الموسوعة البريطانية في حجم مساوٍ لحجم علبة كبريت. كما يمكن تصغير مكتبة تحوي مليون مجلد إلى حجم مكتب. إن أنتج الجنس البشري منذ اختراع النوع القابل للنقل سجلاً إجمالياً، على شكل مجلات وجرائد و كتب ومساحات  نصوص إعلانية ومراسلات بحجم يساوي حجم مليار كتاب، المحصلة بأكملها بجمعها وضغطها سوف يتم تخزينها في سيارة متحركة. لن يكفي الضغط وحده بالطبع; فليس على المرء أن يصنع ويخزن سجلاً فقط بل أن تكون لديه القدرة على الرجوع إليه لاحقاً، وهذا الجانب من المسألة يأتي لاحقاً. حتى المكتبة العظيمة الحديثة لا يتم الرجوع إليها بشكل عام; بل إلى أجزاء منها فقط من قبل البعض.

الضغط مهم عند النظر إلى التكاليف. المواد المستخدمة لصناعة الميكروفلم الذي يحوي الموسوعة البريطانية قد يكلف نيكل، ويمكن إرسالها إلى أي مكان بسنت واحد. ما الذي سيكلفه طباعة مليون نسخة؟ لطباعة ورقة من صحيفة، في طبعة كبيرة تحتاج إلى جزء من سنت. مجمل معلومات الموسوعة البريطانية يمكن اختصارها على شكل فلم ميكروي بحجم صفحة عرضها 8.5 إنش وطولها 11 إنش. حالما تكون متاحة، مع الطرق المستقبلية التي سنستخدمها لإعادة إنتاج الصور، تكريرها بكميات كبيرة سيكلف سنتاً واحداً بغض النظر عن تكاليف المواد. تحضير النسخة الأصلية؟ هذا يعطينا الجانب التالي من الموضوع.

3

للقيام بعملية تسجيل، نستخدم الآن قلم رصاص أو آلة كاتبة. ثم تليها عملية تصحيح، وتتبعها عملية تنضيد وطباعة وتوزيع. للنظر في المرحلة الأولى من العملية، هل سيتوقف المؤلفون عن كتابة مقالاتهم بأيديهم أو باستخدام الآلة الكاتبة ويتكلمون بشكل مباشر إلى المسجل؟ هم يفعلون ذلك بطريقة غير مباشرة عن طريق التكلم أمام شخص يستخدم آلة كاتبة أو أسطوانة شمع; لكن كل العناصر متوافرة إن أراد أن ينتج كلامه تسجيلاً مكتوباً بشكل مباشر، كل ما عليه فعله هو أن يستفيد من الآليات المتوافرة لتغيير لغته. تم عرض آلة سميت Voder في معرض عالمي مؤخراً. ضغطت فتاة على مفاتيح هذه الآلة وأصدرت حديثاً مفهوماً.

لم تتدخل أية حبال صوتية بشرية في العملية; قامت المفاتيح بدمج بعض الاهتزازات المنتجة كهربائياً ومررتها إلى مكبر صوت. يوجد في مختبرات بيل Bell مقابل هذه الآلة، تسمى Vocoder. يتم استبدال المكبر الصوتي بميكروفون، يقوم بالتقاط الصوت. تحدث إليه وستتحرك المفاتيح المقابلة للصوت. قد يكون هذا أحد عناصر النظام المفترض.

العنصر الآخر موجود في آلة التسجيل stenotype، ذاك الجهاز المربك إلى حد ما الموجود عادة في اللقاءات العامة. تقوم فتاة بضرب مفاتيحه بهدوء وتلقي نظرة حولها وأحياناً تركز على المتحدث بنظرة مقلقة. تنبثق منها شريط مكتوب يقوم التسجيل بلغة مبسطة لما يفترض أن يكون قاله المتحدث. لاحقاً تتم إعادة كتابة هذا الشريط بلغة عادية، ففي شكله الأصلي يكون مفهوماً فقط للمختصين بالأمر. بجمع هذين العنصرين، دع الVocoder تشغل آلة التسجيل، والنتيجة تكون آلة تقوم بطباعة ما نتكلمه. صحيح أنه لايتم تكييف لغاتنا الحالية لهذا النوع من الآليات. من الغريب أن مخترعي اللغات العالمية لم تخطر لهم فكرة إنتاج لغة تلائم تقنيات نقل وتسجيل الكلام. قد تفرض الآليات المشكلة، وخصوصاً في المجال العلمي الذي تأخذ فيه المصطلحات العلمية منحاً بعيداً عن فهم الأشخاص العاديين. يمكن للمرء الآن تصور باحث في مختبره في المستقبل. إنه ليس مقيداً لأي شيء. وبينما يتحرك ويراقب، يقوم بالتصوير والتعليق. يتم تسجيل الوقت بشكل أوتوماتيكي لربط التسجيلين ببعضهما. إن دخل حقل العمل، قد يكون موصولاً براديو إلى آلة تسجيله.

وبينما يفكر في ملاحظاته في المساء، يقوم بتسجيل تعليقاته على العمل. سجله المكتوب، بالإضافة إلى صوره، قد يكونان كلاهما مصغران، كي يقوم بمراجعتهما. الكثير سيحدث بين جمع المعلومات والملاحظة، بين استخراج مواد من التسجيل الموجود، والإدراج النهائي لمواد جديدة في التسجيل العام. لا يوجد هناك بديل للآلية هذه بالنسبة للتفكير الناضج. لكن التفكير الإبداعي والمتجدد شيء آخر تماماً. فبالنسبة إليه توجد مساعدات ميكانيكية قوية. إضافة عمود من الأرقام هي عملية للفكر المتجدد، وتم عزوها منذ وقت طويل للآلة لتقوم بها. صحيح أن الآلة يتم التحكم بها أحياناً بواسطة لوحة مفاتيح، وفكر من نوع ما يقوم بقراءة الأرقام والضغط على المفاتيح المقابلة، لكن حتى هذا يمكن تجنبه. تمت صناعة آلات ستقوم بقراءة الأرقام المطبوعة بواسطة خلايا ضوئية ثم تقوم بالضغط على المفاتيح المقابلة; إنها مجموعات من الخلايا الضوئية لمسح الكتابة، دارات كهربائية لترتيب الاختلافات الناتجة عن ذلك، ودوائر تتابعية لترجمة النتيجة إلى لوالب ميكانيكية مينة لتضغط على المفاتيح.

كل هذا التعقيد مطلوب بسبب الطريقة الخرقاء التي تعلمنا فيها كتابة الأرقام. إن قمنا بتسجيلها وضعياً، ببساطة عن طريق تشكيل مجموعة من النقط على ورقة، آلية القراءة الأوتوماتيكية ستصبح بسيطة نسبياً. في الواقع إن كانت النقط فتحات، لدينا آلة البطاقة المدخلة التي صنعها من قبل هولوريث Hollorith لأغراض متعددة، ويتم استخدامها الآن في الأعمال. بعض أنواع الأعمال المعقدة بالكاد ستسير دون هذه الآلات. الجمع هي أحد العمليات. يتضمن القيام بالعمليات الحسابية التقسيم والضرب والطرح بالإضافة إلى طريقة مؤقتة لتحزين النتائج، وإزالتها من التخزين للقيام بعمليات أخرى عليها، وتسجيل النتيجة الأخيرة بطباعتها.

الآلات التي تقوم بهذا العمل لها نوعان الآن: آلات مزودة بلوحات مفاتيح للقيام بعمليات الحساب وما إلى ذلك، التي يتم التحكم فيها يدوياً لإدخال البيانات، والتحكم بها أوتوماتيكياً عادة طالما تتسلسل العمليات; وآلات البطاقة المدخلة التي يتم فيها تقسيم العمليات المنفصلة كل منها لآلة مختلفة، ثم يتم نقل البطاقات من أحدها إلى الأخرى يدوياً، كلا الآلتان مفيدتان للغاية; لكن ما دامت الحسابات المعقدة مطلوبة، لا تزال كلاهما بدائيتين. ظهر العد الإلكتروني السريع سريعاً بعد أن وجد الفيزيائيون أنه من المرغوب عد الأشعة الكونية. لأغراض خاصة بهم، قام الفيزيائيون ببناء أنبوب حراري thermionic tube   قادر على عد النبضات الكهربائية بمعدل 100000 نبضة في الثانية. ستكون الآلات الحسابية في المستقبل ذات طبيعة كهربائية، وستنفذ عملياتها بسرعة أكثر ب 100 مرة أو أكثر. وعلاوة على ذلك ستكون هذه الآلات أكثر تنوعاً من الآلات التجارية الحالية، كي يتم استخدامها لنوع كبير من العمليات. سيتم التحكم فيها من قبل بطاقة تحكم أو فيلم، ستقوم باختيار معلوماتها الخاصة وتتلاعب بها بشكل يتوافق مع التعليمات المدخلة، ستقوم بتنفيذ عمليات حسابية معقدة بسرعات عالية جداً، وستسجل النتائج بشكل مناسب لتكون متاحة للتوزيع أو لمضاعفتها لاحقاً.

آلات كهذه سيكون لها شهية كبيرة. ستأخذ إحداها التعليمات والمعلومات من غرفة مليئة ببنات مزودات بلوحات مفاتيح بسيطة، وستقوم بإعطاء أوراق بنتائج محسوبة كل عدة دقائق. سيكون هناك دائماً الكثير من الأشياء لحسابها في أعمال ملايين الناس الذي يعملون بأعمال معقدة.

4

لا تقتصر العمليات الفكرية المتكررة على الحساب والإحصاء فقط. في الواقع، كل مرة يقوم أحدنا بتسجيل حقائق وجمعها وفقاً للعمليات المنطقية المألوفة، تقتصر ظاهرة التفكير الإبداعي على اختيار المعلومات وعملية توظيفها والتلاعب بها لاحقاً هي عملية تكرارية بطبيعتها وبالتالي عملية مناسبة لتركها للآلة. لا شيء كثير تم فعله في هذا المجال غير الحساب بسبب الأوضاع المالية. احتياجات قطاع العمل والسوق الهائل اللذان ينتظران بشكل واضح، تؤكد الحاجة إلى آلات حسابية يتم إنتاجها بأعداد كبيرة حالما تتطور آليات التصنيع بشكل كاف. لم يعد هناك حالة كهذه مع آلات للتحليل المتقدم، وبذلك لم يكون حاجة لوجود سوق واسع; مستخدمي الطرق المتقدمة في معالجة البيانات هم مقدار قليل من السكان.

هناك على كل حال آلات لحل المعادلات التفاضلية-ويوجد هناك معادلات وظيفية وتكاملية لذلك الأمر. هناك العديد من الآلات المتميزة، مثل المازج التوافقي harmonic synthesizer   الذي يتنبأ بالمد والجزر. سيكون هناك الكثير أيضاً في المستقبل، التي ستظهر بداية في أيدي العلماء وبأعداد صغيرة. إن اقتصر المنطق العلمي على العمليات الحسابية، فليس علينا التعمق في فهم العالم الفيزيائي.

 قد يحاول البعض أن يربحوا في لعبة بوكر عن طريق استخدام علم الاحتمالات. قادت آلة العد، بحباتها المعلقة على حبال مشدودة متوازية، العرب إلى الترقيم الوضعي ومفهوم الصفر منذ قرون عديدة مضت قبل بقية العالم; لقد كانت أداة مفيدة لدرجة أنها ما تزال موجودة. آلة الحساب الحديثة المزودة بلوحة مفاتيح بعيدة كل البعد عن العداد القديم. ستكون خطوة مكافئة لآلة الحساب المستقبلية. لكن حتى هذه الآلة الجديدة لن توصل العالم إلى ما يريده. ويجب أن نرتاح من الجهد المبذول في أداء عمليات في الرياضيات العالية أيضاً، إن كان مستخدمها يحاول تحرير نفسه من التحويلات المفصلة التابعة لقواعد معروفة.

الرياضياتي ليس شخصاً يستطيع التلاعب بالأرقام بسهولة; لا يمتلك هذه القدرة غالباً. إنه حتى ليس شخصاً يستطيع بسهولة تنفيذ تحويلات على المعادلات باستخدام التفاضل والتكامل. هو بشكل أساسي شخص ماهر باستخدام المنطق الرمزي على مستوى عالٍ، وبشكل خاص إنه رجل يتمتع بحكم بديهي في الخيارات التي يتخذها في عملياته على المعادلات. كل شيء عدا عن ذلك يجب أن يكون قادراً على تركه للآلة، بثقة توازي ثقته بالقوة الدافعة التي تجر سيارته تحت غطاء المحرك. عندها فقط سيصبح علماء الرياضيات فعالين حقاً في استثمار معرفتهم في عالم الذرة في معرفة حل للمشاكل المعقدة للكيمياء والتعدين وعلم الأحياء. ولهذا السبب ما زال هناك المزيد من الآلات المتقدمة التي ستأتي لتولي المسائل الرياضية المعقدة للعلماء. وبعضها سيكون غريباً بما فيه الكفاية ليلائم أكثر الخبراء فضولاً بالعلم حالياً.

5

العالم هو ليس الوحيد الذي يعالج البيانات ويفحص العالم حوله باستخدام العمليات المنطقية، على الرغم من أنه في بعض الأحيان من خلال تبنيه رأي أي شخص يصبح منطقياً، كما في حالة ترقية زعيم حربي بريطاني إلى رتبة فارس. حالما تستخدم العمليات المنطقية توجد هناك فرصة للآلة. جرت العادة على أن يكون المنطق الصوري أداة حذرة في أيدي الأستاذ في محاولته في نفوس تلاميذه. من السهل بناء آلة قادرة على تعالج البنى باستخدام المنطق الصوري، ببساطة عن طريق الاستخدام الذكي للدارات التتابعية.

ضع عدداً من البنى في هذا الجهاز وشغل المحرك، وستقوم بإخراج النتائج واحداً تلو الآخر، كله وفق القوانين المنطقية، ومع أخطاء لا تتعدى الأخطاء المتوقعة من آلة جمع ذات لوحة مفاتيح. قد يصبح المنطق صعباً للغاية، وسيصبح جيداً لحد يكفي أن نزيد من كفاءة استخدامه. الآلات المستخدمة في التحليل العالي كانت عادة آلات لحل المعادلات. بدأت أفكار جديدة بالظهور لمعالجات المعادلات، التي ستقوم بإعادة ترتيب العلاقة الممثلة في المعادلة بتوافق مع المنطق المتقدم والصارم. التقدم منوط بالطريقة التي يعبر عنها الرياضيون عن علاقاتهم.

فإنهم يستخدمون رمزية نشأت كتوبسي Topsyوتتمتع بالقليل من التناسقية; إنها حقيقة غريبة لهذا المجال الذي يتمتع غالباً بالمنطقية. ينبغي أن تظهر رمزية جديدة، وضعية غالباً، عقب استخدام الآلات في التحويلات الرياضية. عندها، فيما وراء المنطق الرياضي الصارم، ينطوي تطبيق المنطق في حياتنا اليومية. قد ندخل يوماً ما القضايا الرياضية إلى آلة ما بنفس الثقة التي ندخل فيها اليوم مبيعاتنا إلى سجل نقدي. لكن منطق الآلة لن يبدو كسجل نفدي، حتى إن كانت نموذجاً مبسطاً.

هناك الكثير من الأفكار لمعالجتها وإدخالها للسجلات. لذلك يبدو أننا في حالة أسوأ من قبل-لأنه بإمكاننا أن نوسع سجلنا بشكل كبير; لكن حتى في حجمه الحالي بالكاد يمكننا الاعتماد عليه. إنه أمر أضخم من مجرد استخراج المعلومات للبحث العلمي المطلوب; إنه يتطلب العملية الكاملة التي يستفيد فيها الإنسان من إرثه المعرفي. العمل الرئيسي المستخدم هو الاختيار، وهنا نحن نقف بالفعل.

قد يكون هناك الملايين من الأفكار الجيدة، والاختيار منوط بالخبرة التي يبنى كل واحدة منها، وكلها موضوعة في شكل مقبول; لكن إن استطاع العالم الحصول على واحدة فقط في الأسبوع عن طريق البحث الدؤوب، لن تواكب نتائجه الواقع الحالي. الاختيار، في هذا المعنى الواسع، هو كحجر القدوم في يد صانع فخار. حتى الآن، بمعنى ضيق وفي مجالات أخرى، قد تم فعل بعض الأشياء ميكانيكياً على فكرة الاختيار. يسقط رئيس الموظفين في مصنع بعض البطاقات في آلة اختيار، ويعين رمزاً وفقاً لاتفاق معترف عليه، ويظهر في وقت قصير قائمة بكل الموظفين الذين يعيشون في ترينتون ويتكلمون الإسبانية. حتى هذه الآلات تكون بطيئة للغاية عند القيام بعمليات كمطابقة بصمة إصبع مع واحدة من 5 مليون بصمة على سبيل المثال. سيتم تسريع آلات الاختيار من هذا النوع من معدلهم الحالي من مراجعة البيانات في بضع مئات في الدقيقة.

عن طريق استخدام الخلايا الضوئية والفلم الميكروي ستقوم بتفقد عناصر بمعدل ألف عنصر في الثانية، وستقوم بطباعة نسخ من المحددة. هذه العملية على كل حال هي الاختيار البسيط: تعمل بفحص كل عنصر من مجموعة كبيرة بدوره، واختيار العناصر التي تتمتع بقدر معين من المواصفات والخصائص. هناك نوع آخر من الاختيار يتضح في أفضل شكل له في مقسم الهاتف. تطلب رقماً وتقوم الآلة بالاختيار ووصلك بواحد من مليون محطة متاحة. إنها لا تقوم بفحصهم جميعاً. فهي تختار فقط ما أشارت إليه الخانة الأولى من الرقم، ثم تختار فرعياً تبعاً للخانة الثانية، وهكذا تستمر بالعمل بسرعة وبشكل غير قابل للخطأ حتى تصل إلى المحطة المطلوبة. يتطلب الأمر عدة ثوانٍ للقيام بالاختيار، وبالإمكان تسريع العملية إن تم ضمان السرعة المتزايدة مادياً.

إن لزم الأمر، يمكن تسريعها للغاية باستبدال آليات الأنابيب الحرارية بآليات ميكانيكية، لكي يتم الاختيار الكامل بجزء من مئة من الثانية. لا أحد يرغب بإنفاق المال المطلوب للقيام بهذا التغيير في نظام الهاتف، لكن الفكرة العامة قابلة للتطبيق في أي مكان. خذ المشكلة الاعتيادية لمخزن بضائع كبير. كل مرة تتم فيها عملية بيع، هناك عدة أشياء لفعلها. يجب مراجعة المخزون، يجب إعطاء الحق للبائع أن يبيعها، يجب دخول الحسابات العامة، وأهم شيء، يجب أن يدفع الزبون. تم تطوير جهاز تسجيل مركزي يجري فيه هذا العمل بشكل ملائم. يضع البائع بطاقة تعريف للزبون على حامل، بطاقته الخاصة، والبطاقة المأخوذة من العينة المباعة-كلها بطاقات مثقبة. حين يرفع ذراعاً، يتم الوصل بين الثقوب، تقوم الآلة في لحظة معينة بكل الحسابات والإدخالات، ويتم طباعة الوصل المناسب لتمريره للمستخدم.

لكن قد يكون هناك عشرة آلاف زبون في المتجر، وقبل العملية الكاملة يجب على أحد ما أن يختار البطاقة الصحيحة وأن يدخلها في المكتب المركزي. يمكن للاختيار السريع أن يسحب البطاقة الصحيحة إلى موقعها الصحيح في لحظة أو اثنتين، وأن يعيدها بعد ذلك. قد تكون هذه البطاقات مصغرة، بحيث تأخذ مساحة أقل. وعليها أن تتحرك بسرعة. إنها ليست بحاجة إلى نقلها بعيداً، لكن بالقدر الكافي بحيث تعمل عليها الخلية الضوئية والمسجل. يمكن للنقاط الموضعية أن تدخل في البيانات. وفي نهاية الشهر يمكن لآلة يمكن بناؤها بسهولة لقراءة وطباعة فاتورة اعتيادية. مع اختيار أنبوب، الذي لا يتضمن أية قطع ميكانيكية في المفاتيح، ونحتاج للقليل من الوقت كي نجلب البطاقة الصحيحة إلى العمل-وقد تلزمنا بطاقة أخرى للعملية برمتها.

يمكن لعملية التسجيل كلها أن تتمن عن طريق نقاط مغناطيسية على صفيحة حديد، عوضاً عن نقاط تتم ملاحظتها بصرياً، بعد مخطط أقامه بولسن Poulsen استطاع فيه أن يضع كلمة سر على السلك المغناطيسي. تتمتع هذه الخاصية بالبساطة وسهولة الإزالة. عن طريق استخدام التصوير على أي حال يمكن للمرء أن ينشر سجله بصورة كبيرة وعن بعد باستخدام العملية الشائعة في التلفازات. قد يفكر أحدنا بالاختيار السريع لهذا الشكل، والإسقاط البعيد لأغراض أخرى. أن تكون قادراً على الحصول على ورقة من بين مليون قبل المشغل بثوانٍ، مع إمكانية إضافة ملاحظات ملحقة، هو أمر موحٍ في عدة نواحي. لربما يتم استخدامه في المكتبات، لكن هذه مسألة أخرى. بأي معدل، هناك الآن بعض التركيبات المثيرة للاهتمام. إحداها على سبيل المثال قد تتحدث إلى ميكروفون، على نفس النحو الذي تم توضيحه في اتصال مع الآلة الكاتبة التي يتم التحكم بها صوتياً، وبهذا يقوم بخياراته. بالتأكيد سوف يتفوق على كاتب الملفات العادي.

6

إن لب عملية الاختيار أعمق من أن يكون تأخراً في تبني آليات من قبل المكتبات، أو نقص في تطوير الأجهزة. عدم قدرتنا الكبيرة على الحصول على السجلات تتلخص بشكل كبير في عدم كفاءة أنظمة الفهرسة لدينا. حين يتم تخزين أي نوع من المعطيات يتم ترتيبها أبجدياً أو عددياً، وتقوم عملية إيجادها على تتبع هذه المعلومات جزءاً جزءاً. ويمكن إيجادها في مكان واحد إن لم يتم عمل نسخ منها وإن تم إيجادها يتوجب على المتتبع امتلاك قواعد في اختيار المسار الذي سوف يحدد موقعها، وهذه القواعد متعبة. وبعد الوصول إلى مادة معينة معينة على المستخدم أن يخرج من النظام ويعاود الدخول إلى مسار جديد.

 إن العقل البشري لا يعمل بهذه الطريقة. فهو يعمل عن طريق الربط. حيث أنه عندما تكون المادة في متناول اليد، ربط الأفكار يتيح له الانتقال إلى فكرة أخرى فوراً، وفقاً لشبكة معقدة من المسارات تكونها خلايا الدماغ. لكنها تملك خصائص أخرى فالمسارات التي لا يتم إتباعها كثيراً تكون عرضة للتلاشي، المواد ليست دائمة بشكل كامل لأن الذكريات قابلة للنسيان. لكن السرعة في العمل، وتعقيدات المسارات، وتفاصيل الصور الذهنية مذهلة أكثر من أي شيء في الطبيعة. لا يستطيع الإنسان أن يأمل بأن يتمكن من نسخ هذه العملية العقلية، لكنه بالتأكيد يحب أن يكون قادراً على التعلم منها. وهو يستطيع التطور لأن لسجلاته نوع من الديمومة. الفكرة الأولى التي يمكن استخلاصها من التجانس المتعلق بالاختيار هي أن الاختيار بالربط بدلاً من الأرشفة قابل للمكننة.

لانستطيع أن نأمل بأن تكون بالسرعة والمرونة التي يتبع بها العقل مساراً للربط، لكن يمكن التغلب على العقل فيما يتعلق بديمومة ووضوح المواد المستخرجة من أماكن الخزن. لنفترض أداة مستقبلية للاستخدام الشخصي كنوع من المجلد أو المكتبة الممكننة وكاسم لها سنختار بشكل عشوائي ميمكس. الميمكس Memex*  هي أداة يستطيع الفرد من خلالها تخزين كتبه وسجلاته واتصالاته وهي ممكنة بحيث يمكن الرجوع إليها بسرعة كبيرة ومرونة. إنها عنصر موسع ومكمل لذاكرة صاحبها. هذه الآلة تتألف من مكتب، ومن المفترض أن تكون قابلة للاستخدام عن بعد. إنها في المقام الأول القطعة من الأساس التي تعمل عليها وفي أعلى الأداة يوجد شاشات شفافة مائلة، للقراءة المريحة. تحوي الآلة لوحة مفاتيح ومجموعة من الأزرار والأذرع. خلاف لذلك تبدو كمكتب عادي. في أحد أطرافها توجد المواد المخزنة. تعالج مسألة الحجم الكبير عن طريق ميكروفلم محسّن. جزء صغير من داخل الميمكس مخصص للتخزين، والباقي يخصص للآليات.

لكن إذا أدرج المستخدم 5000 صفحة يومياً سيستغرق المخزن  مئات السنين ليمتلئ، مما يتيح للمالك تخزين المواد التي يحتاجها بحرية. يتم شراء معظم محتويات الميمكس على ميكروفلم جاهز للإدراج. وبالتالي يتم الحصول على الكتب من كل الأنواع والصور والمجلات والجرائد وتحفظ في مكانها. المراسلات التجارية تأخذ نفس المسار. مع إمكانية للإدخال المباشر. على الجزء العلوي من الميمكس يوجد لوحة شفافة. توضع عليها الملاحظات المكتوبة والصور والمذكرات وغيرها من الأشياء. انخفاض الذراع عندما تكون في مكانها يجعلها تنطبع على المساحة الفارغة التالية في مقطع من فلم الميمكس. ويستخدم في هذه العملية التصوير الجاف. هناك بطبيعة الحال فرصة لإمكانية الاطلاع على السجل حسب نظام الفهرسة المعتاد.

 إذا أراد المستخدم الاطلاع على كتاب معين، ينقر رمزه على لوحة المفاتيح، فتظهر أمامه على الفور صفحة عنوان الكتاب، معروضة على إحدى أماكن العرض، الرموز المستخدمة بكثرة يكون الوصول إليها سهل، لدرجة أن المستخدم نادراً ما يعود لكتاب الرموز الخاص به، ولكن عندما يعود لكتاب الرموز نقرة واحدة تعرضه. وللآلة أذرع إضافية. بتحريكها إلى اليمين يتصفح المالك الكتاب وكل صفحة بدورها تعرض أمامه بسرعة معينة مما يتيح له لمحة سريعة على كل صفحة وإذا حرك الذراع إلى اليمين أكثر يتصفح كل 10 صفحات في وقت واحد أما إذا حرك الذراع مرة أخرى إلى اليمين سيتصفح كل 100 صفحة مع بعضها. التحريك إلى اليسار يعطيه نفس القدرة على التحكم بالاتجاه العكسي.

وهناك زر خاص ينقله فوراً إلى صفحة الفهرس. وبالتالي يمكن الاطلاع على أي كتاب بسهولة أكبر مما لو كان علينا جلبه من على رف. ولامتلاكه عدة أماكن عرض، يستطيع عرض مادة على إحدى أماكن العرض بينما يطلع على مادة أخرى. كما يمكنه إضافة الملاحظات والتعليقات الهامشية، بالاستفادة من إحدى طرق الطباعة الجافة. ويمكن حتى ترتيبها ليستطيع القيام بذلك استخدام قلم للتحديد، كالذي يستخدم في آلة إرسال البرقيات الموجودة في غرف انتظار محطات السكك الحديدية، كما لو أن الصفحة الأصلية موجودة أمامه.

7

هذا كله تقليدي باستثناء إسقاط آليات وأدوات اليوم على المستقبل. إنه يتيح خطوة فورية لفهرسة ترابطية، الفكرة الأساسية منها أن تكون حكماً يقضي بأن أي مادة يمكن أن تكون سبب لاختيار أخرى فوراً وتلقائياً. هذه هي السمة الأساسية للميمكس. عملية ربط مادتين معاً هي الشيء المهم.

عندما يبني المستخدم مساراً يقوم بتسميته، ويدرج الاسم في كتاب رموزه، ويقوم بإدخاله على لوحة المفاتيح الخاصة به. ويتم إسقاط المادتين قبله على مواقع إظهار متجاورة. في نهاية كل واحد منها يوجد عدد من مساحات الترميز الفارغة، ومؤشر يتم ضبطه ليشير إلى واحدة من هذه المساحات على كل مادة. ينقر المستخدم مفتاح واحد، والمواد تنضم بشكل نهائي. في كل مساحة ترميز تظهر كلمة الرمز.خارج نطاق العرض ولكن ضمن مساحة الرمز تدرج مجموعة من النقط للعرض الضوئي وعلى كل مادة يتم تعيين هذه النقط بحسب موقعها برقم فهرس خاص بها. فلذلك، عندما تكون إحدى هذه المواد معروضة، المادة الأخرى يمكن أن تستدعى فوراً بمجرد النقر على زر تحت مساحة الرمز المقابلة. وعلاوة على ذلك، عندما تنضم عدة بنود لتشكل مساراً، يمكن استعراضها بالدور، بسرعة أو ببطء، بتحريك راع كالتي تستخدم في قلب صفحات الكتاب. إنه تماماً كما لو أن المواد المادية جمعت مع بعضها البعض من مصادر متباعدة وتم جمعها معاً لتشكل كتاب جديد. كما أن أي مادة يمكن أن تنضم إلى مسارات عديدة. لنفترض أن مالك الميمكس مهتم بأصل وخصائص القوس والسهم.

إنه يدرس بالتحديد لماذا القوس التركي القصير على ما يبدو كان متفوق على القوس الإنكليزي الطويل في الحروب الصليبية. ومن المرجح أنه يملك العديد من الكتب والمقالات ذات الصلة بهذا الموضوع في آلته. أولاً يبحث في موسوعة ويجد مقالة مثيرة للاهتمام ولكنها سطحية، يتركها معروضة ثم في كتاب تاريخ يجد مادة ذات صلة ويربط الاثنتين معاً. وهكذا يقوم ببناء مسارات للمواد. ويدرج أحياناً تعليق له إما يربطه بالمسار الأساسي أو يربطه إلى مادة معينة عن طريق مسار فرعي. عندما يصبح واضح أن خصائص المرونة للمواد المتوفرة لها أهمية كبيرة في صنع القوس يصنع مسار فرعي يأخذه عبر الكتب المتعلقة بالمرونة وجداول الثوابت الفيزيائية. يدرج صفحة لتحليلاته الخاصة. وهكذا يكون قد بنى مسار للموضوع المهتم به عبر متاهة المواد المتوفرة له.

كما أن مساراته لا تتلاشى، فبعد عدة سنين وهو يتطرق بالحديث مع صديقه إلى الطرق الخاطئة التي يقاوم الناس بها الابتكارات، ويطرح على سبيل المثال حقيقة أن الأوربيين لا زالوا يفشلون في تبني فكرة القوس التركي. ويذكر له أنه يملك مسار عن هذا الموضوع. ولمسة واحدة تجلب كتاب الرموز، ينقر القليل من المفاتيح التي تمثل بداية المسار.يتحكم بذراع تمر خلاله، وتتوقف عند مواد مثيرة للاهتمام وتمر عبر أحد الفروع لتستكشفه. ولكونه مساراً مثيراً للاهتمام ومهم للنقاش يشغل الناسخ مصوراً المسار بأكمله ويعطيها لصديقه ليدرجها في آلة الميمكس الخاصة به، ليتم وصلها بمسار أعم.

8

ستظهر أشكال جديدة كلياً من الموسوعات مجهزة مسبقاً بشبكة من المسارات التي تربط بينها، وجاهزة ليتم وضعها في الميمكس. فيضحي المحامي مالكاً لكل الآراء والقرارات التي صادفها في مسيرته المهنية، ومسيرات أصدقائه ومسؤوليه. ويصبح الموظف في مكتب براءات الاختراع قادراً على الوصول لملايين براءات الاختراع التي تم نشرها مع مسارات مشابهة لأي موضوع يريد زبونه الوصول إليه.

ويقوم الطبيب الحائر في أعراض أحد مرضاه بمراجعة المسار المنشأ حين تم دراسة حالة مشابهة مسبقاً بالإضافة إلى ما يمتلكه من مراجع في التشريح والأنسجة. وسيمتلك الكيميائي الذي يعمل على تركيب مركب عضوي كل المراجع الكيميائية التي يحتاجها في مختبره، مع مسارات تحوي معلومات عن مركبات مشابهة ومسارات أخرى تحوي معلومات عن سلوكها الفيزيائي والكيميائي. يقوم المؤرخ الذي يملك كماً كبيراً من المعلومات عن أشخاص بجمعها في مسار يتوقف فقط على العناصر المهمة، وبإمكانه في أي وقت متابعة مسارات معاصرة تقوده إلى كل ما يتعلق بحضارة ما في حقبة معينة. سيشكل صنع المسارات مهنة جديدة لهؤلاء الذين يجدون متعة في العمل على إنشاء مسارات مفيدة من السجلات الهائلة التي نمتلكها الآن.

سيكون الإرث العلمي لعالم ما ليس فقط ما أضافه، بل بالنسبة لتلاميذه سيكون السجل السابق له بأكمله. وهكذا قد يقوم العلم بتحديد الطريقة التي يقوم فيها الإنسان بالإنتاج والتخزين والرجوع إلى سجلاته. سيكون مفاجئاً أن نحدد أدوات المستقبل بشكل مذهل أكثر، عوضاً عن الالتزام بطرق وعناصر معروفة الآن وخاضعة للتطوير، كما تم فعله هنا. تم تجاهل كل أنواع الصعوبات، كما تم تجاهل طرق غير معروفة حتى الآن قد تأتي يوماً ما وتقوم بتسريع التطور التقني كما فعل ظهور الأنبوب الحراري. وكي لا تكون الصورة غير مهمة، بسبب تعلقها بأنماط حالية، قد يكون من المستحسن ذكر احتمال كهذا، ليس بغرض التوقع لكن لاقتراح نبوءة تمتلك مادة تقوم على امتداد لشيء معروف، بينما تكون نبوءة أخرى قائمة على أشياء غير معروفة عبارة عن تخمين مضاعف فقط. كل خطواتنا في عملية أخذ أو استيعاب معلومات من السجل تجري ضمن إحدى الحواس-اللمس حين نقوم بلمس المفاتيح، السمع حين نتحدث ونتكلم، الرؤية حين نقرأ. أليس من الممكن أنه يوماً ما قد يكون الطريق موضوعاً بشكل مباشر أكثر؟ نعلم أنه حين تشاهد العين، كل المعلومات التي تحصل عليها يتم نقلها إلى الدماغ بسيالات عصبية عبر العصب البصري.

وهذا مشابه تماماً للسيالات الكهربائية التي تحدث في التلفاز: حيث أنها تقوم بالحصول على الصورة من الخلية الضوئية التي تشاهدها ومنها إلى مرسل الراديو الذي يقوم ببثها. ونعلم إضافة إلى ذلك أنه إن كان بإمكاننا أن نصل إلى ذلك الكبل بأدوات مناسبة، ليس علينا أن نلمسه; حيث أننا نستطيع التقاط هذه السيالات عن طريق التحريض الكهربائي وبهذا نكتشف ونعيد عرض المشهد الذي يتم إرساله، بنفس الطريقة التي يتم فيها نقل الرسائل إلى التلفون. تنقل النبضات التي تنتشر في أعصاب يدي شخص يقوم بالطباعة إلى أصابعه المعلومات المترجمة التي يتلقاها من عينيه أو يديه، كي تقوم الأصابع بضرب المفاتيح المناسبة.

هل سيتم اعتراض هذه التيارات، في صيغتها الأصلية التي يتم فيها نقل المعلومات إلى الدماغ، أو في صيغتها المعدلة بشكل مذهل التي تنتقل فيها إلى اليد؟ عن طريق الوصل بين العظام نقوم بتقديم الأصوات إلى قنوات أعصاب الصم كي يتمكنوا من السماع. هل من الممكن أن نتعلم أن نقدمها دون التعقيد الحالي لأولى عمليات تحويل الاهتزازات الكهربائية إلى ميكانيكية، التي يقوم الجسم البشري بتحويلها مجدداً إلى شكل كهربائي؟ بوصل قطبين إلى الجمجمة يقوم الإنسيفالوغراف encephalograph الآن بإنتاج آثار حبرية تحمل بعض ما يتعلق بالظواهر الكهربائية التي تحدث في الدماغ. صحيح أن السجل غير مفهوم، إلا أنه يشير إلى بعض الخلل في آلية الدماغ; لكن من سيضع حدوداً لما قد يؤدي إليه هذا الشيء؟ في العالم الخارجي تم تخفيض كل أنواع الذكاء إن كان للصوت أو البصر إلى صيغة تيارات مختلفة في دارة كهربائية كي يتم نقلها. تحدث نفس العملية في داخل الجسم البشري.

هل علينا دائماً التحول إلى حركات ميكانيكية بهدف الانتقال من ظاهرة كهربائية إلى أخرى؟ إنها فكرة موحية، لكنها تضمن بالكاد التوقع دون خسارة الاتصال مع الواقع والآنية. يفترض أن يتم رفع معنويات الإنسان إن استطاع مراجعة ماضيه المظلم وتحليل مشاكله الحالية بشكل أكثر موضوعية. قام ببناء حضارة معقدة لدرجة أنه بحاجة إلى مكننة كافة سجلاته إن أراد دفع تجاربه إلى استنتاجاتها المنطقية لا أن يتم تأخيره عن طريق تحمل حدود ذاكرته.

قد تكون اكتشافاته أكثر إمتاعاً إن كان بإمكانه امتلاك المقدرة على نسيان الأمور المتشعبة التي ليس بحاجة لها أن تتوافر بين يديه مباشرة، مع ضمان أنه بإمكانه الرجوع إليها إن وجد داعٍ لذلك. بنت تطبيقات العلم للإنسان البيوت المجهزة جيداً وعلمته كيف يعيش بشكل صحي ومكنته من إلقاء الأسلحة الفتاكة على غيره من البشر. لكنها قد تسمح له فعلاً أن يقوم بجمع سجل كامل عن كل شيء وبتوسيع حكمة البشر. قد يفنى قبل أن يعرف كيف يستخدم هذا السجل لمصلحته الحقيقية لكن يبدو أن هناك مرحلة سيئة في تطبيق العلم لتلبية احتياجات ورغبات الإنسان، يبدو أنها مرحلة سيئة الحظ لإنهاء العملية فيها، أو لنفقد الأمل فيها من النتائج.

جهاز كمبيوتر كروم بوك بكسل الجديد وأزمة الهوية

تقديم غوغل لأجهزة Chromebook العاملة على نظام تشغيل من نوع جديد قائم على متصفح كروم ومفهوم كمبيوتر سحابي بالكامل كان نوعاً من تطوير الأجهزة اللوحية من غوغل. لكن في 2013، ومع مشاكل التجزئة التي تحاول غوغل كثيراً تجاوزها ووجود نظام تشغيل أيضأً مختلف باسم كروم  أتى جهاز Chromebook Pixel كروم بوك بيكسل ليشكل أزمة هوية حقيقية لأجهزة غوغل.

أجهزة Chromebook مربكة بالفعل

بعد فترة من الإشاعات والتقارير المسربة أعلنت غوغل رسمياً عن جهاز كروم بيكسل، جهاز كمبيوتر محمول بشاشة ذات دقة عالية تعمل باللمس وقائم على نظام التشغيل السحابي Chrome OS كروم أو إس.

أمران غريبان هنا في هذا الجهاز، أولهما شاشة اللمس المرتبطة بجهاز كمبيوتر محمول والتي وجدنا أنها لم تحقق هذا النجاح المبهر حقيقة خصوصاً أنه قدم مسبقاً من إتش بي وديل وغيرها. ماسبب هذا الترف في دقة الشاشة؟ هذه الدقة 239 بكسل بالإنش تفوق حقيقة دقة الريتينا في آبل ماك بوك برو! كل هذا لأجل زيادة الدقة فقط!

نشعر هنا أن هناك تنافس خفي بين غوغل ومايكرسوفت حقيقة، خصوصاً أن جهاز مايكروسوفت Surface Pro الجديد يحمل نفس الفكرة لكن بالعكس، حيث أن جهاز كروم بوك هو لاب توب بشاشة لمس أم الـ Surface هو جهاز لوحي بمواصفات جهاز مكتبي أو محمول. على أي حال الواضح أن متابعي التقنية غير متحمسين لهذا النوع من الأجهزة أصلاً.

إعلان جهاز كمبيوتر محمول مزود بشاشة لمس غريب في زمن آي باد، لكن لنفترض الآن أنه قد تعمل غوغل عبر دعمها الكبير لتقنيات الويب (علينا أن نتذكر دائماً ان نظام التشغيل في هذا الجهاز هو نظام سحابي بالنهاية) وقد تظهر منتجات بنمط جديد من الواجهات الـهجينة، تلك التي تتطلب تفاعلاً تقليدياً عبر الماوس أو لوحة المفاتيح أو طبيعياً Natural مثل اللمس المتعدد.

لكن، لنتكلم الآن عن الأمر الآخر:

السعر

تبحث عن جهاز كمبيوتر محمل بشاشة عرض جميلة بميزانية 1200 دولار؟ مارأيك بـ ماك بوك إير 13 إنش بـ 1199 دولار؟ لاتحب ماك؟ مارأيك بـجهاز غريب كـ Surface Pro؟ ماهي علاقتك مع أجهزة الألترابوك الثورية التي بدأت تظهر من أسوز وسامسونج وسوني بعد ماك بوك إير؟

ما الفكرة هنا؟ يبدو أن غوغل تبتعد عن تراثها في الأجهزة الرخيصة ذات الأداء الجيد جداً.كان جهاز نكسوز 7 مثلاً مثالاً على هذا. حتى أن أجهزة كروم بوك نفسها كانت بديلاً جيداً ورخيصاً كونها أتت كبديل طبيعي لأجهزة النت بوك الرخيصة الفاشلة ولكن بأداء ممتاز.

بعيداً عن حماس استخدامه للعشر دقائق الأولى، هناك عدد قليل من مستخدمي الحواسب مستعد لتحمل محدودية نظام كروم (حتى وإن كان كم التطبيقات وأداء كروم بوك الأساسي جيداً). الأمر الغير واضح أبداً الآن هو استعداد دفع أكثر من 1000 دولار للحصول على جهاز مشابه، لكن بشاشة لمس!

من ReadWrite بتصرف وتعديل

 الحقيقة العلمية وراء إدماننا على القهوة والكافيين

يعتبر فنجان القهوة الصباحي أهم شيء لنا في اليوم حتى نحصل عليه. كل هذا على الرغم من أن النظريات والدراسات العديدة التي تشرح الآلية الدقيقة التي يزود بها دماغنا أجسادنا بالطاقة لم تفهم بعد.

الآن ومع الاكتشافات الجديدة في علم الجينات والطرق الجديدة في تحديد كمية النشاط الاستقلابي، تحولت عادة شرب القهوة اليومية وإدمان الكافيين إلى علم يستلزم إجراء الأبحاث.

لم يعد ممكناً ترك تأثير الكافيين والقهوة  للصدفة حقيقة، أمور كإمتحانات الجامعة أو المنافسات الحاسمة قد تكون مقبولة. حددت بعض الرياضات  التنافسية كمية الكافيين المقبولة عبر قياس نسبته في البول (على الرغم من الشكب العلمية في طريقة ربط هذه القياسات بكمية الاستهلاك)

ظهر منذ فترة أيضاً تطبيق آي فون  يقدر تركيز الكافيين في الدم ويساعد على تنظيم استهلاكنا له. يقوم التطبيق على نشاط أحد الأنزيمات السيتوكرومية CYP1A2. وفي الوقت الذي تتغير فعالية هذا الأنزيم بشكل واضح من شخص لآخر، تستطيع شركات تحليل جينات حديثة مثل 23andMe إخبارنا أي نوع من هذا الأنزيم موجود لدينا   وبالتالي إن كنا أشخاصاً نقوم باستقلاب الكافيين بسرعة أو ببطئ.

لكن الصورة الكاملة لاستقلاب الكافيين أكثر تعقيداً بقليل. لدينا جميعاً ست أنواع من بروتينات CYP التي يقوم كل منها بوظيفة محددة. بدورها تنتظم هذه الأنزيمات في نقاط سيطرة يمكن أيضاً تحديد كميتها جينياً. يتم التحكم بالعديد من البروتينات المحولة للطاقة، كمستقبلات الدوبامين dopamine والأدينوزين adenosine  مباشرة بواسطة الكافيين، ولها على الأقل دور في تأثيراته. يمكن أن تكون أي نسخة محددة (تدعى الآيزوفورم) يصادف أن نمتلكها مؤشراً جيداً على كيفية تأثير الكافيين والأدوية الأخرى على سلوكنا ونفسيتنا. تبين أن الأفراد المعرضين للقلق نتيجة عدم تناول الكافيين يملكون نوعاً فريداً من تعدد الأشكال أو التغيرات على مستوى أحد في جينات هذه المستقبلات.

 ينقسم الكافيين في نهاية المطاف إلى العديد من نواتج الاستقلاب التي تساهم بذاتها في إحداث التأثيرات الناتجة عن تناول الكافيين. عندما يضاف الشك في تركيز المصدر الأساسي للكافيين (إن كان مصدرك هو القهوة) إلى كل الشك في كيفية استقلابه، لا نستطيع فعلياً أن نحصل على رؤية جيدة لما يحدث أو حتى لما نشعر به. لذا ما نريد فعله حقاً هو تحديد كميته في الدم.

يصعب الحصول على قياسات لنسبة الكافيين في الدم. وقياس هذه النسبة في الدماغ البشري أو العضلات ليس أمراً عملياً الآن. تم استخدام تقنية تعرف بـ microdialysis لمعرفة نسبته في دماء الحيوانات مباشرة، لكن هذه الدراسات لها قيمة محدودة. يمكن قياس تركيز الكافيين في البول أو السوائل الأخرى كالمشروبات الغازية، عن طريق إجراء عينات على جهاز تفريق لوني ( أو استشراب ) chromatograph للسوائل، أو يمكن استخراجه وتعريضه لمطياف أشعة فوق بنفسجية.

في حالة السوائل الكاوية أكثر، كالقهوة الساخنة، بذلت محاولات لإيجاد مقياس يعتمد على مضادات الأجسام المقاومة للحرارة التي تنطلق ضد الكافيين عن طريق حقن أشكال بروتينية منها في حيوانات الجمل واللاما. الآفاق العملية العملية ضيقة لتحديد الكمية في وسط معقد كمجرى الدم. هناك طريقة لتجربتها عبر إنتاج جسيم مضاد مرتبط ببروتين مرسل مشع يمكن الكشف عنه لاحقاً بأداة مقياس غلوكوز معدة مسبقاً.

ما المميز جداً في الكافيين؟

تعطي العديد من الجزيئات المختلفة نوعاً من التنبيه إن تجاوزت الحاجز الدموي المحيط بالدماغ ودخلته. أحد أكثر الظواهر غرابة للتنبيه المألوف هو أنه لا يتغير مهما كان نوع الجزيء الكيميائي الذي أثاره. ما نفسره بتنبيه قد يكون عبارة عن عدم تطابق عابر لما يتوقع الدماغ أن يشعر به بناء على سلوكه مؤخراً، وما يشعر به حقيقة نتيجة للتبدلات الكيميائية.

ما يجعل الكافيين منشطاً سلساً هو أنه يملك ثلاث مجموعات ميثيل قابلة للانحلال في الدهون على سطحه، وهو ما يمكنه من الانزلاق عبر أغشية الخلايا والوصول بسرعة إلى كافة أجزاء الجسم. تقوم إنزيمات CYP1A2 بتفكيك هذه الجزيئات ما يجعل الكافيين ليس فقط خارج الخلايا لكن تجعله جاهزاً للطرح أيضاً.

لا يأتي الشعور الجيد ووضوح الهدف إلا بعد وصول النظام بصعوبة إلى النقطة حيث توقف آليات الإدخال والإخراج لفترة وجيزة سيطرة المنبهات. كشعورنا بالحاجة لشرب أكثر من فنجان قهوة للحصول على تأثير النشاط المرجو منه.

ما يمكننا الاستفادة منه حقاً هو طقوس بديلة، ميثادون ممتاز للمجتمع، لإراحتنا من عقد الصفقات مع الشيطان من فترة لفترة. بينما يزيد الكافيين الرغبة العامة للنوم أكثر من إنقاصها، يؤكد تزويده لنا بالتحكم الآني بحالتنا الداخلية حاجتنا الدائمة إليه. من المحتمل جداً أن يكون الكافيين هو أفضل ما يمكنك الحصول عليه بشكل نظري أو غير نظري طالما يمتلك جزيء واحد القدرة على إحداث مفعول إيجابي على مستوى العقل دون آثار تدميرية.

إن كان هذا ما هو الحال عليه ربما يجدر بنا أن نبذل كل جهد للحصول على كل ما نستطيع منه.

مقال لـ جون هيويت John Hewitt من ExtremeTech

عن أزمة قيد المحتوى الرقمي

يزداد تنافس الشركات الكبرى يوماً بعد يوم في تأمين الأفلام والمسلسلات وغيرها من أنواع المحتوى بأرخص الأثمان وأكثرها تنافسية. كانت آبل  سباقة لهذا عبر نموذج الـ 99 سنت للأغاني والسعر المنخفض جداً للمسلسلات والأفلام.
لكن، تحول هذا النموذج الذي أصبح معياراً قياساً لكل أنواع المحتوى الرقمي وأشكاله إلى مشكلة حقيقية في خلق “قيد” عليه وجعله محبوساً في قمقم لايمكن الخروج منه.
يكتب داني سوليفان من CNET عن هذه المشكلة بالتفصيل موضحاً أبعاد المشكلة، ما الذي يحدث عندما ننتقل من iOS  إلى آندرويد؟

لننظر معاً في هذا المخطط وندرس “تقييد” محتوى الفيديو الذي تم شراؤه من آي تونز وأمازون وأجهزة إكس بوكس ومتجر غوغل و Vudu. نتحدث هنا عن أحد أكبر متاجر الفيديو الرقمية في العالم وإن كان متجر غوغل لايزال في قائمة “أُخرى”.

من أحد أفكار داني الطريفة ربما هو نظرتنا للمحتوى الرقمي كمخلص بشكل أو بآخر من مشكلة الدي في دي أو البلو راي حتى والحاجة إلى النهوض عن الأريكة وتغييره ثم العودة،  سبب طريف لربطه بالكسل المعاصر ربما. لكن من الأمور الهامة أيضاً لتبنينا النمط الرقمي السحابي للوسائط المتعددة بهذه السرعة هو قدرة المزامنة الهائلة وتشغيل الفيديو من أي مكان دون الحاجة للتبديل والتغيير.

يقارن الكاتب أيضاً بين الميزات المختلفة لكل منصة وحسناتها وإيجابياتها، صحيح أن الحالة مرتبطة بالفيديو فقط لكني أجد نفسي مجبراً لذكر التطبيقات هنا. أين المشكلة في أن يكون تطبيق “س” متاحاً لي على آندرويد عندما أشتريه على آي فون؟ أصبح إدمان الإنترنت الحديثة على ربط كل شيء بحساب شخصي مزعجاً حقيقة ومرتبطاً بحجم المنصة نفسها. من أمازون إلى تويتر ففيس بوك وآبل!

لم يغطي داني طبعاً عالم فيديو الإنترنت السفلي عبر الـ Torrent و Usenet وغيرها، هذا العالم المفتوح الذي لايتمتع بهذه القيود أبداً بغض النظر عن مشكلة القرصنة الضخمة.

قد لايكون “قيد المحتوى الرقمي” مطبقاً بقوة في عالمنا العربي نظراً لعدم اهتمام هذه الشركات الكبرى بسوقنا في هذه المرحلة، وهانحن نسرح ونمرح بمواقع التحميل المختلفة مع وجود تطبيقات مثل Media Plex تحول كل مانمتلك من محتوى إلى مكتبة مؤرشفة وموثقة بشكل جميل جداً!

لكن الواضح أن هذه محاولات هذه الشركات في اختراق عالمنا العربي قد بدأت، وستبدأ مع دخولها مشكلة منصة الترفيه المفضلة لنا وحجز محتوانا المفضل داخلها.

من CNET

الصورة من Engadget